; الداعية الإسلامي د. عمر عبد الكافي: نحن مقصرون في حق ديننا | مجلة المجتمع

العنوان الداعية الإسلامي د. عمر عبد الكافي: نحن مقصرون في حق ديننا

الكاتب محسن عبد الفتاح

تاريخ النشر السبت 12-نوفمبر-2005

مشاهدات 60

نشر في العدد 1676

نشر في الصفحة 32

السبت 12-نوفمبر-2005

أهيب بعلماء الأمة وعقلائها وضع مشروع نهضوي شامل.

كيف أطبع علاقاتي مع عدو اغتصب أرضي المقدسة وقتل أبنائي واستباح حرماتي؟

هناك طائفة كبيرة في الغرب ورثت النزعة العنصرية والنظرة الدونية

للآخر والتعالي على العرب والمسلمين وذلك يصل بنا إلى ما نراه اليوم من مواقف ضد الإسلام.

أكد الداعية الإسلامي الدكتور عمر عبد الكافي أن الأمة العربية والإسلامية تعيش هذه الأيام مرحلة خطيرة لم تشهدها من قبل!.. وطالب فضيلته ولاة أمر الأمة والرعية بالوقوف صفًا واحدًا أمام هذه التحديات.. كما ناشد عقلاء الأمة وعلماءها الالتقاء ووضع خطوط عريضة لمشروع نهضة شاملة يقيل الأمة من عثرتها الحالية.

واعترف الدكتور عمر في حديثه إلى المجتمع أن مسؤولية هذا التقصير والأوضاع المتخلفة التي تعيشها الأمة تقع على عاتق المسلمين بالدرجة الأولى.... وأضاف أن قضية فلسطين هي قضية إسلامية وليست عربية فقط، وأنها إذا فرغت من محتواها الإسلامي فسوف تضيع إلى الأبد.

وهذا نص الحوار:

● تعقد المؤتمرات بشكل دوري تحت مسمى الحوار مع الآخر، في محاولة لدرء تهمة الإرهاب عن الإسلام والتي عملت الدوائر الغربية بدعم من الصهيونية العالمية على الصاقها بالمسلمين.. ما جدوى هذه المؤتمرات في رأيكم؟

- أولا: لا يجب أن نتفرغ كلنا لدحض قضية اتهام الإسلام بالإرهاب، ذلك أننا عندما تتكلم عنها بهذا الشكل وتلك الكيفية فكأننا نقرر حقيقة... وأنا أرى أن ننتدب بعضًا منا ليدفعوا عن الإسلام هذه التهمة، وليتفرغ الآخرون لتأسيس قواعد الإسلام في قلوب المسلمين أنفسهم.. هذا أمر. الأمر الثاني أن المحاور لنا بعضهم أو كثير منهم يحاورك وهو ينظر إلينا نظرة فوقية وينفرس فينا وكأننا خلق من الدرجة الثانية.. وهو لا يقبلك كمحاور لأنه لا يراك ندًا له. ويقول في نفسه وربما على لسانه إنه صانع كل الحضارة الحقيقية المعيشة، وأنك أيها المسلم عبء على الحضارة الإنسانية..!

بهذه النظرة لا يستقيم ولا يصل الحوار إلى ما تريده، وهذا حوار غير علمي.. أن يقوم الحوار على هوى أو على طبقية أو على نظرة دونية إلى الآخر.. لأننا إذا ما أمكننا أن ننقل له عظمة كتاب الله عز وجل في مسألة الحوار فلربما هدأت نفسه قليلًا إذا كان مقتنعًا بقبول الآخر وعدم إنقاص حقه في المكانة الإنسانية والحوار أما الإنسان المتمادي في غلوه وتطرفه ويريد أن يجادل ولا يحاور، ويقلل من شأن من أمامه فيحركه في ذلك هوى أعمى يطمس على بصيرته وبصره فهذا إنسان قد أخذ موقفًا مسبقًا ضد الإسلام والمسلمين.. وبلا شك أنا لا أفضل الحوار مع أمثال هؤلاء.

● ذكرتم في معرض حديثكم أن هناك صورة مشوهة عن الإسلام لدى الغرب.. في رأيكم من المسؤول عن ذلك؟

- بالدرجة الأولى نحن المسؤولون عنها، لأن أفعالنا تخالف أقوالنا.. وأننا لم نصل بعد إلى المستوى العملي المرتبط بالحديث عن الإسلام ليقنع الآخرين أو يجعل الآخر يحترمنا..

من جانب آخر، هناك طائفة كبيرة من أبناء الغرب ورثت النزعة العنصرية والاستعلاء على الآخرين والنظرة الدونية إلى الآخر والتعالي على العرب والمسلمين، ومن ثم النزعة العدوانية ضد الإسلام.. هذه وتلك تصل بنا إلى الحالة التي نعيشها ونراها من موقف الغرب ضد الإسلام.

من جانب ثالث نحن مقصرون في حق الكثير من أبنائنا فلم نعهد بهم ليتدربوا على أيدي علماء الإسلام الثقات منذ نعومة أظفارهم... فتركناهم يحصلون ثقافتهم من منابع غير إسلامية يشوبها الكثير من الأغلاط والمفاهيم التي تتعارض مع سماحة ديننا وعدله واعتداله. فشب مسلمًا بالاسم تتملكه مفاهيم شتى بعيدة كل البعد عن ثقافة المسلم الحق.

جانب رابع يحتاج منا درجة من التخيل... بمعنى لو قلبنا الأوضاع وأصبحت أنا الغرب ونظرت إليك كرجل مسلم ما الذي يقنعني فيك؟.... هل تخلفك الحضاري وأنك إنسان مستهلك ومستورد لكل احتياجاتك وعدم إسهامك في صنع شيء أو حتى توفير احتياجك من الغذاء! عدم التزامك كمسلم بالكلمة، واستهتارك بالوقت فلا قيمة للموعد الزمني الذي يربطك مع الآخر.. في حين أن الدين الإسلامي يحترم الكلمة ويلزم صاحبها مهما كان الثمن.. ويقدس الوقت، ذلك أن حياة المسلم القديم مرتبطة بعنصر الزمن... فالصلاة في وقتها، والصيام في شهره والحج والوقوف بعرفة في زمن محدد.. وهكذا كل شيء في حياة المسلم مرتبط بعنصر الزمن، غير أننا أهملنا ما حثنا عليه الإسلام من جوانب إيجابية فانعكس ذلك على شخصيتنا ونظرة الآخر لنا وقناعته بنا.. فكيف - بالله عليك - نتوقع أن يقبل الإنسان الغربي على الدين الإسلامي ونحن نقدم له سلوكًا مغايرًا لحقيقة الإسلام!

● العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي علاقة حقوق وواجبات.. فما واجبات كل منهما وحقوقه؟

أولًا: واجب على المسلم خاصة علماء الدين تقديم النصح إلى الحاكم والمشورة عند الحاجة. وأن نقف بجوار الحاكم مادام في ذلك صلاح الأمة، وأن نرده ردًا رقيقًا إذا ما تجاوز، والا نهاجمه ونعنفه بل ندعو له أن يعينه الله على حمل أمانة الحكم ويبعد عنه بطانة السوء.. وأن نطيع الحاكم كرعية كما أمرنا الله.

أما الحاكم المسلم، فواجب عليه أن يقيم شرع الله في الأمة لأن المولى عز وجل سوف يحاسبه يوم القيامة فـ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والمسؤولية كبيرة فهي عن عشرات الملايين وليس عن أفراد معدودين وعلى الحاكم - مثل أي فرد مسلم - أن يتقي الله في كل عمل يقوم به لصالح الشعب.. وأن يقيم الشورى كما أمرنا الإسلام ويعمل على إيجاد مساحة مناسبة من الحرية ليقول الناس رأيهم دون خوف أو تهديد .. ففي هذ الجو الصحي سوف يقوم الدعاة بدورهم الحقيقي في تبصير الناس بأمور دينهم وليس فقط الدعوة للحكام بطول العمر.

وكذلك من واجبات الحاكم وضع الضوابط وإلزام من يتصدى لمخاطبة العامة سواء بالكلمة بالمكتوبة أو المسموعة أو المرئية بالخلق

الإسلامي.. فقد يخطب داعية مائة خطبة ويقيم عشرات الندوات الدينية ويأتي برنامج يشاهده الملايين لا يلتزم بشرع الله فيهدم ما بنينا في

دقائق

فما الفائدة إذا كنت تبني وغيرك يهدم.. لو أن ألف بان خلفهم هادم واحد لكفاهم.. فكيف بيان خلفه ألف هادم

• نهضة الأمم تتطلب مشروعاً نهضوياً يضع خطوطه العريضة علماؤها وعقلاؤها.. ما الأسس الواجب توافرها في هذا المشروع؟

- أهم الأسس الواجب توافرها لمشروع نهضوي للأمة الإسلامية في رأيي هي:

العودة أولًا إلى هويتنا الإسلامية مرة أخرى فسيدنا عمر بن الخطاب عندما مكنه الله سبحانه وتعالى من فتح بيت المقدس وخاض يومها في الطين مشيًا على قدميه، قال قولته المشهورة نحن قوم كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله».

إذًا القضية توجب العودة إلى المنابع.. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

فيجب على المسؤولين إعادة مناهج الدين إلى مكانتها في المنظومة التعليمية، وألا يقتصر تدريس علوم الدين على المتخصصين فقط، بل نعمم في جميع أنواع التعليم ومراحله حتى الجامعية، فهل الطالب الجامعي في غير حاجة لتعلم الدين؟.. أيضًا يجب على من يقومون بالتصدي لتدريس الدين أن يكونوا مؤهلين تأهيلًا مناسبًا لهذه المهمة الجليلة وأن يتم انتقاؤهم من خيرة رجالات العلم، وأن يتطور أسلوب الشرح والتدريس بما يتناسب مع معطيات العصر وأن يتم تطوير الكتاب المدرسي شكلًا ومضمونًا.

ثانيًا: تقدير أهل العلم والعلماء بما  يستحقون.. فالعلماء ورثة الأنبياء، وقد كان السلف من ولاة أمر الأمة يفسحون المكان المناسب لعلماء الأمة ويقدرونهم حق قدرهم فأعطوا عمرهم في سبيل نهضة الإسلام والمسلمين، فإذا أردنا استعادة نهضتنا وأخذ مكاننا الذي يليق بنا كمسلمين فعلينا الاهتمام بالعلم والعلماء وتربية النشء على تقديس ذلك فنحن أمة اقرأ التي سادت العالم ثمانية قرون وأخذ عنا الغرب أسس الحضارة الإنسانية المعاصرة فكيف نقبل بهذه المكانة المتواضعة اليوم؟

ثالثًا: العمل على سد الفجوة القائمة بين العالمين العربي والإسلامي.. فعندما يكون الوطن العربي في جانب والعالم الإسلامي في جانب آخر، رغم أن كلًا منهما يكمل بعضه بعضًا بما يملك من ثروات نفطية موجودة في معظمها في دول عربية، والتصنيع التكنولوجي وصل لمراحل متقدمة في أندونيسيا وماليزيا (نمور آسيا) كما يطلق عليهم، والقنبلة النووية صنعتها باكستان الإسلامية.. أيضًا الأراضي الخصبة غير المستغلة متوافرة هنا وهناك، والثروة البشرية توجد في العديد من الدول العربية والإسلامية.. فقط ينقصنا التخطيط المشترك والتنسيق والتعاون والتكامل.. أكثر من خمسين دولة إسلامية. ضعف دول السوق الأوروبية المختلفة القوميات والأعراق واللغات. تملك مقومات نهضة حضارية كبرى، ومع ذلك لم يبدأوا بعد في اللقاء والفعل الجاد من أجل صالح شعوبهم.

أنا أدعو أن يكون هناك مؤتمر كبير يصاحب موسم الحج يجتمع فيه عقلاء الأمة وعلماؤها للنظر في أمور المسلمين، وكيفة إنشاء كيان اقتصادي كسوق إسلامي مشترك يعمل على تبادل المنافع في كافة المجالات الصناعية والزراعية والاقتصادية لما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين... فنحن اليوم نعيش عالم الكيانات الكبرى، والدول على اختلاف توجهاتها تعمل على الانضمام التكتلات اقتصادية من أجل حماية مصالحها.. فهل نحن أقل من هؤلاء!

● يرى البعض أن قضية فلسطين منذ أن بدأ الصراع مع العدو وعصاباته الصهيونية مطلع القرن العشرين لم تراوح مكانها بل تراجعت، رغم التضحيات الجمة من أبناء فلسطين.. لماذا هذا التراجع في رأيكم خاصة والبعض يرى أنه لا مانع من التطبيع مع الدولة العبرية؟

- إن ما يحدث في فلسطين منذ أكثر من نصف قرن من الزمان وما آلت إليه الأوضاع الآن هو نتاج لعوامل كثيرة على رأسها عدم وقوف أبناء العالم العربي والإسلامي الوقفة التي تستحق إلى جانب إخوانهم من أبناء الشعب الفلسطيني.. لقد تخلى العالم كله عن الشعب الفلسطيني، ووقف بجوار الغاصب ضد المغتصب، وبجوار الظالم ضد المظلوم.. إن قضية فلسطين هي قضية دينية بالمقام الأول، ويجب ألا يغيب ذلك عن أذهاننا... فالمسألة ليست مسألة عروبة أو أرض عربية احتلت واغتصبت يومًا ما.. بل هي مسألة إسلامية أولًا وأخيرًا...

فالقدس مسألتها مسألة شرعية فأرضها وقف إسلامي أوقفها سيدنا عمر بن الخطاب، فلا يستطيع الفلسطيني أو غيره أن يتصرف في شبر واحد منها.. وهي جرح المسلمين النازف الدامي فقضية فلسطين إذا فرغت من محتواها الإسلامي فسوف تضيع إلى الأبد.

إذن كيف أطبع مع من اغتصب أرضي المقدسة وقتل أبنائي وانتهك أعراض نساء المسلمين.. ماذا نقول لله يوم القيامة؟

● بعد أحداث سبتمبر وضعت القيود وأقيمت المعوقات في طريق العمل الخيري الإسلامي.. كيف نتجنب هذه التهم الكاذبة وتتخطى العقبات؟

- العمل الإسلامي الخيري هو جزء من شخصية الإنسان المسلم الحق ويحض عليه ديننا. وقد أثبتت الأحداث - على مر التاريخ البعيد والقريب - - إن العمل الخيري الإسلامي له أياد بيضاء على الإنسانية جمعاء.. ولنا أن نفخر بذلك ونشجع أهل الخير ومحبي العمل الخيري من المسلمين بالمزيد.. وعلى الحكومات أن تقف بجانب الجمعيات الخيرية الإسلامية التي تعمل وفق المنهج الشرعي والصالح العام والقانون المنظم لعملها حتى لا تترك فريسة لاتهامات زائفة تعيق حركتها وتحد من نشاطها.

الرابط المختصر :