; موضوع الغلاف: مَن يسقط؟ البندقية أم غصن الزيتون؟ | مجلة المجتمع

العنوان موضوع الغلاف: مَن يسقط؟ البندقية أم غصن الزيتون؟

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1980

مشاهدات 70

نشر في العدد 483

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 03-يونيو-1980

بعد إقرار الأنظمة العربية لقرار «٢٤٢» لم تبق إلا عقبة الفلسطينيين في وجه الصلح مع يهود

*أخفقت كل الجهود والمساعي السياسية ولا خيار في الكفاح المسلح.

*تثوير المنظمة انقلب إلى حصر الجهود في الكفاح السياسي!

*مؤتمر فتح يبقى على القيادة الحالية المسؤولة عن حصر الكفاح في التحرك السياسي.

منذ أن نجحت الحركة الصهيونية بكل أساليب الكيد والابتزاز وبمعاونة الدول الاستعمارية وعلى رأسها أميركا في إقامة دولة اليهود في فلسطين قلب العالم الإسلامي، وهذه القوى تحاول تثبيت هذا الكيان الخبيث وتمده بجميع أسباب الحياة والنمو والقوة لرصد العالم الإسلامي وإبقائه متخلفًا متنافرًا يضل في التيه، وليكون كيانًا يهدد حارسًا أمينًا للمصالح الاستعمارية. وإذا كانت دولة يهود بمعونة أميركا بشكل أساسي قد وقفت على رجليها وأصبحت أمرًا واقعًا منذ عام ١٩٦٧ بالنسبة للأنظمة العربية فإنه منذ ذلك الوقت أصبح مطلوبا تهيئة الظروف لانتشار دولة يهود في العالم الإسلامي كدولة عبقرية رائدة- للديمقراطية والعلم والتكنولوجيا! وإذا كانت الأنظمة العربية بقبولها بقرار ٢٤٢ قد سارت في الطريق المطلوب فلم يبق لها إلا أهل القضية وأبناء بلادها فهل يلحق الفلسطينيون منظمة وفتحًا وجميع فصائل المقاومة بالركب ويقبلون «بإسرائيل» بديلًا أو شريكًا في وطنهم؟

وينبغي الاعتراف ابتداء أن منظمة التحرير الفلسطينية بغض النظر عن بعض إيجابياتها لم تكن أكثر من إضافة ناقصة لمجموعة الأنظمة العربية باعتبارها نتاجًا لمؤتمرات القمة وجامعة الدول العربية. والأخطر من ذلك أنها كانت خطوة ثانية على طريق الانحراف عن مضمون القضية الفلسطينية... 

كان الانحراف الأول هو حصر القضية في المضمون العربي والقومية العربية، وكان الانحراف الثاني حصر القضية في المضمون الفلسطيني والمسؤولية الفلسطينية. 

وقد كان إنشاء المنظمة إذن بمثابة تنصل للأنظمة العربية من مسؤوليتها تجاه فلسطين من جهة ولتدجين العمل الفلسطيني من جهة أخرى. 

وردًا على الواقع العربي بدافع ديني أحيانًا ودافع وطني في كثير من الأحيان، وبدوافع شتى حاول بعض أبناء فلسطين أن يفعلوا شيئًا وأن يتولوا القضية بأنفسهم. 

وفي عام ١٩٦٥ تم الإعلان عن قيام حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» وقامت قواتها «العاصفة» بمباشرة عملياتها العسكرية ضد اليهود ثم تبعتها بعد نفي الأنظمة العربية رسميًا في حرب حزيران ۱۹٦٧ منظمات أخرى ولقيت التأييد والعون من معظم الأنظمة العربية لامتصاص النقمة الشعبية عليها بسبب الهزيمة من جهة ولتقيم علاقات حسنة مع بعض فصائل المقاومة لتكون في المستقبل أداة ضغط بل وإثارة للنزاع والشقاق بين هذه الفصائل لتأكل النار بعضها بعضًا ولتخفيف المهمة على اليهود!

 فمذابح أيلول عام ۱۹۷۰ والحرب الضروس في لبنان لا تزال تهدد بلهيبها مناطق عربية أخرى!... ونود أن نبين هنا أن ما كان ينبغي على العمل الفدائي أن يفعله هو أن يعتمد استراتيجية تضمن له تلاحم الشعب الفلسطيني أولًا وجميع الشعوب الإسلامية ثانيًا.

والطريق الذي كان يضمن تحقيق هذا التلاحم بحيث يصمد لأعتى العواصف هو إعلان القضية الفلسطينية قضية إسلامية والالتزام بذلك منهجًا وسلوكًا.

ولكننا وجدنا بعض فصائل المقاومة ترفع شعار القومية والاشتراكية والماركسية اللينينية وفلسفات لا تمت للأمة بصلة وليس لديها استعداد لتقبلها مهما كانت مواهب الدعاة ناضجة وقوية بل إن كبرى المنظمات التي أمل الناس فيها خيرًا، فتح- وقامت على أيدي رجال كان لبعضهم علاقة ما بالحركات الإسلامية تغافلت عن الإسلام باعتبار أن الدبلوماسية والعمل السياسي والثوري يتطلب أخلاقًا معينة لا يقرها الإسلام وأن الإسلام قد يسبب لنا حاليًا تعقيدات نحن في غنى عنها!

فكان أن اكتفى الرعيل الأول من فتح بإعلانها «حركة التحرير الوطني الفلسطيني» والترحيب بكل من يريد أن «يحرر الوطن» بغض النظر عن مذهبه ومعتقده وتفكيره وإذا كانت هذه التناقضات لم تظهر بوضوح في بداية الأمر فبسبب الانشغال بالعمليات الفدائية العسكرية ونشوة العمل الوطني.

وعلى الرغم من أن إغفال البعد الإسلامي في تحرير فلسطين خطأ جسيم وقعت فيه الثورة الفلسطينية إلا أن ثمة خطأ آخر وجدت نفسها تسير فيه من حيث تشعر أو لا تشعر. 

فقد رفعت معظم المنظمات الفدائية شعار تحرير كامل التراب الفلسطيني وشنت هجومًا عنيفًا على منظمة التحرير وبالذات على جيش التحرير الفلسطيني الذي لم يلعب دوره كما ينبغي في معركة التحرير. ولكنها في قمة النشاط والانتشار الشعبي عام ٦٨ و ٦٩ رفعت شعار «تثوير المنظمة» مع العلم أن جميع هذه الفصائل والمنظمات تدرك أن منظمة التحرير لم تكن أكثر من إضافة ناقصة (*) الأنظمة العربية في الحقيقة والواقع!

ومنذ أن أصبح السيد ياسر عرفات زعيم منظمة فتح رئيسًا لمنظمة التحرير أخذت تذوب فتح في الجسم الفلسطيني الكبير وتبعها إلى حد ما معظم المنظمات!

وعندما قبلت الأنظمة بقرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ الصادر عام ١٩٦٨ وتتابعت المشاريع الدولية ابتداء بمشروع روجرز عام ١٩٧٠ كان لا بُد من تأمين القبول الفلسطيني والشعبي الإسلامي بهذه المشاريع. 

ومنذ ذلك الحين بدأ التلويح بالكيان الفلسطيني بنفس الوقت الذي جرى فيه التضييق على المسلحين من الفلسطينيين في دول المواجهة بلا استثناء. 

وقد اتضحت هذه الخطة أكثر بعد حرب التحريك في أکتوبر ۱۹۷۳ التي جير الانتصار الجزئي العربي فيها لعرض السلام أو الاستسلام!

وقد لعب الكيد الدولي دورًا موجهًا ودافعًا لكيد عربي وذلك لإقناع الشعوب الإسلامية وخاصة الشعب الفلسطيني بأن دولة يهود أصبحت حقيقة واقعة ولا بُد من الاعتراف بها والصلح معها مقابل انسحابها من أراض عربية وإقامة دولة فلسطينية.

كانت البداية مؤتمر جنيف والتحضير له والذي لم يعقد حتى عام ۱۹۷۵ بحضور فلسطيني!...

هيأ العرب للكيد الدولي في مؤتمر الرباط عام ١٩٧٤ عندما نادوا بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني!

وفي نفس العام وجهت الدعوة لمنظمة التحرير الحضور اجتماعات هيئة الأمم المتحدة لمناقشة القضية الفلسطينية.

وفي نفس العام وقف عرفات على منبر الأمم المتحدة ليطرح شعار الدولة الديمقراطية العلمانية في كل فلسطين ومناشدة المجتمع الدولي كي لا يسقط غصن الزيتون من یده!!

وهكذا تم حصر العمل الفلسطيني في الجهود الدبلوماسية والسياسية منذ ذلك الحين... ولكن هل يرضي ذلك يهود؟ بالطبع لا وكانت الحرب اللبنانية التي أشعلتها القوى الصليبية اللبنانية بتخطيط يهودي للقضاء على جميع العناصر المسلحة ومحو الشعب الفلسطيني إلى أقل عدد ممكن حتى تسهل التسوية على دولة يهود.

ولكن الحرب اللبنانية مع الأسف لم تعط الفلسطينيين درسًا بضرورة العودة إلى مضمون القضية الصحيح والتركيز على العمل العسكري بل ومنذ مجيء كارتر إلى الحكم في الولايات المتحدة ونوه بوطن للفلسطينيين تارة ودولة تارة أخرى والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني مرة ثالثة وازداد النشاط الدبلوماسي ونشطت الجهود السياسية لتحقيق اعتراف دولي بمنظمة التحرير وتأييد الحقوق المشروعة أو تأييد إقامة دولة فلسطينية مستقلة هذه المرة!

وقد فسر بعض مسؤولي فتح والمنظمة المناداة بدولة فلسطينية بأنه استغلال لواقع تريد الأنظمة العربية أن تحققه! هنالك أرض ستنسحب منها دولة يهود.

من يسقط؟

فإلى من تسلم هذه الارض أليس الفلسطينيون أولى بها؟! هكذا وبكل بساطة أمل مسؤولو المنظمة في الحلول العربية والحلول الدولية!!

بل إن المجلس الوطني الفلسطيني منذ عام ١٩٧٧ قد فوض المنظمة بالتحرك سياسيًا كما ترى لحل القضية الفلسطينية. 

هذه حقائق نسوقها ببساطة لمن يريد أن يتعظ ويعتبر من أراد أن يماحك أو يجادل فنحن مسلمون نهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن المراء وإن كنا محقين. 

هذه مقدمة أساسية وضرورية لمعرفة مستقبل القضية الفلسطينية، ولكي نقيم مؤتمر فتح الرابع الذي لا زال في حالة انعقاد حتى الوقت الحاضر لا بُد من ذكر الحقائق التالية:

1- إن جميع الأنظمة العربية قد أقرت قرار مجلس الأمن ٢٤٢ وبناء عليه لديها استعداد ولو على استحياء للاعتراف بدولة يهود «إسرائيل».

2- لقد أخفقت حتى الآن جميع الجهود العربية والدولية لحل القضية الفلسطينية.

3- لقد كسبت منظمة التحرير منذ عام ٧٩ مكانة سياسية دولية باعتبارها ممثلة لشعب فلسطين وتنادي بمجرد دولة فلسطينية.

4- لقد أخفقت اتفاقيات الكامب ديفيد حتى في إيجاد شكل ممسوخ لحكم إداري فلسطيني في الضفة والقطاع.

وأصبح واضحًا أن دولة يهود تدخل المفاوضات لتحقق أهدافها فقط وعندما يتم لها ذلك تنسحب من المفاوضات بأية حجة.

5- هنالك محاولة لطرح مبادرة دولية أوروبية لحل القضية الفلسطينية وإن هذه المبادرة كما قال دوغلاس هيرد بعلم أميركا وبموافقتها، وحتى لو لم تكن كذلك فبسبب التحالف المصيري بين أوروبا وأميركا لن تتمكن الأولى من القيام بأية مبادرة دون موافقة الثانية.

6- وإن هذه المبادرة الأوروبية بدأ العزف على أوتارها من قبل جميع الأنظمة العربية بما في ذلك السادات ومن المصادفات العجيبة أن ينعقد مؤتمر فتح في هذا الوقت بالذات!...

وأن يعلن مسؤولون في دولة عربية كبيرة لها فضلًا على العمل الفدائي عن استحالة الأسلوب العسكري لحل القضية الفلسطينية وأن اليهود أبناء عمومتنا وسندعم كل جهد لإنجاح مساعي الصلح معهم إذا أعلنوا عن نيتهم بقبول منح الفلسطينيين حقوقهم!!

هذا هو مجمل الوضع العربي والدولي والفلسطيني الذي ينعقد فيه أهم مؤتمر لأهم منظمة فلسطينية. وعلى الرغم من أن المؤتمر سري ولم يكشف النقاب بعد عن سير المناقشات فيه إلا أن هنالك جملة مؤشرات خطيرة يجدر بالمراقب الإشارات إليها من خلال ما تسرب من أنباء لبعض الصحف العربية.

1- أجمعت الأخبار الصحفية أن أبا عمار وأبا إياد كانوا يتصدون باستمرار وبحدة لمن ناقشوا مسار المنظمة السياسي، وأن المناصب القيادية لن تتغير بشكل ملحوظ، مما يعني أن القيادة الحالية التي سارت في المسار السياسي والدبلوماسي ستواصل السير في هذا الطريق.

2- إن إضافة أعضاء جدد للمؤتمر من مديري مكاتب المنظمة في الدول الغربية ممن ساهموا في دفع مسار المساعي السياسية للمنظمة سيعزز الاتجاه المؤيد للكفاح السياسي.

3- إذا صح ما ذكرته صحيفة السياسة الكويتية «٨٠/٥/٢٨» نقلًا عن مصادر خاصة أن المؤتمر بحث دمج قوات العاصفة مع جيش التحرير الفلسطيني، وأنه كان قد تقرر إبعاد مندوبي العاصفة الذين يبلغ عددهم ۱۰۱ قبل بدء المؤتمر إلا أنه أعيد تثبيت «٥٠» منهم أثناء المؤتمر، فإن ذلك يعني تدجين هذه القوات وربطها بعجلة السياسة العسكرية للمنظمة المرتبطة بالسياسة العربية!

ولعل ما نقل من هجوم السيد خليل الوزير القائد العام لقوات العاصفة على المساعي السياسية والدعوة لاعتماد الكفاح المسلح بدلًا من الكفاح السياسي، وكذلك مناقشات أبو صالح «قائد العمليات العسكرية» الحادة تصلح دليلًا على هذا الخبر!

- الأسماء التي طرحت لإضافتها إلى اللجنة المركزية معظمها من مؤيدي الكفاح السياسي وبعضهم له علاقات حسنة! مع بعض الأنظمة العربية.

وسواء تم إضافة هذه الأسماء أو أوكل إضافتها لثلثي أعضاء اللجنة الذين انتخبهم المؤتمر وهم أعضاء اللجنة السابقين فإن المضافين سيكونون بالتأكيد ممن يسيرون في خط اللجنة. 

ومعروف أن المؤتمر سيناقش الوحدة الوطنية الفلسطينية التي تم طرحها للنقاش من مختلف الفصائل الفلسطينية. 

والجدير بالذكر أنه بسبب عدم تحديد مسؤولية قيادي فتح بدقة وبسبب تباين الآراء فيما بينهم بسبب عدم وحدة الفهم والفكر وبسبب الإغراق في المساعي السياسية أيضًا خلقت هوة سحيقة بين القيادة والقاعدة ولذلك بالتأكيد سيحاول المؤتمر ردم هذه الهوة.

ومن العجيب أن تتم محاولة رأب الصدع هذه بين القاعدة والقيادة في فتح بعد أن جرت محاولات مماثلة من قبل أنظمة عربية كثيرة ونحن إيمانا منا بعدالة القضية الفلسطينية باعتبارها قضية إسلامية ويقيننا من أن هذه الأمة لا تخلو من المخلصين ولأن العقلاء باتوا يدركون أن المساعي الدولية عاقر لا تلد فإن لنا أملا أن يجد الحق أنصارًا وأن يردف الحق بالقوة لإبطال كل الأكاذيب والأضاليل التي روجها أعداء هذه الأمة والمخدوعون من أبنائها.

ولكن المراقب إزاء الظروف والمعلومات التي أشرنا إليها سيظل في شك من الإجابة على السؤال الأساسي ويظل يردده بحسرة وألم وخوف... من يسقط البندقية أم غصن الزيتون؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل