; موضوع الغلاف.. عدد (1523) | مجلة المجتمع

العنوان موضوع الغلاف.. عدد (1523)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 25-أكتوبر-2002

مشاهدات 28

نشر في العدد1523

نشر في الصفحة 26

الجمعة 25-أكتوبر-2002

قصة المؤامرة الإرتيرية على السودان

«لماذا يعض أفورقي ديكتاتور إريتريا اليد السودانية التي أحسنت إليه؟»

خطة الهجوم على الجبهة الشرقية وضعت في أسمرة بحضور أفورقي والمتمرد جارانج والميرغني

الخرطوم: محمد حسن طنون

الهجوم المفاجئ من حركة التمرد في جنوب السودان المدعوم لوجستيًا وبشريًا من إريتريا استهدف ثلاثة أهداف حيوية، وهي مدينة همشكوريب القرآنية، ومدينة كسلا الاستراتيجية، وطريق الخرطوم بورسودان الحيوي.

 مدينة همشكوريب لا أهمية عسكرية لها، بل من هذه الناحية يعد احتلالها خطأ فادحًا، فهي لا تضم إلا مراكز تحفيظ القرآن للنشء والكبار من شتى أنحاء السودان، وهي منطقة مكشوفة وقد احتلت عام ٢٠٠٠م وحررت بسهولة في العام نفسه، وقد تمكنت حركة التمرد من احتلال همشكوريب بالكامل وتوعدت الحكومة بطردهم من المدينة قريبًا.


ولكن الحركة عجزت عن تحقيق الهدفين الآخرين: كسلا وطريق الخرطوم بورسودان، وإن ادعت أنها قطعت الطريق، ولكن تبين كذب هذا الادعاء، فالطريق آمن موصول.

اتهم السودان رسميًا إريتريا بالضلوع في الهجوم، وعلمت المجتمع من مصادرها الخاصة أن الاتهام صحيح، والتورط الإرتيري لا يمكن إنكاره أو إخفاؤه خطة الهجوم وضعت في أثناء زيارة المتمرد جون جارانج لأسمرا، واجتماعه بأسياس أفورقي رئيس النظام الإرتيري ومحمد عثمان الميرغني رئيس التجمع الوطني وزعيم طائفة الختمية.

الخطة المرسومة قضت بنقل جنود من حركة التمرد وتحديدًا من أولئك الذين ينتمون إلى قبيلة الدينكا التي ينتمي إليها جون جارانج والموالين له بطائرات أوغندية إلى حدود إريتريا مع السودان لفتح جبهة قتال جديدة في الشرق.

والسؤال: لماذا الهجوم الجديد على الجبهة الشرقية في الوقت الذي تبذل فيه كينيا كرئيس لدول الإيجاد الجهود لجمع الطرفين حول طاولة المفاوضات مرة أخرى، وفي أثناء وجود الوسيط الكيني لازاراس سيمبويا؟


حركة التمرد لها دوافعها الخاصة التي تتعلق باستراتيجيتها وأساليبها التكتيكية.

١ - الدافع الأول من الهجوم هو أن القيادة السودانية أطلقت يد القوات المسلحة بعد خيانة حركة التمرد لها في أثناء انعقاد المفاوضات في مشاكوس واحتلالها مدينة توريت الاستراتيجية في شرق الاستوائية وبالفعل تحرك الجيش السوداني في كل الاتجاهات، وتدفقت جموع المجاهدين لمساندة ودعم القوات المسلحة، وتلقت حركة التمرد ضربات موجعة في كل المحاور وهي الاستوائية وغرب النوير في أعالي النيل، ومحور الكرمك في النيل الأزرق، ورأت الحركة أن الجيش وقوات الدفاع الشعبي قد ضيقوا عليها الخناق في كل مسارح العمليات وحاصروا مدينة توريت تمهيدًا لتحريرها بعد تحرير كل النقاط المهمة وبالفعل تم تحرير توريت في ادعاء الحركة قطع طريق بورسودان - الخرطوم في الجبهة الشرقية.

 شعرت الحركة أنها فقدت زمام المبادرة في كل المناطق، حيث تم تأمين مناطق البترول في غرب النوير، وتحرير عشر نقاط ومواقع في النيل الأزرق.

 إزاء هذا التقدم السريع فكرت حركة التمرد في فتح الجبهة الشرقية بالتنسيق مع أعداء السودان والعرب والمسلمين التقليديين في إريتريا وأوغندا ابتغاء تشتيت جهود القوات السودانية المتمركزة على جبهات الجنوب.

۲ - الدافع الثاني: هو أن الوسطاء من دول الإيجاد وشركاءها من دول الغرب المسيحي وأمريكا -وكلهم منحازون لحركة التمرد بحكم تكوينهم الفكري والنفسي والمصلحي- شعروا بالحرج وهم يرون انهيار قوات حركة التمرد خاصة أمام الضربات المركزة لسلاح الطيران السوداني، فتحركوا لنجدة الحركة بحجة درء كارثة إنسانية متوقعة بسبب نقص الغذاء والكساء، ولا سيما وقد انسحبت منظمات الإغاثة من جوبا فور سقوط توريت في يد حركة التمرد، ظنًا من هذه المنظمات التابعة للأمم المتحدة، أن جون جارانج سيتجه صوب جوبا لاحتلالها، وإعلان دولته الانفصالية من هناك.

الوسطاء تحركوا لإنقاذ حركة التمرد ومارسوا ضغوطًا على الحكومة السودانية للعودة لطاولة المفاوضات، ولكنهم جوبهوا بموقف حازم من الحكومة، وهو لا عودة إلى المفاوضات إلا بعد تحرير توريت بالكامل، خاصة وقد قدم السودان فلذات أكباده في هذه المعركة، وعلى رأسهم العالم المجاهد الشيخ أحمد حاج نور نائب مدير جامعة إفريقيا العالمية وكوكبة من المجاهدين من شباب السودان من الأطباء والمهندسين والجامعيين.

تؤكد تحريات المجتمع أن الحكومة السودانية تعرضت لضغوط رهيبة ومكثفة من قبل أمريكا بالذات للعودة لمشاكوس، ولكنها صمدت ووضعت شروطًا عدة للعودة، وهذه الضغوط جاءت بعد تأزم موقف حركة التمرد العسكري في جميع الجبهات، لقد كان السودان بأكمله يعيش حالة استنفار قصوى بعد الاستجابة الشعبية العارمة لنداء الاستنفار وهذه الحالة تشكل آخر حرب نفسية تتعرض لها قوات جارانج المتمردة، مما جعل الروح المعنوية لها في أدنى الدرجات.

 لذا كان الهجوم الكبير على الجبهة الشرقية في شرق السودان بغية خلط الأوراق ورفع الروح المعنوية لمليشيات جارانج، بالإعلان عن الهجوم بضجة إعلامية كبرى شاركت فيها حتى الفضائيات العربية للأسف.

مستقبل مشاكوس

في سياق الجهود المبذولة لجر الحكومة السودانية إلى طاولة المفاوضات التي قطعت بعد سقوط توريت جاء إلى الخرطوم الوسيط الكيني الجنرال لازاراس سيمبويا، مبعوثًا من الرئيس الكيني آراب موي، وقضى ثلاثة أيام في مفاوضات متواصلة مع مسؤولين سودانيين. وقيل إنه جاء بأفكار وآراء جديدة تحث الحكومة السودانية على التفاوض، ويبدو أن الوسيط قد توصل إلى وعد من الحكومة بالعودة إلى المفاوضات في الرابع عشر من أكتوبر بشروط جديدة، لا بد أن تتحقق، منها وقف إطلاق النار والحصول على ضمانات بألا تتكرر خيانة حركة التمرد للعهود والمواثيق وبغير تلك الشروط فإن العودة لطاولة المفاوضات لا طائل من ورائها والحكومة غير مستعدة لأن تلدغ من جحر واحد مرتين ولا مجال لإضاعة الوقت والمال والجهد بلا فائدة.

 وفي افتتاح الدورة الجديدة للمجلس الوطني البرلمان، أكد الرئيس عمر البشير التزام الحكومة بقضيتي الوفاق والسلام كبندين أساسيين في برنامج العمل الوطني، وأضاف أن موقف الحكومة سيظل ثابتًا وواضحًا بألا تراجع عن الاتفاق الإطاري الذي وقع في مشاكوس ولا عودة لطاولة الحوار إلا بعد تهيئة الأجواء المواتية للتفاوض، تدعمنا في ذلك قطاعات المجتمع الداخلي كافة والأشقاء والأصدقاء بالخارج الذين تفهموا موقف البلاد.

دوافع النظام الإريتري

هناك جامع يجمع بين قائد حركة التمرد في السودان جارانج ورئيس النظام الإرتيري أسياس أفورقي وهو أنهما صليبيان يريدان حكم الأغلبية المسلمة في السودان وإريتريا لصالح الصليبية العالمية والصهيونية العالمية ولم يعد سرًا العلاقات الوثيقة بين الرجلين وبين الكيان الصهيوني، لدرجة أن أفورقي إذا مرض لا يطلب العلاج إلا في مستشفيات تل أبيب.

ولكن ما الدوافع التي جعلت إريتريا تتورط في هجوم مسلح ضد جارتها، على الرغم من كونها عضوًا في منظمة الإيجاد التي تتوسط لإحلال السلام في السودان، ولماذا تفتح هذه الدولة -التي معظم سكانها مسلمون يتحدثون اللغة العربية بطلاقة- أراضيها لقوات التمرد؟

المتتبع للأحداث في المنطقة يعلم أن هذه ليست المرة الأولى التي تعتدي فيها إريتريا على السودان، وإنما بدأت ذلك منذ عام ١٩٩٣م، وهو العام الذي نالت فيه إريتريا استقلالها، ولا ينكر أحد أن السودان له الفضل الأكبر في استقلال إريتريا، وله أفضال خاصة على أسياس أفورقي، الذي عاش في الخرطوم أيام حربه ضد منجستو حاكم إثيوبيا الشيوعي إلى أن نالت إريتريا استقلالها.

 السودان الذي وقف مع إريتريا قرابة ثلاثين عامًا، استضاف خلال هذه الفترة أكثر من مليون لاجئ إريتري عوملوا كأنهم سودانيون وما زال كثيرون منهم يعيش في السودان رافضين الرجوع الطوعي إلى إريتريا، كما أن السودان كان أول دولة تعترف بالكيان الوليد إذن لماذا يعض أفورقي اليد التي أحسنت إليه ويجعل لسان حال السودانيين يقول: اتق شر من أحسنت إليه؟

الدوافع كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولًا: يعيش الرئيس الإرتيري في شك مريب من جميع جيرانه الذين عاداهم بلا مبرر مفهوم أفورقي يتوجس خيفة من علاقات التنسيق بين السودان وإثيوبيا واليمن، ويعتقد أنه موجه ضده ويهدد نظامه الآيل للسقوط أصلًا، رغم أن السودان أكد له مرارًا أنه لا يتحالف مع دولة ضد أخرى .

ثانيًا: يعيش النظام الإرتيري أزمة داخلية طاحنة سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا، ففي خلال شهر واحد فر أكثر من عشرين دبلوماسيًا، وطلب جميعهم حق اللجوء السياسي أقطار مختلفة، ومنهم سفير إريتريا في السودان، الذي لجأ إلى سويسرا.

 وتقول تقارير موثقة واردة من الداخل إن الصراع قد تفاقم بشكل خطير بين أعضاء التنظيم الحاكم الجبهة الشعبية، وتكونت مجموعة الإصلاحيين التي تعارض سياسات وتصرفات رئيس النظام أفورقي خاصة استعداءه لجيرانه، هذا الاستعداء الذي يفتقر للياقة واللباقة وحقوق الجوار، فقد اعتدى من قبل على السودان واليمن، ودخل حربًا خاسرة مع إثيوبيا، وتتكرر اعتداءاته على السودان.

مجموعة الإصلاحيين تقوم بنشاط إعلامي مكثف لفضح سياسة أفورقي الاستبدادية وتورد صحيفة أخبار اليوم السودانية سبعة مبادئ لمجموعة الإصلاحيين الذين يعملون للإطاحة بأفورقي هي:

1- عدم التدخل في الشؤون الداخلية للسودان خاصة ودول منطقة البحيرات عامة.

٢ - تطوير العلاقات مع دول الجوار العربي وإعادة النظر في العلاقات مع ليبيا.

3- اعتماد اللغة العربية لغة رسمية للبلاد.

4 - مساواة الدين الإسلامي مع الدين المسيحي في الدولة.

5 - انتهاج سياسات اقتصادية سليمة تفيد المواطن في معاشه اليومي.

٦ - تأسيس نظام دستوري ودولة مؤسسات.

7- وقف الحرب مع إثيوبيا.

وبالإضافة لتحركات مجموعة الإصلاحيين في الداخل، فقد أفادت الأنباء الواردة من الخارج أن المعارضة الإرتيرية التي تعيش في الخارج شكلت قيادة موحدة للإطاحة بالنظام وتتخذ هذه المعارضة أديس أبابا عاصمة إثيوبيا مقرًا لها .

ثالثًا: أفورقي أسير الشعور بالعظمة ربما يغذيه اليهود الذين يلتفون حوله، فهو يعتقد أنه زعيم القرن الإفريقي، وله أن يلعب دورًا قياديًا ليكون شرطي أمريكا واليهود في المنطقة، لذلك يتطلع إلى أدوار أكبر من قدراته الفكرية والنفسية وأعظم من حجم دولته، والأدوار الكبيرة لا تلعب بسبب الطموحات والتطلعات، وإنما بالثقل السكاني والثروة والموقع الاستراتيجي.

أفورقي في نظر شعوب المنطقة وحكامها رجل أدمن الغدر بالمعاهدات، وضرب عرض الحائط بالمواثيق والأعراف الدبلوماسية، حيث ظل يوجه طعناته في جميع الاتجاهات.

رابعًا: الدافع الرابع ناتج من الدافع الثالث فأفورقي يريد توسيع مساحة دولته الضيقة وهو بهذا التصعيد للعمل العسكري في شرق السودان يريد فتح ملف الحدود بين السودان وإريتريا بادعاء أن مدينتي همشكوريب وكسلا ذواتا سيادة إريترية منذ العام ١٩٨٤م إبان احتلال إيطاليا للمنطقة.

وقد جاء هذا على لسان حاكم الإقليم الجنوبي الإرتيري ولد ميكائيل قبل الهجوم بأيام فقط.

خامسًا: لأفورقي حقد تاريخي ضد شرق السودان عامة، وعلى مدينتي كسلا وهمشكوريب مدينة القرآن، فقد فشل أفورقي أيام الحرب ضد نظام منجستو في الحصول على أي نفوذ لجبهته الشعبية اللادينية في المنطقة، لذلك فهو يعاني مشكلة نفسية، ويخاف من تأثير هذه المنطقة الإسلامية الخالصة على نظامه المتعصب للأقلية المسيحية في إريتريا. سادسًا: ثمة سبب سادس يذكره المراقبون وهو أنه يعاني مشكلة داخلية بحتة تتجسد في أن هناك عددًا كبيرًا من المحاربين يقدر بعشرات الآلاف وهم مجموع الشباب الذين حاربوا من أجل الاستقلال ثم أصبحوا بلا عمل، وخرجوا في مظاهرات مطالبين بحقهم في غنائم الاستقلال، ولامتصاص هذه المطالب، يوجه أفورقي هذه الجموع للقتال ضد الجيران خوفًا من أن ينقلب عليه هذا الجيش، فهو نظام لا يستطيع أن يعيش بلا حروب، لأن السلام عنده يعني حل مشكلات هذه الآلاف.

سياسات الرئيس الإرتيري أفورقي قصيرة النظر تجاه جيرانه، وهو بهذه السياسة لا يصلح لأن يكون عضوًا في الإيجاد، ولا وسيطًا للسلام لا هو ولا موسيفيني حاكم أوغندا، فكلاهما حركة التمرد يمدانها بالمال والسلاح والرجال ويفسحان الأرض لها للتحرك لوجستيًا، فكيف تقبل الحكومة السودانية هؤلاء وسطاء ربما تكون لكينيا وإثيوبيا مصداقية، أما هذان فلا مصداقية لهما أبدًا، ويجب نفض اليد عنهما ورفض وساطتهما.


أفورقي يهرب من المشكلات الداخلية باصطناع الخلافات مع جيرانه

 بعد التقدم الذي أحرزه الجيش السودان بدأت الضغوط على الخرطوم للعودة إلى المفاوضات ومن بين الضغوط الخيانة الإرتيرية

 

واشنطن تهدد السودان بمصير العراق

الكونجرس يفرض عقوبات..

 وبوش يحرك دمى الجوار للضغط

القاهرة: محمد جمال عرفة

بعد ساعات قليلة من إصدار الكونجرس الأمريكي بمجلسيه قرارًا بتفويض الرئيس بوش بالتعامل مع الملف العراقي بما فيه توجيه ضربة عسكرية، أصدر الكونجرس ذاته قرارًا مشابهًا يوم ۱۲ أكتوبر الجاري، يفوض بوش فرض عقوبات على السودان إذا رأت الحكومة الأمريكية أنه لا يتفاوض بحسن نية مع متمردي حركة جون جارانج أو يعيق وصول المساعدات الإنسانية إلى الجنوب!!

الغريب أن القانون الذي وقَّع عليه الكونجرس وينتظر توقيع بوش أطلقوا عليه اسم قانون سلام السودان، وقالوا فيه إنه يتعين على الإدارة الأمريكية أن تقرر كل ستة أشهر ما إذا كانت الحكومة السودانية وحركة جارانج تتفاوضان بنية حسنة ولكنهم حملوا حكومة البشير العبء الأكبر ومسؤولية فشل المفاوضات مستقبلًا بالنص في المشروع على إنه إذا انتقدت الإدارة الأمريكية الحكومة السودانية وليس حركة التمرد  فستصوت الولايات المتحدة حينئذ ضد القروض التي تقدمها الهيئات الدولية للسودان، والتفكير في خفض العلاقات الدبلوماسية معه ومحاولة منع الحكومة من استخدام عائدات النفط لشراء أسلحة، والسعي لإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يفرض حظرًا على الأسلحة على الخرطوم!!..

ولم ينس مشروع الكونجرس مطالبة وزير أن يكونوا متورطين في ما سماها الجرائم التي تصنف على أنها جرائم حرب أو إبادة، أو جرائم ضد الإنسانية، بغية ملاحقتهم وتقديمهم للمحاكمة!.

 ابتزاز للضغط على الخرطوم لا يمكن فهم سر كل هذا الغضب الأمريكي على حكومة الخرطوم بعيدًا عن سير المعارك في الجنوب والشرق وبعيدًا عن التصور الأمريكي لوضع السودان ومنطقة شرق إفريقيا ككل.

 فليس سرًا أن هناك أطماعًا أمريكية في بترول السودان ومحاولات لتركيع حكومة الخرطوم، وفرض الوجود الجنوبي الوزاري في حكومتها المقبلة، لضمان تمرير قرارات معينة، وليس سرًا أن هناك رغبة أمريكية -تحدثت عنها مصادر غربية عديدة، وأشار إليها الصادق المهدي رئيس الوزراء الأسبق- في البحث عن موطئ قدم للوجود العسكري الأمريكي في شرق إفريقيا للسيطرة على بترول المنطقة، وضمان قواعد تحرك ومناطق إمداد.

 كما أن التحرك الأمريكي النشط لحل أزمة جنوب السودان والضغط على المتمردين للقبول ببروتوكول الخارجية مشاكوس لم يأت حبًا في السودانيين، ولكنه جاء في إطار رغبة أمريكا في فرض أوضاع في المنطقة تمهد لاستقدام قواتها وفرض نفوذها.

وما دامت مشكلة جنوب السودان هي الأكثر تأثيرًا على توتير الأوضاع هناك وبسببها تدهورت العلاقات بين غالبية دول المنطقة في شرق إفريقيا، فقد تم التركيز عليها، خصوصًا أنها مدخل مهم لإفريقيا التي تضعها واشنطن ضمن أولوياتها في المرحلة الأخيرة بعد ظهور بشائر قوية على إنتاج البترول ووجود احتياطيات له.

 ويبدو أن المشكلة الحقيقية في التعامل بين حكومة السودان، وإدارة بوش الحالية ترجع لخلافات أمريكية داخلية، وتصورات متباينة بين الكونجرس -الذي تسيطر الجماعات التبشيرية على تصوره نحو السودان- والإدارة، فهذه الأخيرة تنظر للخرطوم نظرة إيجابية نسبيًا، بسبب سرعة استجابة الخرطوم للتهديدات الأمريكية عقب 11 سبتمبر، والمبادرة بالتعاون أمنيًا مع واشنطن في إطار حملتها ضد ما تسميه بالإرهاب في حين ينظر الكونجرس إلى الخرطوم كدولة أصولية، ترعى تجارة الرقيق وتقتل الجنوبيين المسيحيين.

وقد نجحت الإدارة في نقل تصوراتها بشأن التعامل مع الخرطوم والاستفادة من دوره في تعزيز النفوذ الأمريكي بالمنطقة إلى الكونجرس، بيد أن عودة المتمردين للسلاح واحتلالهم بعض المناطق في الجنوب وبخاصة مدينة توريث وإعلان الخرطوم الجهاد مرة أخرى لاستعادة المناطق المحتلة أثار مخاوف واشنطن من فشل مشاكوس، فحاولت ردع الخرطوم بسلاح العقوبات كي ترضى بالأمر الواقع ومشكلة إدارة بوش -في ظل حالة النشوة العسكرية التي تسيطر عليها- أنها تصورت أن الخرطوم سترضخ وتقبل باحتلال المتمردين لتوريت دون أن تدرك أن السودانيين لهم حساباتهم الخاصة في التعامل مع التمرد، وأن أحد دعامات حكم البشير أنه حرر مدنًا ظل يسيطر عليها التمرد منذ الخمسينيات ومنها توريت وكبوينا وغيرهما، ولا يعقل بعد ١٢ عامًا في السلطة أن يعود المتمردون للسيطرة على هذه المدن.

 تعاملت واشنطن مع الخرطوم من منطلق التأديب والغضب فعادت لتحريك الدمى في الدول المجاورة، وعلى رأسها إريتريا التي أطلقت لجام حركة التمرد وبعض فصائل المعارضين السودانيين المسلحين على أرضها ليحتلوا مدينة همشكوريب في شرق السودان، ويحاولوا تهديد طريق الخرطوم. بورسودان الذي تمر منه غالبية احتياجات السودان من الخارج عبر ميناء بورسودان ودفع هذا الرئيس السوداني البشير لاتهام إريتريا بالخيانة، وقال إن الحكومة الإرتيرية تصرفت بشكل غريب عندما تبنت سياسة الخيانة، والعداء ضد بلد طالما كان يعد لها يد المصالحة والتسامح والدعم.

بل إن البشير أرسل رسائل تحذير واضحة لواشنطن برفضه وقف القتال حتى استعادة توريت وهمشكوريب، وبلغ التحدي قوله إنه لن يوافق على وقف إطلاق النار حتى يستعيد همشكوريب، فيما تحركت الجامعة العربية لتطالب باحترام سيادة وسلامة الأراضي السودانية، ومنح مساعي السلام فرصة لتجنب إراقة المزيد من الدماء.

مشاكل بالجملة تنتظر مفاوضات مشاكوس

ورغم ذلك، فقد وافقت الخرطوم على استئناف مفاوضات السلام مع المتمردين كي لا تغضب واشنطن، ولكنها أبلغتها بوضوح أن الحرب لن تتوقف حتى تستعيد توريت و همشكوريب، ولهذا قال مراقبون إنها دخلت مفاوضات مشاكوس التي بدأت يوم ١٤ أكتوبر الجاري، وهي أقوى بعدما استعادت توریت.

 ولكن الحقيقة أن المعارك الأخيرة كشفت المشكلات الحقيقية التي سوف تواجهها مفاوضات مشاكوس الحالية، خصوصًا أن الطرفين يرفضان وقف إطلاق النار، وإن كانا يتحدثان عن هدنة، كما أن هناك خلافات بالجملة حول تصورات المرحلة الانتقالية المقبلة وأبرز الخلافات هي:

-         يطالب الجنوبيون بأن يتم تأجيل وقف إطلاق النار إلى ما بعد التوصل لاتفاق شامل، في حين تطالب الخرطوم بوقف إطلاق النار فورًا.

-         بالنسبة للمؤتمر الدستوري المزمع عقده لوضع دستور جديد تعتبره الحكومة مؤتمرًا لإنجاز دستور اتحادي مركزي شامل فيما تعتبره حركة التمرد مدخلًا لإشراك كل قوى المعارضة الشمالية والجنوبية، وتطبيق الديمقراطية التعددية.

-          يطالب المتمردون بأن تضم الحكومة الانتقالية قوى المعارضة الأخرى في التجمع الوطني السوداني، وحزبي الأمة والاتحادي، فيما تقصره الحكومة على النظام الحالي في الخرطوم، إضافة إلى معطين للجنوب بصفته الجغرافية.

-          هناك خلافات بشأن توزيع الثروة في الجنوب والشمال وتوزيع عائدات البترول واشنطن تساند المتمردين في هذا الطلب.

-          وفيما يتعلق بقضية الجيش والسلاح أكد ياسر عرمان -المتحدث باسم الحركة- أن الحركة تطالب بجيش لكل من الكيانين الشمالي والجنوبي. بالإضافة إلى تحديد حدود الكيان الجنوبي، وتوزيع الثروة خاصة النفط وإعادة هيكلة السلطة المركزية ومؤسساتها السيادية والتشريعية، في حين ترفض الخرطوم فكرة الجيشين.

-          من المحاور الشائكة في المفاوضات تحديد حدود الكيانين الجنوبي والشمالي إذ تتمسك الحكومة بالحدود التقليدية للجنوب وفق خارطة ١٩٥٦م، لكن الحركة تريد -بالإضافة إلى الجنوب التقليدي وفق تلك الخارطة- ضم منطقة إيبي وجبال النوبة وجبال النيل الأزرق.

-          محللون سودانيون وصفوا هجوم حركة جارانج على مدينة توريت مؤخرًا بأنه حمل كاذب، وقصدوا بذلك أن جارانج لم يحارب سوى لأنه خشي انفراط عقد فصائل حركة التمرد الأخرى من مناطق النوبة. وإيبي ممن لم يشملهم بروتوكول مشاكوس، واتهموا جارانج بالخيانة، وكانوا ينشقون عليه، فلجأ لأي عمل عسكري لضمان توحد حركته، والضغط على الخرطوم لضم مناطق أخرى في الجنوب للمفاوضات.

-          وربما اختار جارانج توريت تحديدًا للهجوم عليها، لأنها أول مدينة انطلق منها التمرد في الخمسينات، ومن توريت انطلقت شرارة الحرب الأهلية في السودان المستمرة إلى يوم الناس هذا. كما أن هذه المدينة التي خسرها المتمردون في معارك صيف العبور عام ١٩٩٢م، بعد أن كان جناح جارانج يسمي باسمها جناح توريت. هي لمدينة جوبا عاصمة جنوب السودان والسيطرة عليها قد تفتح طريقًا لجوبا.

 ومن هنا أعلنت الخرطوم أنها مصرة -كما جاء في مذكرتها لسكرتارية منظمة إيجاد الإفريقية التي ترعى المفاوضات- على التعامل مع القضايا المستقبلية، وعدم مناقشة ما تم الاتفاق عليه في جولة مشاكوس الأولى في العشرين من شهر يوليو الماضي.

وقال الأمين العام للحزب الحاكم في السودان الدكتور إبراهيم عمر إن الحكومة زودت وفدها المفاوض بتوجيهات محددة حول أجندة التفاوض للجولة القائمة، وتشمل قسمة الثروة والسلطة والإجراءات الأمنية وحقوق الإنسان.

معارك توريت و همشكوريب الأخيرة قد تكون مفيدة بالتالي لحكومة البشير أكثر منها لحركة التمرد وواشنطن، بالنظر لحالة النشاط وعودة الروح إلى الجيش والشعب السوداني للدفاع عن أرضه ضد المؤامرات الخارجية، حيث خرج السودانيون إلى الشوارع كما فعلوا منذ عشر سنوات، وامتلأت مراكز التطوع التابعة لجيش الدفاع الشعبي.

ولا شك أن هذه الروح سوف تنعكس على المفاوضات من جهة، والموقف من واشنطن من جهة أخرى، حيث أثارت سياسة فرض الضغوط والعقوبات الأمريكية غضب السودانيين الذين ما فتنوا يشيرون إلى تشبيه خيانة واشنطن بخيانة إريتريا، وأن على الخرطوم أن تتجه إلى ما يخدم مصالحها فقط كما تفعل واشنطن وغيرها.

تداعيات التورط الإرتيري

بعد كشف التورط الإرتيري الكبير في دعم قوات جارانج قرر السودان تقديم شكوي ضد إريتريا لمجلس الأمن والاتحاد الإفريقي، والجامعة العربية.

 وكشف الفريق محمد بشير سليمان الناطق باسم القوات المسلحة السودانية -في مؤتمر صحافي ٧ أكتوبر- دلائل التورط الإرتيري في الهجوم على شرق السودان وقال إن إريتريا قدمت دعمًا كاملًا بالإعداد والتنفيذ. فقد تحركت ٨ كتائب من داخل إريتريا من منطقتي ردة وقادماييكا وانطلقت منهما مستهدفة احتلال مدينة كسلا -ثاني أكبر مدينة في شرق السودان بعد بورتسودان- وقطاع همشكوريب والسيطرة على الطريق البري بين الخرطوم - بورتسودان. كما كشف عن وجود منسقين إرتيريين بين قوات جارانج والمعارضة أسماؤهم معروفة للسودانيين.

وقال د. مصطفى عثمان وزير العلاقات الخارجية السوداني في لقاء صحافي  ٥ أكتوبر إن العدوان الإرتيري على السودان ليس غريبًا لأن كل العمليات العسكرية ضد السودان تعلن من أسمرا، وحركة التمرد تعلن كل عملياتها العدوانية من داخل إريتريا لأن أسمرا فتحت لها أراضيها للتدريب وتأهيل مقاتلي الحركة والتجمع، وكذلك الإذاعة المعارضة موجودة في أراضيها.

وكشف الوزير السوداني أن استراتيجية الحكومة السودانية تقوم على سياسة حسن الجوار مع كل الدول، وقد نجحت مع الكل باستثناء إريتريا التي كانت مواقفها في كافة المحافل الدولية ضد السودان، وعلى المستوى الأمني تنطلق عمليات من داخلها إلى السودان لضرب أنبوب البترول، وزرع الألغام التي مات بسببها ٤٣٠ سودانيًا عند الحدود السودانية الإرتيرية.

وبعد تقديم السودان لتقرير عن التورط الإرتيري في الهجوم على ٨ مناطق في شرق السودان قرر الجهاز المركزي لآلية فض النزاعات التابع للاتحاد الإفريقي في اجتماعه 11 أكتوبر في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا إرسال بعثة إلى السودان وإريتريا لتقصي الحقائق والأوضاع على الحدود بين البلدين.

وكشفت مصادر سياسية واسعة الاطلاع في العاصمة الإرتيرية أن الرئيس أسياس أفورقي قام باعتقال سبحات أفريم وزير الدفاع بسبب اعتراضه على الهجوم على السودان، وقام بتكليف وزير الخارجية تولي مهام وزير الدفاع، مما أحدث هزة داخل النظام الإريتري واستياء بالغين من هذا الهجوم غير المبرر على السودان. وقالت تلك المصادر إن الاجتماع الذي خطط فيه للهجوم على شرق السودان حضره الرئيس الإريتري بنفسه وجون جارانج زعيم حركة التمرد وبعض القيادات العسكرية والسياسية الإريترية بجانب شخصية أمريكية على مستوى مؤثر في صناعة القرار الأمريكي.

ويأبى أفورقي صاحب العلاقات المشبوهة مع الكيان الصهيوني، وصاحب الأحلام الزائفة إلا أن يبني إمبراطورية كبرى في شرق أفريقيا على حساب شعبه المقهور وبالاعتداء على جيرانه بدلًا من احترام خصوصية كل

شعب وسيادته.

 

حجم الاعتداءات الإريترية على السودان

۱ - ديسمبر ۱۹۹۳م قدمت إريتريا شكوى لمجلس الأمن ضد السودان بزعم أن حركة الجهاد الإريتري تسللت من السودان إلى داخل إريتريا.

2- الخامس من ديسمبر ١٩٩٤م قطعت إريتريا علاقاتها الدبلوماسية مع السودان.

۳ - ۲۳ مارس ۱۹۹٥م قامت إريتريا بمهاجمة السودان بدعم أمريكي واضح.

٤ - ٢٣ يونيو ١٩٩٥م استضافت إريتريا مؤتمر القوى المعارضة للحكومة السودانية الذي أقر مبدأ العمل المسلح لإسقاط الحكومة.

5 - نوفمبر ١٩٩٥م شاركت قوات إريترية في الهجوم على منطقتي مقري وفرجوك في جنوب السودان بالتنسيق مع أوغندا.

٦ - يناير ١٩٩٦م استضافت إريتريا المعارضة المسلحة وقدمت لها مبنى السفارة السودانية في أسمرا.

۷ - أبريل ١٩٩٦م هاجمت قوات إريترية قرية مديسيسه.

 8- مايو ١٩٩٦م أصدرت إريتريا خريطة لها تضمنت أراضي سودانية فيها مدينة كسلا.

۹ - ۲۱ يوليو ١٩٩٦م هاجمت قوات إريترية محطة أبو قمل.

10- ٦ سبتمبر ١٩٩٦م هاجمت قوات إريترية نقطة للشرطة السودانية في منطقة عواض.

11- ۲۰ سبتمبر ١٩٩٦م هاجمت قوات إرترية حراسة سودانية في منطقة «القرضة».

۱۲- ۷ أکتوبر ١٩٩٦م اجتمعت المعارضة السودانية بأسمرا وصدر بيان فحواه أنه بمساندة قوات إريترية هاجموا نقطة جنوب مدينة كسلا.

۱۳- ۱۱ ديسمبر ۱۹۹۷م اعتدت قوات إريترية على منطقة همشكوريب وقتلت عددًا من السودانيين.

١٤- ١٩٩٨م هاجمت القوات الإريترية مناطق فلسة وعواض وأبوقمل وقتلت عددًا من السودانيين.

مايو ۱۹۹۹م التقى الرئيس السوداني البشير الرئيس أفورقي في الدوحة ووقعا معًا اتفاق الدوحة وبعد اتفاق الدوحة التقى الرئيسان مرة أخرى في مدينة سرت الليبية.

١٥- ١٩ ابريل ۲۰۰۰م توغلت قوة إريترية في الأراضي السودانية وهاجمت منطقة عين وقطرنيت.

١٦- ٣ أكتوبر ۲۰۰۲م هاجمت القوات الإريترية مرة أخرى مدينة همشكوريب بجانب نقاط أخرى في جبهة طولها ١٨٠كم، وقامت بإمداد قوات جارانج بالذخيرة والعتاد والعربات لشغل الحكومة السودانية عن مواصلة انتصاراتها على حركة جارانج في جنوب السودان.

التقسيم في شرق أوربا

بعد عام على أحداث الحادي عشر من سبتمبر يقف كل من السودان والصومال على حافة التقسيم وما يجري في السودان ليس إلا حلقة في مسلسل تقسيم الوطن العربي والإسلامي إلى دويلات أو دول ضعيفة يسهل التأثير عليها حتى تمشي في ركاب الغرب والأمريكان ولعل من المفارقات أن يكون التقسيم في منطقة القرن الإفريقي من نصيب دولتين عربيتين وإسلاميتين هما: السودان والصومال السودان إلى دولتين أو ثلاثة والصومال إلى ثلاث دول، الخطوة الأولى في مسلسل التقسيم يجري الإعداد لها في السودان تحت رعاية أمريكية وإذا نجحت كان الصومال هو المرحلة التالية، وهو مهيأ لهذا التقسيم.

 حكومة السودان استشعرت خطورة الموقف بعد مرور ما يقرب من شهرين على اتفاق مشاكوس فسارعت إلى تعليق المفاوضات وأعلنت التعبئة العامة.

 في عقب سقوط مدينة توريت، أحد أهم المدن في جنوب السودان في أيدي قوات الجيش الشعبي بزعامة جون جارانج أمر الرئيس السوداني عمر البشير فريق المفاوضين بالعودة من مشاكوس إلى الخرطوم وتعليق المفاوضات وفي الوقت ذاته أعلنت التعبئة العامة في الجيش وفتحت معسكرات التدريب أمام الشباب وتبدل الخطاب السياسي والإعلامي ليواكب هذه التطورات حيث وصف البشير جارانج بالخائن بعد أن وصفه سابقًا بالوحدوي وعاد الوصف التقليدي للجيش الشعبي بالمتمردين.

تعليق المفاوضات خيب آمال الأمريكان في طبخ تسوية سياسية على النار الأمريكية، وفي المقابل نالت الخطوة السودانية القبول والارتياح من جانب جارتها الشمالية مصر التي رأت في الاتفاق تجاوزًا لدورها وتهديدًا لمصالحها الحيوية وأمنها القومي، وقد نشطت محاولات الوسطاء خصوصًا كينيا والولايات المتحدة للضغط على الحكومة السودانية للعودة إلى المفاوضات إلا أن الأخيرة طالبت بضرورة إصلاح الخلل الذي ترتب عليه تعليق المفاوضات ووضعت الحكومة السودانية من جانبها شروطًا لاستئناف المفاوضات من أهمها: وقف التصعيد العسكري وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الاستيلاء على مدينة توريت ووقف التحركات الرامية للاستيلاء على مناطق جديدة والشروع في ترتيبات لوقف شامل لإطلاق النار، وقد رفضت كل من واشنطن والحركة الشعبية هذه الشروط وعارض مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية وولتر كونستانتير مطالب الخرطوم بوقف الأعمال العدائية إلا بعد تقسيم الثروة والسلطة، كما روجت دوائر الاستخبارات الأمريكية تقارير عن نقل تنظيم القاعدة ذهبًا من باكستان إلى السودان، كما جاء في تقارير إعلامية غربية أن الكونجرس قد يقرر فرض عقوبات على السودان في حالة عدم التوصل لاتفاق سلام مع المتمردين خلال ستة أشهر.

 ويظل السؤال: هل كان احتلال توريت السبب الوحيد لتعليق المفاوضات وإعلان التعبئة العامة في صفوف الجيش والحكومة السودانية؟.

الوفد الحكومي قدم أربعة أسباب لتبرير انسحابه كان أخرها احتلال توريت وتتلخص هذه الأسباب في:

١- رؤية النظام القائلة إن الحركة طرحت الكونفدرالية، وهذا لا يتناسب مع بروتوكول ماشاكوس.

٢ - مطالبة الحركة بعاصمة قومية لا تطبق فيها الشريعة الإسلامية، ولعل هذا ما جعل البشير يعلن أمام حشد من السودانيين في مقر القيادة العامة للجيش ستظل الخرطوم عاصمة إسلامية لا محايدة ولا علمانية.

3- مطالب الحركة بضم جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ومنطقة إيبي لجدول المفاوضات، ورأت الحكومة في هذا المطلب تراجعًا من الحركة عن تفاهم مشاكوس حيث عادت الحركة لتطرح موضوعات حسمت في الجولة الأولى من المفاوضات مثل علاقة الدين بالدولة وحدود الكيان الجنوبي واتجاهها إلى الانفصال بدلًا من الوحدة والحرب بدل السلام.

4- احتلال توريت ثاني أكبر مدن الجنوب بعد شهرين من استيلاء الحركة الشعبية على مدينة كبريتا قرب الحدود الكينية، الأمر الذي حقق للحركة أكبر انتصاراتها العسكرية، ولم يتبق أمامها في كل ولاية شرق الاستوائية سوى مدينة.

 أمام هذه الأسباب والمعطيات لم يكن أمام الحكومة من خيار سوى تعليق المفاوضات وإعلان التعبئة العامة لقطع الطريق على محاولات للانقلاب على النظام ربما من الجيش نفسه، احتجاجًا على تفاهم مشاكوس، وكذلك وقفًا لمسلسل التنازلات الذي أغرى الحركة الشعبية باحتلال توريت وربما جوبا والخرطوم ذاتها التي صرح جارانج أنه لن يستريح حتى يصل إليها. ولم تلبث الخرطوم أن وافقت على العودة إلى المفاوضات دون أن يبدو أن أيا من مطالبها قد استجيب لها فلا توريت تحررت ولا الحركة سحبت مطالبها، الأمر الذي يطلق العنان للقول بأن الخرطوم استجابت للضغوط فماذا يمكن أن تجني في الجولة الجديدة من المفاوضات؟

د. أحمد علي الإمام -مستشار الرئيس السوداني لشؤون التأصيل!

 اتفاقية السلام تؤيد تطبيق الشريعة في السودان.. ولا تعارضها

الخرطوم: حاتم حسن مبروك

تتفاعل الأحداث وتتسارع في السودان في ظل مفاوضات السلام بين الحكومة وحركة جون جارانج، ويثار كثير من الشبهات حول موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية وعلمانية العاصمة، وجهل كثير من غير المسلمين بما لغير المسلمين من حقوق محفوظة لا تتوافر في ظل أي نظام بشري آخر. ومن أجل توضيح هذه الحقائق التفت التي د. احمد على الإمام . مستشار الرئيس لشئون التأصيل لاستجلاء عدد من القضايا:

·       بصفتكم مستشارًا لرئيس الجمهورية لشؤون التأصيل ما تعليقكم على ما أثير مؤخرًا بشأن شروط إنجاح جولات التفاوض بين الحكومة والحركة الشعبية وهل يتطلب تحقيق السلام. التنازل عن تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان؟

o     إن من يقول بأن الحكومة تتنازل الآن عن تطبيق الشريعة لتحقيق السلام، إما أنه لا يتابع مساعي الحكومة الطويلة السابقة لإحلال السلام وإما أنه لم يطلع على نصوص الاتفاق الإطاري الذي تم التوقيع عليه بين الحكومة والحركة بروتوكول مشاكوس فالمساعي السابقة قد تمخضت عن اتفاقية الخرطوم للسلام بين الحكومة وفصائل منشقة عن الحركة الشعبية عام ١٩٩٧م وهي اتفاقية دستورية، وقد اعتمدها الدستور عام ۱۹۹۸م، وفيها الالتزام بالحرية الدينية، والضمان لحقوق المواطنة، كما فيها اعتماد الشريعة والعرف كمصدرين أساسيين للتشريع على المستوى القومي مع استثناء الولايات الجنوبية من التشريعات ذات المصدر الإسلامي أو الديني.

 أما الاتفاق الإطاري الأخير فلم يخرج عن هذه القواعد، فالبند (3-2-2) ينص على أن «التشريع الذي يسن قوميًا، والذي له أثر على الولايات الأخرى دون جنوب السودان سوف يكون مصدره الشريعة وإجماع الأمة» وينص البند (3-۲-۲) على أن «التشريع الذي يسن قوميًا. والمطبق على الولايات الجنوبية سيأخذ مصدره التشريعي من إجماع الأمة، وقيم شعب السودان وأعرافه، بما فيها تقاليده ومعتقداته الدينية، وذلك على اعتبار تنوع السودان».

وهو المضمون نفسه الذي جاء بدستور السودان عام ١٩٩٨م كما جاء في المادة (٦٥) تحت مصدر التشريع، الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاءً ودستورًا وعرفًا هي مصادر التشريع.. هذا مع اعتبار الأخذ باتفاقية الخرطوم للسلام في الدستور كأحد الثوابت (المادة ١٣٧، والمادة 139.

 وربما تكون اتفاقية السلام النهائية أفضل مما جاء بدستور ۱۹۹۸م فيما يتعلق بالشريعة كمصدر للتشريع، وذلك من تأكيدات الأخ الرئيس البشير يوم 27 أغسطس الماضي بقوله: «إن الاتفاق نص على أن الدين هو الهادي والموجه لأهل السودان بحيث تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع في الشمال وديانات أهل السودان هي مصدر التشريع في الجنوب. كما أكد الرئيس أيضًا: إن الشريعة سيكون موقفها في الاتفاقية القادمة أفضل مما كان عليه في دستور ۱۹۹۸م. وقد استشهد الرئيس بما قاله المبعوث الأمريكي للسلام في السودان -جون دانفورث- في تقريره من أنه لا يمكن إجبار السودان على إلغاء الشريعة.

 وأكثر من ذلك، فإن عملية السلام القائمة على تنظيم دولة مركبة ومجتمع متعدد تعد أوفر الفرص لإبراز قيم الإسلام العليا في تحقيق التعايش الديني بين الملل والتلاقح الثقافي بين الحضارات وفي ضمان ما يطلبه العالم من حقوق الإنسان وما يقابلها ويزيد عليها في فقهنا من الحقوق والواجبات والحرمات وهي قمة تتقاصر دونها المواثيق الدولية حيث يلحق الإسلام هذه الحقوق بالحرمات حرمة الحياة وحرمة الحرية فعن حرمة الحياة يقول تعالي: ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ ( المائدة: 32).

وعن حرمة الحرية وبتعبير آخر عن طلاقة المشيئة والاختيار كما قدر الله تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (سورة هود: 118)، ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾(سورة هود: 119).

وأيضًا ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ( يونس: 99)، ويظل المسلمون يقرون في كتاب الله عز وجل منذ الفترة المكية ما تقدم كما يقرون في المدينة النبوية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

(سورة البقرة: 256)، فرعاية هذه الحرمات من الواجبات الدينية، وهو مستوى أكبر من الإلزام القانوني أو الالتزام الأخلاقي.

 وهكذا فإن السلام وما يعقبه من تنظيم للعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين في السودان لهو من دواعي تطبيق الشريعة الإسلامية، وليس من دواعي التنازل عنها، لأن تطبيق الشريعة هو الضمان الأوثق لتحقيق حقوق الإنسان.

 كما أن تطبيق الشريعة في مثل هذا المجتمع التعددي قمين بإحياء حركة الاجتهاد الجماعي ومن ذلك اتخاذنا صحيفة المدينة مرجعية لتنظيم علاقات المسلمين وغيرهم في إطار المواطنة. وهي وثيقة تعتبر أول دستور اتحادي في التاريخ لتنظيم مجتمع متعدد الملل والنحل.

 وبالطبع فإن الشريعة الإسلامية منهاج حياة متكامل لإقامة المجتمع الفاضل المتراحم المتكافل الذي تسوده العدالة الاجتماعية، كما هي منهاج التأسيس الحكم الصالح، الذي يقوم على الشورى والمناصحة.. هذه وغيرها من مقاصد الشريعة هي التي تبرز فضائل الإسلام على المناهج الأخرى، وهو ما تسعى الحكومة لإبرازه من خلال اتفاق السلام في هذه الظروف العالمية التي صار فيها الإسلام مستهدفًا بالعداوة والعدوان.

ماذا عن الحديث المتكرر من قيادات الحركة الشعبية عن حتمية نقل العاصمة القومية في المستقبل لتصبح علمانية لا تحكم بدين أو تنقل من مقرها في الخرطوم إلى مكان آخر؟

إنها على تقدير صحة نسبتها لا تتعدى كونها أراء ومواقف يعلن عنها البعض، قبل المفاوضات. ونحن من جانبنا نؤكد أننا لا نفرط أمر ديننا ولا خيار لنا من بعد لقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ ( سورة الأحزاب: 36).

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ( سورة النور: 51).

ومن الضروري الإمساك عن أي تعليق على مثل هذه الآراء والمواقف ما دامت المفاوضات جارية وفي سرية.


 

 

وهل يقع ظلم على حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم الذي يحكم بقوانين الشريعة الإسلامية؟

بالطبع لا، فالإسلام هو أكبر دعوة للعدل كأمر إلهي ﴿۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ( سورة النحل: 90)، والوضع الذي توصل إليه الطرفان في الاتفاق الأخير هو كما أسلفنا أن تكون الشريعة هي المصدر الأول الأساسي للتشريع في الشمال، وأن يكون إجماع الأمة وتقاليدها وأعرافها ومعتقداتها الدينية ويدخل فيها الإسلام مصدر التشريع في الجنوب.. وسيكون العدل الشامل هو مصدر العلاقات بين الأغلبية المسلمة والأقلية غير المسلمة في الشمال: العدل السياسي، والعدل الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية والعدالة القانونية والقضائية. وستكون للخصوصية الثقافية حرمتها ورعايتها.

 لقد برهنت الحضارة الإسلامية تاريخيًا على أنها بمثابة أمن وعدالة لسائر أهل الكتاب الذين عاشوا في كنف دولتها ﴿۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (سورة النساء: 58)، وقد احتمى بعدالتها اليهود والنصارى في وجه الاستبداد والاضطهاد اللذين مارستهما الإمبراطوريتان الرومانية والفارسية على رعاياهما من الشعوب التي وقعت تحت نيرهما.. وقد فضلت تلك الشعوب، كالأقباط في مصر مثلًا، الحكم الإسلامي العادل على الهيمنة الرومانية، رغمًا عن مسيحية الإمبراطورية الرومانية. لقد اعتبرت حركة المد الإسلامي بمثابة حركة تحرير لهذه الشعوب من الهيمنة الرومانية والفارسية.

والإسلام لم يكره أهل الكتاب من تلك الشعوب على اعتناقه بدليل البقية الباقية من أهل الكتاب على ملتها حتى اليوم، بينما اختارت الأغلبية الإسلام عن طواعية بعد أن شهدت عدالة حكمه وعايشت المثل العليا الأخلاقية التي كان عليها حكامه.

 ويعد السودان في هذا العصر نموذجًا لمجتمع تعددي يمارس التعايش الديني والتلاقح والتمازج العرقي وبصورة طبيعية فريدة، حيث يبرز المواطنون المسلمون في معاملاتهم وعلاقاتهم قيم الإسلام في البر والقسط مع المواطنين غير المسلمين، مما يشهد به كل زائر أو مقيم أجنبي وكل مراقب منصف. ولقد توالت الشهادات بذلك من المواطنين السودانيين المسيحيين سواء كانوا من القادة الدينيين أو السياسيين وآخر هذه الشهادات ذات الاعتبار الخاص ما أدلى به الخبير القانوني الكبير أبيل البر نائب رئيس جمهورية السودان الأسبق الذي -يعتبر بمثابة الأب الروحي لدى المواطنين الجنوبيين في صحيفة أخبار اليوم السودانية 27/۸/ ۲۰۰۲- من «أنه لا توجد دولة تماثل السودان في تسامحه الديني بما في ذلك الدول الأكثر تقدمًا في الغرب أو الشرق».

لقد ضمنت الشريعة الإسلامية لأهل الكتاب حرية العبادة والتعليم الديني، وحرية الخصوصية في العلاقات الأسرية، علاوة على المشاركة في حقوق المواطنة.

 فلا ظلم ولا قهر، ولا غمط في الحقوق لغير المسلمين في ظل الشريعة الإسلامية، وإنما هي علاقة البر والقسط ما دام السلام والعدل أساس العلاقات كما هو التوجيه القرآني:

﴿۞ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الممتحنة 7: 8).

فليس هو العدل فحسب، وإنما معه البر. لقد كان الجهاد وسيلة لنا لتحقيق السلام، وكان الجنوح للسلام يوافقه منا تجاوب للسلام، وعسى الله أن يحفظنا ويرد عنا كيد البغاة. وأكثر من ذلك نسأله تعالى أن يؤلف بيننا أجمعين. ﴿۞ وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (٦١)وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ (٦2)وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ (٦3)﴾ (الأنفال 61-63).

وهذه قيمة إسلامية عليا لا بد أن يدركها غير المسلمين عن الإسلام. وسيكون من هذا السلام خير كثير بإذن الله من حقن الدماء، وتوفير للموارد، ووحدة جامعة، وذلك ببركة التوكل على الله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الأنفال: 61).

ونعمة الاستمساك بشرع الله ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256).

 

الرابط المختصر :