العنوان ندوة المجتمع: الغزو الفكري وأثره على ثقافة الأمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مايو-1993
مشاهدات 17
نشر في العدد 1050
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 18-مايو-1993
·
الطيب أبو عزة: الغزو الثقافي يستهدف السيطرة على الأمة عن طريق
تدمير المقومات المعنوية والثقافية السائدة وإحلال ثقافته ونمطه في التفكير.
·
مصطفى مشهور: مع استمرار الغزو الفكري فإننا لا نستبعد لجوء الأعداء
إلى الغزو العسكري في أي وقت ولابد أن نكون مستعدين لذلك.
·
المستشار طارق البشري: في أعقاب عملية الغزو العسكري التي قام بها
الغرب في القرن التاسع عشر قلم بإنشاء المدارس الفكرية الغربية لتغيير هويتنا
الحضارية الإسلامية.
أدار الندوة في الرباط: خالد بن سعيد
لقد أصبح أمرًا مؤكدًا أن الصراع والتنافس قد
تحولا إلى ساحات أخرى غير الساحات العسكرية، وبأسلحة غير الأسلحة التقليدية من
قنابل ودبابات وصواريخ وقوات عسكرية.. وأصبح الانتصار الحقيقي يتقرر في ساحات
الصراع الثقافي، وأن السلاح الأكثر فاعلية هو سلاح الأفكار.
والأمة التي يحال بينها وبين منابع ثقافتها
تصبح مهيأة لشتى أنواع الغزو، ولاسيما الغزو الثقافي.. فإلى أي مدى تنطبق هذه
القاعدة على الأمة الإسلامية اليوم؟
هذا ما سنتعرف عليه في هذه الندوة التي يشارك
فيها عدد من العلماء والمفكرين الإسلاميين.
الطيب بو عزة
كان أول لقاء لنا مع الأستاذ «الطيب بوعزة»،
أستاذ الفلسفة والمتخصص في علم الاجتماع بالرباط، الذي فضل التوقف أولًا عند قضية
المصطلح قائلًا: في البداية أريد أن أتوقف عند المصطلح، فمن الملاحظ أن ثمة
مصطلحين اثنين يتم تداولهما بخصوص هذا الإشكال الحضاري الخطير الذي يميز علاقتنا
بالغرب، وهما: مصطلح "الغزو الفكري"، ومصطلح "الغزو الثقافي"؛
أقف ولو بإيجاز عند دلالتهما لأنهما يستعملان في كتاباتنا وكأنهما مرادفان، مع أن
بينهما تمايزًا دقيقًا لو حددناه لخلصنا إلى إدراك أدق لأبعاد هذا الإشكال. إني
أفضل مصطلح "الغزو الثقافي" بدل "الغزو الفكري"؛ لأن مفهوم
الثقافة أوسع من مفهوم الفكر، وللأسف يلتبس الأمر لدى الوعي الإسلامي المعاصر
فيقتصر مفهوم الثقافة على الأفكار، مع أن الأفكار مكون فقط من بين مكونات أخرى؛
فثقافة شعب معين تدل على أسلوبه في التفكير ونتاجه الذهني من جهة، وتدل من جهة
أخرى على نظمه الاجتماعية من قيم سلوك وقواعد قانونية منظمة، ولذا فالأفكار والقيم
والقانون كلها عناصر متداخلة تكون نسيج ثقافة المجتمع.
وتأسيسًا على هذا التحديد الأولي للمصطلح،
نقرأ آثار علاقتنا بالغرب فنجد أن غزوه لنا يتعدى الغزو الفكري إلى غزو قيمي
وقانوني، وهذا هو جوهر عملية استلاب شخصيات الأمم واستعبادها، ولذا يجب أن نتحدث
عن الغزو الثقافي لا عن غزو فكري فقط.
