العنوان نداءات من قلب حاج
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يوليو-1990
مشاهدات 65
نشر في العدد 973
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 10-يوليو-1990
الحمد لله رب
العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد الأمين صلى الله عليه وسلم. وبعد:
فـ"الدين
النصيحة" "بايعنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على النصح لكل
مسلم" وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- "الدين النصيحة قلنا: لمن يا
رسول الله؟ قال: "لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
من هذه الأمانة
وهذا العهد يجد الإنسان نفسه وبعد أن تفضل الله عليه بالحج لهذا العام أن يمسك
بقلمه ليسطر من صيد خاطره ما ينقله بوسائل النقل إلى إخوانه لعلها تصادف قلبًا
صادقًا ونفسًا طيبة فيكون فيها الأثر في المحل القابل للتأثر ويحصل لنا الأجر
والمثوبة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى
السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:37)، فالمؤثر هو النصح والمحل هو قلب أخي قارئ
المجتمع، وشرط الاستفادة وهو إلقاء السمع، ثم انتفاء الموانع من عدم الشهود وحضور
القلب ولحسن ظننا بإخواننا ومحبينا كانت هذه الخواطر بصيغة نداءات:
النداء
الأول: الاستعداد للتغيير
إن مواسم
العبادات في الإسلام ليست فترات وأزمنة بل هي منهج وبناء للأفراد والأمة، فهي
المصانع التي يخرج منها من يغير وجه الأرض من الظلمة إلى النور ومن عبادة العباد
إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، إنه الزمن الذي تغيرت به
الأمم، قال نعيم: رأيت فارس تغلب الروم ثم الروم تغلب فارس، ثم المسلمون يغلبون
فارس والروم، وكل ذلك في خمس عشرة سنة، ففي زمن قليل وصدق وجد وعزم كبير تغير وجه
الأرض ويبدأ هذا من خلال عزم الإنسان المسلم أين كان موقعه في الأمة الإسلامية في
إرادة التغيير، قال رجل لأبي علي الدقاق: جئتك من مسافة طويلة "يريد أنه
يبتغي السماع لموعظته" فقال أبو علي: ليس الأمر بقطع المسافات بل فارق نفسك
لحظة يحصل لك المقصود" لأنه حين مخالفة الهوى يبدأ الإنسان بوضع قدمه على
الجادة والطريق، قال رجل للحسن البصري: لقد سبقنا القوم على خيل دُهم يريد أن
الصحابة قد سبقوهم إلى الطاعات والقربات" فقال الحسن البصري: إن أنت سرت على
هداهم لحقت بهم. وعلى هذا لا بد أن تبدأ بالتغيير في حياتنا اليومية بعد هذه
الأعمال التي مارسناها في الحج والتي تعتبر منهجًا في التغيير في كل لحظة من
حياتنا فعلى سبيل المثال لا الحصر:
استجابة
المسلم في الحج بعدم قطع شعرة واحدة من جسده:
وهو أمر مباح في غير وقت الإحرام وعلى هذا يبدأ
الحاج بعدم قطع ما هو محرم على المُحرم وغيره: فيبدأ بعهد جديد لا يقطع فيه حرمة
المسلم "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" وهذا أمر يحتاج فيه
إلى عزم وطلب من الله أن يحققه بعد أن أصبح المسلمون يعيشون على التعرض لحرمات
المسلمين ويقتاتون على أعراضهم وانتقاداتهم.
يفتح صفحة جديدة
مع رحمة الله إن كان قد قطعها أو قصر في حقها وهي معلقة بعرش الرحمن تقول: اللهم
صل من وصلني واقطع من قطعني.
يعاهد الله على
عدم قطع الولاء والنصرة لله ولرسوله وللمؤمنين.
وعلى هذا وبعد
أن التزم بعدم قطع شعره من جسده يلتزم بأن لا يقطع كل ما أمر الله بوصله.
استجابة
الحاج بعدم مس الطيب:
مع أن الطيب
ومسه مباح في أصله إلا إنه يحرم على المُحرم أن يستخدمه تعويدًا للنفس في ضبطها
وإحكام مراقبتها فإن نجح في ذلك في فترة الإحرام كان مهيئًا بأن لا يمس ما حرمه
الشرع من مال أو امرأة حرام ولا يمس مال اليتيم إلا بالحق ويبتعد عن التبذير
والعبث بمال الأمة.
استجابة
الحاج بعدم لبس المخيط:
فمع كونه من الزينة التي طلب منا أن نستخدمها
إلا أن الحاج يخلعها ليعود نفسه على خلع رداء الكبر والعظمة، ورداء التفاخر
بالأحساب والأنساب وإزار حب الدنيا وزينتها.
هذه هي البداية
بعد صفحة العمر الجديدة وبهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11) وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ
بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الأنفال:53)
فلا بد من البدء
وترك تحليقات الأمل والغفلة وإلا فالمنزل بعيد، قال محمد إقبال:
لحظة يا صاحبي إن
تغفل ** ألف ميل زاد بعد المنزل
فبعد الاستجابة
لله في ندائه ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ
كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج:27)
لا بد من
الانصياع لأوامر الله في كل شيء فهو عهد قديم لا بد من الوفاء به ولا خيار لنا إن
كنا صادقين ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ
ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ
قَالُوا بَلَىٰ﴾ (الأعراف:172) وهكذا الأمة الإسلامية والطائفة المنصورة.
أمة الإسلام
تأبى الأجلا ** أصلها الميثاق في قالوا بلى
فالقضية تحتاج
إلى عزم وبدء وترك الأماني.
﴿لَيْسَ
بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا
يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾
(النساء:123)
النداء
الثاني: الإنصاف
كلما كان
الإنسان في علاقة حقة مع الله كان مهيئًا للمسائل الكبرى في المنهج الإسلامي
والعكس صحيح، وقضية الإنصاف عند المسلمين لا يمكن أن يتصور وقوعها إلا ممن عرف
طبيعة هذا الدين وعاش تطبيقاتها، وبها يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ
شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
(المائدة:8)
والاتصال حلية
الرجال:
ولم تزل قلة
الإنصاف قاطعة ** بين الأنام وإن كانوا ذوي رحم
وعمر بن الخطاب-
رضي الله عنه يقول: التمس لأخيك ولو سبعين عذرًا.
وهذا المبدأ
نحتاجه ونحن راجعون من فريضة الحج فنذكر أحسن ما رأينا ونتجاوز عن سيئ ما شاهدنا.
فالعذر في هذا
مقدم، فمليون ونصف مع اختلاف جنسياتهم ولغاتهم وعاداتهم وأفهامهم يتحرك هذا الخليط
في مكان واحد ووقت واحد؛ الكل يحرص بعد أن أجهد المال والبدن أن يحصل على حجة
صحيحة يغفر له فيها ما تقدم من ذنبه فكل هذا يجعل الخطأ متوقعًا من الجميع والمخطئ
إن لم يتعمد التقصير والإساءة فهذا جهده وبشريته محدودة وهنا نقول أن ما يحدث من
أخطاء من أصحاب الحملات من الطعام أو الشراب أو السكن والانتقال من غير تقصير ولا
بخل وإمساك للمال يقابل بفضل خدمتهم وجهدهم وعطائهم وجميل إعدادهم، كما أن ما يحدث
من أخطاء في إدارة القائمين على مناسك الحج في مكة يجب أن يقابل بصور التفاني التي
يقوم بها الأكثر من سهر وتخطيط وحركة وجهد حتى إنك لترى الرجل منهم مع طول سهره
وتعبه، يتحرك بطاقة إضافية تستشعر أنها أُعطيت له لخدمة الحجيج ووفد الله كما في
الحديث "وفد الله ثلاثة الغازي والحاج والمعتمر" كما أن التقصير ببعض
الخدمات للحجاج يقابلها عظيم البذل في المال والجهد من أجل تيسير حركة الحجاج من
أنفاق وجسور ومظلات ومستشفيات وما يتعلق بها من خدمات متنوعة، وإنها لتدل على أن
هناك إعدادًا مسبقًا قد بدأ العمل به مع أول فوج ذهب إلى مكة منتهيًا من فريضة
الحج وقبل البدء بشهر الله المحرم.
وهذا الإنصاف
الذي نطلبه من الحاج؛ نطلب في مقابله من القائمين على أمر الحجاج من الجهات
الشعبية والرسمية أمورًا منها:
1- أنهم وهم
يتحركون لخدمة ضيوف الرحمن أن لا يركنوا إلى جهدهم وتخطيطهم وإنما يبذلون السبب
الذي في وسعهم ويتوكلون على الله الميسر للأمور فإن رأوا نجاحًا أرجعوه إلى الله
وفضله وكرمه.
2- أن يعملوا
مسحًا لآراء الناس بصورة استبيانات يعرفون من خلالها مواطن الخطأ التي وقعت ليتم
تلافيها في السنوات القادمة ومواطن الخير ليعمل على تنميتها.
3- أن يستخدموا
منهج المحاسبة الشرعية؛ فالمحسن يجب أن يكرم ويكافأ والمسيء يجب أن يلام ويعاقب إن
ثبت تقصيره وإهماله ثم بعد ذلك قاعدة للجميع فيما يحدث من مكروه للحاج فيما يقع له
أو لإخوانه ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى: "إذا جرى على العبد مقدور يكرهه
فله فيه ستة مشاهد:
1-مشهد
توحيد الله سبحانه:
فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
2-
مشهد العدل من الله تعالى: وإن
ما من شيء إلا ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه.
3-
مشهد الرحمة: إن ما كان
مقدورًا وإن كانت وفاة فرحمته سبحانه في هذا المقدور غالبة لغضبه.
4-
مشهد الحكمة: فحكمة الله
سبحانه لأمر يعلمه بعلمه الأزلي اقتضت هذا الحدث.
5-
مشهد الحمد: فالله سبحانه
له الحمد التام في جميع الأحوال.
6-
مشهد العبودية: فالمسلم عبد لله
في كل وجه تجري عليه أحكام سيده.
هذه بعض
النداءات وإلا فهي كثيرة لا يستطيع القلم أن يمنع تدافعها ولكنني أختمها لنداء
الإقامة لصلاة العشاء ولم يكن عندي من الوقت لكتابة هذه الخواطر إلا ما بين صلاة
المغرب والعشاء.
وفي النهاية
الله أسأل أن يتقبل من الحجاج حجهم ومن القائمين على أمر الحج جهدهم وجهادهم وأن
يجمعنا وإياهم على الطاعة في العام القادم ويختم لنا ولهم بالصالحات.
والحمد لله رب
العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل