; موقف الملأ من دعوة الأنبياء | مجلة المجتمع

العنوان موقف الملأ من دعوة الأنبياء

الكاتب علي حسن الفيلكاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1981

مشاهدات 70

نشر في العدد 549

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 03-نوفمبر-1981

الحمد لله حمد الشاكرين ... والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد ...

حين يذكر الله تعالى في القرآن أنبياءه ورسله أول ما يذكر من قصصهم معارضة الملأ -كبار القوم وكفارهم- للأنبياء والرسل، يذكر معارضتهم وتحديهم لرسل الله تعالى قبل ذكر المؤمنين ومواقفهم مع الأنبياء، وفي ذلك عدة أمور يعلمها الله رسوله والدعاة من بعده ومنها:

1- ثبات قلب الرسول على الحق، وإنها موعظة وذكرى المؤمنين، منها الدروس ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: 120).

2- مواساة وتخفيفًا للرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته والدعاة من بعده، بأن تلك سنة الله في الحياة هي المعارضة بين الحق والباطل.

3- تبيانًا للرسول والدعاة من بعده إنه شيء لا بد منه تلك المعارضة، وإنها ليست معارضة يوم وليلة؛ بل هي معارضة السنين والقرون، فهي بحاجة إلى صبر وجلد وتحمل الرجال نحوها، مهما كانت وبلغت في حجمها.

4- مهما أوتيت المعارضة من قوة وزخرف وظهور؛ فإنه انتعاش أكبر من حجمها، لن تستطيع صد ذرة من الحق عن الظهور، ولا إطفاء ذرة من نور الحق، ولن توقف سير الدعوة عن المسير أبدًا.

5- الصبر على طول وشدة المعارضة وبعد النصر ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الأحقاف: 35)، وهكذا الله تعالى يبين لدعاته ليعلمهم أنه لا بد من الصراع والمعارضة من قبل معسكر الكفر وأحزابه الملونة بأشكال شتى، ولكنها مهما بلغت فهي ملة واحدة، وحين نستعرض آيات القرآن نجد الكثير من آيات المعارضة من الملأ للأنبياء: فهذا نوح عليه السلام يقول الله فيه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (هود: 25-28) وارجع إلى بقية الآيات تجد العناد والمعارضة المستمرة بين نوح الذي يدعوهم للخير والصلاح، وهم يعارضون ويأبون إلا البقاء في الجاهلية ذات المستنقع الآسن.

ثم هذا إبراهيم عليه السلام يقول الله فيه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾… ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (العنكبوت: 16-24).

وهذا موسى عليه السلام ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ... ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (الأعراف: 103-110).

ثم هود عليه السلام: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (الأعراف: 65-66).

ثم صالح عليه السلام ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (هود: 61-62).

وأيضًا لوط عليه السلام ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف: 80-81).

ثم شعيب عليه السلام ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ... ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا …﴾ (الأعراف: 85-88).

ويستمر العناد من بداية الرسل حتى آخرهم ومع جميع الأنبياء ومن غير الذين ذكرتهم، كما في قوله تعالى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ (ق: 12-14).

وهكذا يبين الله تعالى في كتابه الكريم موقف الملأ من رسالة الأنبياء والرسل جميعًا، وشدة عنادهم وصدهم للحق؛ ليبين للرسول صلى الله عليه وسلم والدعاة من بعده السائرين على نهجه وهديه، بأن لا بد من العناد، ولا بد لهذا العناد من ثبات وصمود لرده عن طريق الحق، وهكذا بعد أن ذكر الله تخفيفًا وتعليمًا لنبيه، يذكر للدعاة موقف نبيهم ومعارضة قريش له وعنادهم وأذاهم في كثير من الآيات، وادعاءهم له بالسحر والجنون، ويذكر ثباته مع صحابته الصناديد تجاه العناد؛ ليعلم الدعاة من بعدهم تلك الحقيقة التي هي ماضية إلى ما شاء الله، فكان الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة بين الحق والباطل، ومهما بلغ العناد فلن يضعف من قوة الدعاة ولن يزعزع إيمانهم الراسخ في القلوب، فهم واثقون بنصر الله، عالمين حكمة تأخيره، راغبين بما عند الله، آملين الشهادة في سبيله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 83

92

الثلاثاء 26-أكتوبر-1971

غداً تشرق الشمس

نشر في العدد 185

139

الثلاثاء 29-يناير-1974

الصبر.. ضرورة لحياة الدعاة

نشر في العدد 241

115

الثلاثاء 18-مارس-1975

الابتلاء في سبيل الله