العنوان من نفحات بدر الكبرى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1982
مشاهدات 72
نشر في العدد 579
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 13-يوليو-1982
* غزوة بدر الكبرى التي وقعت في رمضان السنة الثانية للهجرة، ما تزال منبعًا ثريًّا للمعاني السامية، والدروس الدائمة، والعبر الجليلة؛ فمنذ خرج المسلمون بقيادة نبيهم صلى الله عليه وسلم لاعتراض قافلة قريش بدأت المواقف تتوالى، والمعاني المستفادة منها تفيض:
فبعد نجاة القافلة وخروج أبي جهل بالمشركين للقتال، صارت المواجهة أمرًا محتمًا، ولأن المسلمين لم يخرجوا أساسًا للحرب، كان الموقف صعبًا للغاية حيث لا استعداد هناك، ولذا كانت الشورى هنا بين القائد وجنوده ضرورة ملحة، وأساسًا مكينًا لإحراز النصر، فكان تشاور حول شأن القتال نفسه، وحول موقع المعركة، وحول قضية الأسرى.
إن النصر ببد الله، ففي المقياس المادي كان استعداد المسلمين ضعيفًا جدًّا بالنسبة إلى المشركين، سواء من حيث العدد أو العدة، ولكن الإيمان بالله تعالى والتسليم له جعل النصر ممكنًا، فرغم توالي المعجزات في الواقعة نفسها إلا أن المسلمين أنفسهم كانوا يقاتلون أيضًا؛ فدل ذلك على أن للنصر ركنين لا بد منهما: الإيمان والإعداد.
من جملة الوقائع أن بعض المسلمين لقي بعض أقربائه في الجانب المشرك، فمقابل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وقف أخوه عقيل، وكذلك مصعب بن عمير حامل اللواء مقابل أخيه أبي عزيز حامل لواء المشركين، وطارد أبو بكر الصديق رضي الله عنه ولده عبد الرحمن، وقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه خاله العاص بن هشام بن المغيرة، وقتل أبو عبيدة بن الجراح أباه! وهكذا كانت بدر فرقًا بين الحق والباطل، فألغت العصبية للقرابة والجنس، وجعلت آصرة الدين هي الحقيقة الماثلة.
كانت قضية الغنائم والأسرى خاصة شيئًا جديدًا على المجتمع الإسلامي، ولذلك حصل الاجتهاد في شأنهم إلى درجة الخلاف بين استبقائهم أو استئصالهم. وكان هذا درسًا جديدًا أضافته الغزوة المباركة إلى السجل الإسلامي الضخم.
وتبقى مجموعة المعاني النبيلة التي أبرزتها الوقعة الخالدة:
* فما دام المسلمون يحترمون آراء بعضهم ويتشاورون فيما بينهم، فإنهم في خير وعزة دائمين بإذن الله.
* وما داموا يعتقدون بإله واحد، ويؤمنون بدين واحد.. يقاتلون في سبيله ويموتون من أجله، لا تفرقهم الشعارات، ولا تغري بينهم العدوات والعمالات، فإنهم منصورون، ظاهرون على عدوهم إن شاء الله.
* وما داموا يرون أن الولاء لله ورسوله ودينه وكتابه، وأن القرابة للولي المؤمن، لا لقرابة الدم، وأن العقيدة آصرة والإيمان أخوة.. فإنهم في سعادة ومحبة وإخاء يستنيرون بنور الله.
* وما داموا يرون أن النصر من عند الله ولكن الاستعداد له واجب، ويرون أن الأمر كله لله ولا دخل لهم في تحقيق النصر ولا أحقية لهم في استغلال نتائجه، وأن أمر الله فوق شهوات النفس وإغراء الحياة الدنيا في الجاه والمنصب والتكاثر.. فإنهم أقوياء بقوة الله.
إلا أننا في نفحات هذه الذكرى العظيمة ومعانيها النبيلة لا نملك إلا أن ندعو الله ليمكننا من الاستفادة منها، ونقول مع القائل:
أي يوم أجل من يوم بدر حيث بانت حقيقة الأشياء!