ومصطلح الغزو الثقافي يحيل على توافد دخيل
يستهدف السيطرة على الأمة عن طريق تدمير المقومات المعنوية والثقافية السائدة
وإحلال ثقافته ونمطه في التفكير وتقاليده في العيش محل السائدة الأصلية، وربط
التدخل الثقافي الغربي بكلمة "الغزو" يستحضر جميع هذه الدلالات السابقة،
ولا أعرف -حسب اطلاعي- من الذي أبدع هذا المصطلح؛ إذ لا تلقاه في ماضينا الفكري،
وحين تراجع هذا الماضي نجد مصطلحًا آخر يستعمل للدلالة على الدخيل الفكري على عالم
الأمة وهو مصطلح «الإسرائيليات»، أما الغزو الثقافي أو حتى مفهوم الثقافة -بدلالته
الحالية- فهو حديث النشأة في المعجم العربي، بل أستطيع تحديد زمن تبلوره في بدايات
القرن العشرين؛ إذ يعبر عن يقظة ووعي حصيف بطبيعة الاستعمار وأبعاده وتأثيره
السلبي على الكيان الثقافي والحضاري للمنطقة.
ومثل هذه اليقظة والوعي في توصيف جوهر عملية
الاستعمار لم تكن لتظهر في القرن التاسع عشر؛ لأنه حتى النصف الثاني من ذلك القرن
سيبتدئ التشكل الأولي لهذا الوعي بالأبعاد الثقافية لحركة الاستعمار، وعادة لا
يظهر مصطلح دال على معنى ما إلا بعد وجود هذا المعنى وتجسده كظاهرة واقعية ملحوظة،
لكن إذا حددنا توقيت ظهور هذا المصطلح، وهو تحديد تقريبي طبعًا، فلا نعرف من الذي
ابتدعه، وسيكون جهدًا مشكورًا ونافعًا ذلك البحث عن هذه الشخصية التي قدمت هذا
المصطلح.
ومن موقع اختصاصي كدارس لعلم الاجتماع أستحضر
تعريفًا لـ«ألفريد فيبر» الذي أبدع مفهوم "سوسيولوجية الثقافة"، حدد فيه
فرقًا هامًا بين الثقافة والحضارة؛ حيث بين أن الحضارة هي مجمل النتاجات النظرية
والتقنية غير الشخصية، أي التي يمكن أن تتناقل بين الأمم، بينما الثقافة هي
المكونات الروحية والقيم أو المثل المتداولة بين شعب معين، والتي تعبر عن خصوصيته
وشخصيته؛ من هذا التعريف نلاحظ قيمة الثقافة وأهميتها وبالتالي خطورة الغزو
الثقافي، فلكل أمة شخصيتها التي تميزها عن باقي الأمم تمامًا كما تتمايز الآحاد
والأفراد.
هذه الشخصية تشكلها ثقافة تلك الأمة، ومن ثم
فكل غزو ثقافي يستهدف تدمير هذه الثقافة الذاتية فهو في النهاية إفناء لتلك الأمة
وإخراجها من سياق التاريخ إلى متاحفه حيث ترقد الأموات.
والأمة الإسلامية حاليًا تتعرض لغزو ثقافي على
تفكيرها وقيمها الاجتماعية ونظمها التشريعية والسياسية من طرف الغرب، الذي أدرك أن
احتلال العقل أجدى في استعباد الشعوب والأمم من احتلال الأرض، ولقد توسل لذلك
وسائل جد فاعلة بل لا تكاد توجد وسيلة أو منفذ لتحجيم الوجود الثقافي الإسلامي
واستلاب شخصية الأمة إلا واستعملها، وكان هذا بسبب إدراكه لأهمية الثقافة في
استعمار الشعوب، وبهذا يتوضح لماذا كانت "الأنثروبولوجيا" علمًا مصاحبًا
دائمًا لعملية الغزو العسكري الاستعماري؛ ففي المغرب مثلًا عملت الأنثروبولوجيا
الفرنسية أثناء الاستعمار مع باحثها الشهير روبرت مونتاني على تحجيم الوجود
الإسلامي في المغرب عن طريق إبراز البربرية واعتبارها صاحبة البلد، وأن الإسلام
دخيل على المنطقة، وأنه رغم اعتناق البرابرة لهذا الدين فهو اعتناق سطحي من السهل
إزالته، ومن خلال هذا الفهم اعتبر مونتاني أن الاستعمار في المغرب يجب أن يستغل
هذا الاختلاف العرقي (الإثني) للتمكين من الوجود الفرنسي واستئصال الإسلام، ولمن
أراد التوسع في هذا الموضوع أدعوه لمراجعة كتاب مونتاني "البرابرة والمخزن في
جنوب المغرب"؛ فمن هنا يتبين أن تدمير المقومات الثقافية السائدة في البلاد
الإسلامية كان مستحضرًا حتى في أوائل الحركة الاستعمارية، وعمل الغرب على تحقيق
هذا الهدف ولا يزال يعمل على نحو منظم وممنهج.
المستشار طارق البشري
نترك قليلًا الأستاذ الطيب بوعزة لننتقل إلى
الأستاذ "طارق البشري"، يكتب في تاريخ العرب والمسلمين في العصر الحديث
وأيضًا في الفكر السياسي والقانوني، الذي أكد أن انتقال الصراع إلى المجال الفكري
والثقافي ليس بالأمر الجديد، وأنه ما من صراع سياسي أو عسكري إلا وتكون من ورائه
قوة فكرية تعكس هذا الصراع وتدعمه.
يضيف: «وأتصور أن عملية الغزو الكبرى التي
حدثت لنا في القرن التاسع عشر قد تمت بالقوة العسكرية والإحاطة السياسية
والاقتصادية، إلا أن الانتصار العسكري دائمًا تترتب عليه مشكلة تتمثل في كيفية
استدامة ذلك الوضع والمحافظة عليه، وهذا ما صادف الغرب عندما احتل أراضينا منذ
القرن (19)؛ حيث كان عليه بعد دخوله بلادنا أن يسوغ حكمه لها عن طريق العمل الفكري
ليفقد، أو على أقل تقدير ليخفف من شعورها بذاتها العقائدية والحضارية والسياسية،
وإيجاد ولو صلة صورية بينه وبينها على المستوى الفكري والثقافي، أي إيجاد جامعة
مصطنعة بين الحاكم والمحكوم.
ولهذا قام بإنشاء المدارس الفكرية الغربية
المختلفة وتربية الأجيال على أساس التصورات الفلسفية الغربية لتقليل إسلامنا
وإضعاف هويتنا الحضارية الإسلامية.
د. عبد الصبور مرزوق
ويرى الدكتور عبدالصبور مرزوق المفكر الإسلامي
والمدير العام السابق لرابطة العالم الإسلامي، أن سلاح الغزو الثقافي أخطر بكثير
من الغزو العسكري؛ لأن هذا الأخير يأتي ويمضي، في حين إذا ما دخل العدو مستترًا
بالفكر والثقافة فإنه يستعمر العقول والأفئدة والقلوب ووجهات النظر وطرق التفكير،
وبالتالي يبقى في أذهاننا مستورًا ونحن نمشي برؤاه وتوجهاته ونخدمه ونخدم أهدافه.
ويقول: وقد ابتلينا بهذه المسألة الخطيرة منذ
زمن بعيد، ولي شخصيًا دراسة عن الموضوع كنت قد نشرتها في المملكة العربية السعودية
قبل سنوات تحت عنوان «الغزو الفكري، أهدافه ووسائله»، وترجمت إلى عدة لغات عالمية
وكان لها بفضل الله تعالى صدى كبير في رصد هذا الغزو الثقافي منذ بدأ عبدالله بن
سبأ اليهودي الذي اعتنق الإسلام من أجل نشر قيم معينة مناقضة ومناهضة للفكر
الإسلامي السليم.. إلى أن تطورت الأمور وبدأت تمضي إلى باطنية وأفكار منحرفة وإلى
أناس يدسون في الحديث النبوي كذبًا وزورًا وبهتانًا، كما دخلت بعض الإسرائيليات في
علوم التفسير وغير ذلك من الأمور التي بدأت تحرف الكلم عن مواضعه وتمزق وحدة
الأمة.
وبهذا الصدد ذكر الأستاذ مرزوق أن الأمة إذا
ما مزقت وحدتها المكانية فيمكن استعادتها في أي لحظة، لكن إذا مزقت وحدة الفكر
والعقيدة ووحدة الثقافة والتوجهات والأهداف، فإنها تضيع وتتفكك وتصبح سهلة المنال.
وأضاف: هذا هو ما يمارس علينا اليوم، الغزو
الفكري بمختلف الوسائل، عن طريق الكلمة والصورة والرواية المدسوسة والخبر المكذوب
وأنظمة مخالفة لتعاليم ديننا في التعليم والاقتصاد والاجتماع.. إلى غير ذلك من
الطرق والوسائل التي يمارسون بها علينا عملية غسيل المخ حتى تنمحي شخصيتنا
الثقافية الأصلية وتلغى هويتنا وتحل محلها هوية التبعية والعمالة للأفكار
والاتجاهات الغربية.
ثم ماذا؟
لقد أقيم العديد من المؤتمرات حول قضايا حيوية
وميادين فعالة كالتعلِيم والتربية والإعلام الإسلامي والاقتصاد الإسلامي، وأسفرت
عن العديد من التوصيات كما كتبت الكثير من المؤلفات حول هذه الإشكالية المتشعبة
وبينت مدى خطورة هذا الغزو الفكري والثقافي.. ولكن رغم كل هذا الوضوح للفكرة يؤكد
الأستاذ طارق البشري على أننا ما زلنا نعاني من هذا الغزو الثقافي، كما يتفق مع
الدكتور مرزوق على أن القضية ليست قضية مؤتمرات ومؤلفات فحسب، وإنما هي قضية تنفيذ
ومتابعة وتدعيم مادي ومعنوي لكي تتحقق الثمار المرجوة من الجهود المبذولة.
ولذا فمن الواجب أن تكون مواجهتنا في مستوى
التحديات، فما الوسائل الكفيلة بإنضاج مواجهتنا للغزو الثقافي الغربي؟
الطيب بو عزة
تساؤل نعود للإجابة عنه إلى الأستاذ الطيب
بوعزة حيث يقول: للأسف لقد أقيمت منتديات عديدة لتدارس هذا الإشكال الحضاري الخطير
وكتبت كتابات عديدة، ولكن قلما توصلنا إلى بلورة مواجهة فعلية لهذا الغزو، وإذا
كان لابد من مراجعة وتقويم وسائلنا وطرائقنا السالفة التي توسلناها كأدوات مواجهة،
وابتداع طرائق أخرى أكثر نجاعة، وأبتدئ بتحديد مواقع تحديات الغزو الثقافي ثم
اقتراح وسائل الرد.
لقد حددت مفهوم الثقافة من قبل في ثلاثة
أبعاد: الفكر والقيم والقانون، وبالفعل نلاحظ أن الغزو الثقافي الغربي طال جميع
هذه الأبعاد والمكونات المجتمعية؛ ففيما يتعلق بالبعد الفكري لا يشك أحد أن الفكر
والفلسفة الغربية استطاعت التغلغل في نسيج عقلنا المعاصر، واحتلت مواقع جد مهمة في
مراكز التربية والتعليم والإعلام، ووفدت إلينا مذاهب واتجاهات فلسفية متعددة كسرت
وحدتنا العقلية وأدخلتنا في فوضى فكرية خانقة، فكما جزأ الغزو العسكري جغرافية
الأرض وأفقدنا الوحدة السياسية، فإن الغزو الثقافي جزأ جغرافية العقل وأفقدنا الوحدة
الفكرية.
والوسيلة الكفيلة بإنضاج مواجهتنا للفكر
الغربي هي اعتماد منهجية العمل الجماعي المنظم بإعداد موسوعة نقدية إسلامية لمجمل
التاريخ الفكري الغربي ينهض بها ذوو الكفاءة والاختصاص، حتى نسد هذا النقص الهائل
في الرؤية الإسلامية للغرب، وتنضج هذه الرؤية.
وقد يظن البعض أن مواجهة الغزو الغربي فكريًا
قليلة الفائدة، ولكن هؤلاء يغيب عن إدراكهم الكثير من أحداثنا التاريخية التي تؤكد
قيمة المواجهة الفكرية في تحصين الأمم، وأستحضر من تاريخنا مثال الإمام الغزالي -رحمه
الله، فكتابه «تهافت الفلاسفة» يجمع الكثير من المفكرين والمؤرخين على القول بأنه
السبب المباشر في إنهاء غزو الفلسفة اليونانية للوطن الإسلامي وقتئذ، بل قال
أحدهم: «مع مجيء الغزالي لم تقم للفلسفة اليونانية قائمة في المشرق، ولم يكن لها
إلا أن ترحل إلى المغرب الإسلامي».
صحيح أن وجود نظام تفكير أو غيابه غير مرتبط
بوجود فرد ما أو تسطير كتاب معين إنما يرتبط ذلك بمجمل ظروف المجتمع الذهنية
والمادية سواء، لكن العمل الفردي المقتدر قد يغير من ظروف المجتمع وسياق التاريخ،
ولا نقصد بهذا إلى أن احتياجنا اليوم ينحصر في شخص عبقري؛ إن المجهود الفردي رغم
قيمته قد لا يكفي حاليًا ولذا لابد من اعتماد أسلوب العمل الجماعي.
هذا فيما يخص الغزو الفكري، أما الغزو الثقافي
الذي مس القيم فمن الواضح أن في واقعنا الاجتماعي تسود قيم الميوعة والانحلال
الخلقي نتيجة اعتمادنا أسلوب الغرب في تنظيم علاقة الرجل والمرأة، ولمواجهة ذلك
لابد أولًا من تجديد تصورنا الاجتماعي حول المرأة، فلا ننغلق في تقاليد وعادات
بالية ما أنزل الله بها من سلطان، بل تنضبط بضابط الشرع، ونستمد لمشكلاتنا الخلقية
والاجتماعية المعالجات الواقعية القابلة للتجسد في الواقع والناتجة عن فقه بصير
بمقاصد الشرع.
وفيما يتعلق بالقانون لابد من العمل على تطبيق
شرع الله واستبعاد القوانين الوضعية الغربية، وهذه مسؤولية الحكام والمحكومين على
حد سواء، ولتحقيق ذلك لابد لنا من تحفيز الاجتهاد الفقهي، وهجر ذلك التصور القاصر
الذي يرى أن لا اجتهاد في قضايانا الاجتماعية إلا بعد قيام الدولة الإسلامية.
هذا التصور الذي قال به علماء أجلاء أكنّ لهم
كل الاحترام والتقدير، ولكن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة، وهذا الاجتهاد خاطئ في
نظري، وحين أراجع الظروف السياسية والنفسية التي كانت محيطة بقائلي هذا الاجتهاد
أعذرهم.. ولكن من المؤكد أنه لابد لنا من فقه معاصر يستمد لنا من الإسلام معالجات
محددة لمشكلاتنا الحاضرة حتى يكون الرجوع إلى شرع الله رجوعًا ممكنًا بفقه وبصيرة
وعلم.. رجوعًا إلى معالجات واضحة الملامح وبرامج مفصلة قابلة للتنزيل على الواقع
لا إلى شعارات عامة غير ملحوظة المواصفات.
إن الغزو الثقافي الغربي طال جميع مكونات
النظام المجتمعي ومواقعه، ولذا لابد أن تكون مواجهتنا له مواجهة تتقصد مختلف مواقع
الغزو، بشرط أن تقوم بهذه المسؤولية الكفاءات المتخصصة التي تلتزم بأصول العمل
الجماعي والإفادة من الجهود الفردية وتجميعها وتنظيمها حتى تتكامل وتتقوى، وكما أن
الوحدة والتجمع قوة في السياسة فإنها قوة في الثقافة أيضًا.
مصطفى مشهور
كما التقت «المجتمع» مع الأستاذ مصطفى مشهور
(أحد القيادات الإسلامية الهامة في مصر) الذي عبر عن تصوره حيال هذه الإشكالية
بقوله: لقد تعرضت الأمة الإسلامية إلى الغزو العسكري الذي لم يغادر البلاد إلا بعد
أن أحدث تغييرات جذرية في نظم تعليمها وفي تشريعاتها ونظامها الاقتصادي وحياتها
الاجتماعية، وخطط للحيلولة بينها وبين منابع ثقافتها بفرض لغته الأجنبية لتحل محل
اللغة العربية ليحول بين الأجيال الناشئة وبين تاريخهم الإسلامي ومنابع عقيدتهم
وعبادتهم، كما شغل الأجيال الناشئة بتاريخ أوروبا وحسر القدر الذي يدرسونه عن
تاريخ الأمة الإسلامية، كما أبعد الشريعة الإسلامية عن الحكم وأحضر قوانين وضعية
من صنع البشر لتحل محلها، وفرض نظام الربا في المعاملات الاقتصادية ونشر الفساد
والخمر والميسر والفاحشة، وللأسف الشديد فإن هذه الآثار في كل هذه المجالات مازالت
قائمة في معظم أقطارنا الإسلامية، وأوصلتها إلى حالة من العنف والتبعية والانهيار
الاقتصادي والفساد الأخلاقي، ولكن هذه الحال دفعت أصحاب الهمم من الدعاة إلى الله
إلى العمل لتدارك الأمر وإنقاذ الأمة الإسلامية من التردي في الهاوية ونادوا إلى
العودة إلى الله وإلى شريعة الله وإلى البعد عن الربا ومحاربة الفساد، وقد بارك
الله في هذه الجهود وبدأت هذه الآثار السلبية في الانحسار شيئًا فشيئًا، وهذه
الصحوة الإسلامية رمز واضح للتغيير المنشود وتصحيح مناهج التعليم والمطالبة الملحة
بتطبيق الشريعة والمؤسسات اللاربوية، كل ذلك يبشر بخير.
ولكن لا يصح أن نستبعد لجوء الأعداء إلى الغزو
العسكري في أي وقت ضد المسلمين؛ فالله تعالى يقول: (وَلَا يَزَالُونَ
يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة:
217) ويحثنا، بل يأمرنا أن نستعد لمواجهة الغزو العسكري بقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا
لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: 60).. الآية.
فالواجب يفرض على المسلمين الاهتمام بلغتنا العربية وتعليم الإسلام وتاريخ أمتنا الإسلامية والمحافظة على هويتنا الإسلامية في كل جوانب حياتنا، والتخلص من العادات والسمات الغربية التي تركت بصماتها على حياتنا، فتعاليم الإسلام وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته هي أرقى مستوى في الحياة والتعامل وتحقيق الحياة الطيبة في كل المجالات التشريعية والاقتصادية والاجتماعية والأسرية وغير ذلك.. ولابد أن نهتم بإعداد شبابنا للجهاد وأن نعمل على الاكتفاء الذاتي في غذائنا وسلاحنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، والأمل كبير في أن ينصرنا الله وأن تعود للأمة الإسلامية مكانتها وعزتها بإذن الله.
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل