العنوان من محاذير العبث بالسيرة النبوية.. الفاتيكان وفيلم غراميات المسيح
الكاتب عبدالله خليل شبيب
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1976
مشاهدات 80
نشر في العدد 299
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 11-مايو-1976
منذ سنوات نشرت مجلة الفاتيكان الرسمية مقالًا ممتازًا ومنصفًا عن الإسلام وربما لأول مرة يرد مقال معتدل ومنصف بهذا الشكل.. لأنهم هناك لا يعلمون حقيقة الإسلام، ولكنهم اعتادوا أن يخفوا عنه ما يعلمون كما تحدث عنهم القرآن..
إذن فما السبب في نشر ذلك المقال المنصف الذي قلما نشر مثله في ذلك المعقل النصراني والذي يؤثر ما يصدر عنه في ملايين النصارى في العالم؟
أن السبب يرجع إلى موقف ليبيا في رفض السماح لفيلم عن «غراميات المسيح» بدخول ليبيا «۱» فأعجبت الفاتيكان لهذا الموقف الذي يوافق موقفها في رفض الفيلم وظنت ذلك مجاملة فأوضح السفير الليبي في روما أننا مسلمون وأن ديننا الإسلامي يفرض علينا احترام المسيح عليه السلام وأمه الصديقة عليها السلام.. وإن الإيمان بالمسيح كنبي جزء من ديننا..
فما كان من الفاتيكان إلا أن نشر ذلك المقال.. ربما كمبادلة للمجاملة.. وكتوضيح لبعض تعاليم هذا الدين الذي يحترم المسيح ويجله على عكس ما يفعل اليهود ورواد صناعة السينما- وجلهم من اليهود أو تلامذتهم..
ولعل هذه كانت نقطة البداية لمؤتمر الحوار الذي عقد من بعد بليبيا.. وكان من أمره ما كان..
أما الفيلم السالف ذكره.. غراميات المسيح.. فيبدو أن جو الانحلال التام في السويد قد جعل حكومتها توافق عليه وتساعد أحد المخرجين لإخراجه.. لكنها في هذا العام رجعت عن موقفها بعد ضغط فاتيكاني.. وتحركات من نفس السويديين ومنشورات تشجب الفيلم المذكور.. وقيل إن المخرج ربما يختار لإتمام فيلمه مكانا آخر كفرنسا مثلًا وربما هوليود.. فصاحب الشر ملحاح .. والشيطان يجلب عليه بخيله ورجله ويظل يهزمه وبسوطه حتى يكمل شره..
بين محمد والمسيح عليهما السلام..
قد يقال حتى الآن ما علاقة كل هذا بالفيلم الذي قيل إن أكثر من نسخة صورت عنه وجعلوا له عنوانًا «محمد رسول الله» صلى الله عليه وسلم؟
والأمر يصبح في منتهى الجلاء والوضوح إذا صغنا المسألة بالشكل التالي: إذا كان المسيح -عليه السلام-.. وهو الذي لم يتزوج.. ورفع إلى الله شابًا فتيًا افتروا عليه -وهم يدعون أنهم أتباعه- حتى جعلوا له غراميات.. إلخ
فما بالك بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. الذي يعلم الجميع أنه كان له تسع زوجات؟ وإن كثيرًا من الغربيين وأعداء الإسلام حاول استغلال هذه النقطة للطعن في النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته.. إلخ. حتى أن واحدًا من أصدقاء العرب وخصوصًا الاشتراكيين منهم- هو المفكر اليهودي الفرنسي الاشتراكي: مكسيم رودنسون قد ألف كتابًا ضخمًا جعل عنوانه «محمد» صلى الله عليه وسلم.. وكله طعن خبيث في النبي -صلى الله عليه وسلم-.. ودس للسم في الدسم بمحاولة في منتهى البراعة يتظاهر بمدحه وهو يفعل العكس.. وبأسلوب فني يكاد يخدع القارئ حتى بعض الفضلاء بالرغم من معلوماته القيمة وأنه لا يعوزه الأسلوب ولا الاطلاع على السيرة- اعترف أنه لا يستطيع الرد عليه.. لقوة حبكته وخبث نسجه.. ذلك الكتاب أكثر ما يدور حوله ويلف.. هو موضوع زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-.. ويحاول استغفال عقول القراء.. وتناسي الحقائق البديهية البسيطة. التي سنبنيها -إن شاء الله- والتي هي بمثابة الحق الذي يدمغ باطل المبطلين والنور الذي يبدد ظلامهم..
فتحوا بابًا لم يستطيعوا سده
ولا يفوتنا قبل إن نغادر هذه النقطة من أن نذكر أن السلطات الدينية النصرانية -والفاتيكان إحداها أو أولها- هي التي فتحت الباب للعبث بسيرة سيدنا المسيح -عليه السلام-.. بأن سمحت بأن يمثل عنه فيلم ويظهر فيه.. ولم تكن تدري أن الأمور ستصل إلى هذا الحد. ومع أنها اشترطت استقامة الممثلين بعد ذلك وتوبتهم وألا يمثلوا بعد ذلك الفيلم غيره..
لكنها أعطت الإذن، وفتحت الباب.. فمثلت أفلام وأظهروه في أفلام بدأت بالاحترام وانتهت بالاستهزاء والاستهتار والافتراء حتى زعموا أن له غراميات وليال حمراء.. حاشاه وحاشا جميع الأنبياء.. فهم معصومون كلهم من الخطأ..
جهلهم وحقدهم يزيد الأمر سوءًا
إذا أضفنا إلى ذلك فكرة النصارى عمومًا والغربيين عن العرب والمسلمين وأنهم مرتبطون في أذهانهم بألف ليلة وليلة ولا شك أن الكثير يعلمون.. بل وشاهدوا بعض الأفلام واللقطات التي يصورون فيها العرب والشرقيين على أنهم بوهيميون لا هم لهم إلا النساء والمتعة.. وما يضفي خيالهم المريض على صورة العرب المسلمين..
أضف إلى ذلك الجهل والحقد المتأصل على الإسلام في قلوب أعدائه الصليبيين واليهود ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾.. ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.. إلخ كل هذا يؤكد خطورة فتح باب العبث بسيرة الأنبياء.. وخصوصًا بسيرة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.. الذي لا يؤمن به دهاقنة السينما اليهود والنصارى، بل ويحملون له ولدينه وأمته أعتى حقد وأسوده..
مسألة وجيهة
فمع وجاهة كل ما ورد في مذكرة الجهات الإسلامية في الكويت.. شخصيات وهيئات.. للمطالب بوقف فيلم محمد رسول الله. إلا أننا نرى أن هذه الناحية أيضًا من أخطر النواحي.. إذا تصورنا كيف فعلوا بالمسيح -عليه السلام-.. وموقفهم من الإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام. وكيف سيفعلون من بعد.. ومن سيمنعهم ما دمنا قد سمحنا بفتح الباب.. وولجناه أمامهم.
لن يكون أمامنا حينذاك إلا الاحتجاج.. ولن يجدي الاحتجاج والغضب شيئًا.. هذه الناحية الوجيهة والمهمة -فيما أعتقد- لا بأس بأن تضاف إلى كل ما أوضحته مذكرة الهيئات والشخصيات الإسلامية بالكويت كحيثيات لرفض فيلم «محمد رسول الله».
حول تعدد زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-
وما دمنا قد أشرنا إلى موضوع تعدد زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- فلا بد من جلاء الأمر وإن هي إلا تذكرة..
والموضوع لا يحتاج منا إلا إلى أعمال فكر بسيط لندرك الأمر جيدًا وتنهار جميع الصروح المزيفة من شبهات أعداء الإسلام وانتقاداتهم..
توضیحات
ونعرض هنا بضع أمور لتوضيح هذه النقطة:
۱- أن لكل زيجة من زيجاته -عليه السلام- سببًا تشريعيًا أو اجتماعيًا يرجع إليه مفصلًا في كتب السيرة.
٢- إن كثرة نسائه -عليه السلام- يفدن في نقل العلم والدين إلى النساء الأخريات اللاتي لا يتيسر تعلمهن من النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة.. لسبب أو لآخر وفي بعض الأمور على وجه الخصوص، والتي تتعلق بالنساء خاصة.. ويمنعهن الحياء من السؤال عنها..
۳- أن كل نسائه كن ثيبات -لا أبكارًا عدا عائشة رضي الله عنها، مما يدل على أن الأمر ليس أمر متعة، وإلى لاختارهن أبكارًا من أجمل نساء العرب.. وكان الكل يتمنى تزويجه.
٤- أنه الوحيد -كما أبيحت له هذه الخصوصية- حرم الله عليه الزواج مطلقًا بعد ذلك ولو طلق نساءه أو بعضهن.. وهو ما لم يحرم على أحد غيره ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ﴾.
لماذا لم يحدث قبل البعثة؟
٥- أنه لو كان الأمر متعة.. لتزوج ما شاء قبل البعثة، ولم يكن لعدد الزوجات حد في الجاهلية.. وكان الكل كذلك يتمنين تزويجه -صلى الله عليه وسلم- لشرفه وأصله وخلقه ونبله.. بل أنه قد ذكر عن بعض الأنبياء السابقين أنهم تزوجوا العشرات، بل المئات.. حيث إن نفس الكتب التي يؤمن بها النصارى واليهود نسبت إلى داود أنه تزوج مائة امرأة وإلى سليمان أنه تزوج سبعمائة.. وهذان نبیان كریمان..
يؤمن بهما كذلك اليهود والنصارى ويقدسونهما.. ولو صح ذلك عنهما.. فلن يغض عن قيمتهما أو رسالتهما..
لم يعدد الزوجات إلا في الشيخوخة. بعد سن الخامسة والخمسين.
٦- وهذه مسألة حسابية.. وناحية أحسبها جديدة.. فلو تفكرنا قليلًا وسألنا:..
من أول زوجاته عليه الصلاة والسلام؟ وكم كان سنه حين تزوجها؟ وهل جمع معها أخرى؟
الجواب واضح.. كانت أولى زوجاته السيدة خديجة رضي الله عنها.. وقد تزوجها وهو في ريعان شبابه.. كان في سن الخامسة والعشرين.. وكانت هي في سن الأربعين- تكبره بخمس عشرة سنة.. وكانت ثيبًا -أي سبق لها الزواج من قبل- ولم يتزوج معها امرأة أخرى..
وواكبت السيدة خديجة رضي الله عنها المسيرة النبوية نحوًا من خمس وعشرين
سنة.. قبل البعثة وبعدها.. وكانت نعم الزوجة الوفية المخلصة وظل زوجها الوفي يحتفظ لها بالود والتقدير حتى بعد وفاتها.. فقد كانت أول المؤمنات به.. وشدت أزره.. حتى أن العام الذي توفيت فيه هي وأبو طالب عمه.. سمي عام الحزن ولعله كان قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين كما ذكر ابن هشام في سيرته نقلًا عن ابن إسحق الذي وصف خديجة أيضًا بقوله:- كانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها ولا نعلم أنه صلى الله عليه وسلم تزوج بعد خديجة حتى هاجر، إلا أنه كان قد خطب عائشة رضي الله عنها.
وتزوجها بعد الهجرة.
ونعم أنه -صلى الله عليه وسلم- حين بدء الوحي كان في سن الأربعين، ومكث في مكة داعيًا نحوًا من ثلاث عشرة سنة، وهاجر في سن الثالثة والخمسين..
وما عدد الزوجات إلا بعد الهجرة وقد تجاوز الثالثة والخمسين، بل وربما لم يجمع زوجتين، أو أكثر من أربعة إلا بعد الخامسة والخمسين.. بعد غزوة بدر وبعد استتباب الأمر نسبيًا في المدينة، واستقرار أمر الدولة الإسلامية هناك، وظهور الحاجة لتلك الزيجات.
والخامسة والخمسون هي سن كهولة، بل سن شيخوخة لا يبقى فيها للرجل كبير حاجة إلى النساء..
فلو كان سن يتمتع فيه إنسان لكان سن الشباب.. من الخامسة عشرة والعشرين إلى نحو الأربعين.. ولا يتجاوز الخمسين ولا يعقل أن يقال إن إنسانًا عزف عن متعة النساء في سن الشباب والفتوة.. إنه يقبل عليها في سن الكهولة والشيخوخة لأجل المتعة خصوصًا إذا كانت الظروف طبيعية.
فكيف إذا كانت الظروف إبان الشباب مساعدة له أكثر من زمن الشيخوخة حيث لا تحديد للعدد.. والنساء كثر.. وأشرف الناس تشرئب أعناقها لمصاهرته.. والأمور سهلة ميسورة..
لا بد أن يكون مثل هذا الأمر في ذهن الإنسان إذا سمع شيئًا من افتراءات أعداء الله على رسوله وسيرته وطهره -صلى الله عليه وسلم-..
لا تفتحوا الباب للافتراءات والخيالات المريضة..
فكيف بمن يريدون فتح الباب لمثل تلك الافتراءات.. بل لما هو أشد منها من التخيلات المريضة والتزايدات القصصية الكاذبة الضالة من قوم لا يؤمنون بنبينا ويحقدون عليه.. فيريد بعض قومنا فتح الباب لهم ليصوروه بأبشع الصور التي نربأ عن مجرد تصورها.. بل ذكرها ومشاهدتها..
الله هو المدافع، العاصم المانع:
وما أرى إلا أن الله مدافع عن نبيه مبطل كيد أعدائه.. راد كيدهم في نحورهم ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ أفلا يدافع عن سيد المؤمنين نبيه -صلى الله عليه وسلم-.. وهو الذي تعهد بحفظه وعصمته.. ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وكما قال -صلى الله عليه وسلم- لابنته وهي تبكي وتنثر عن رأسه التراب الذي ألقاه عليه أحد أشقياء المشركين «لا تبكي يا بنيه.. إن الله مانع أباك»
أن هذا الدين متين، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه.. ولن يحارب الله أحد إلا قهره الله فما أشقى من يحارب الله الذي لا تحد قوته ولا تدرك عظمته..
«۱» من المفارقات أن ليبيا تشارك في تمويل فيلم «محمد رسول الله» وتصر على عرضه..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل