العنوان ندوة سياسية بجامعة القاهرة تعترف: المستقبل لحركة الإخوان المسلمين في مصر
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988
مشاهدات 68
نشر في العدد 852
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 19-يناير-1988
في إطار النشاط الثقافي لأساتذة
الجامعة، أقامت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ندوة هامة حول واقع
ومستقبل التيار الإسلامي في مصر، حيث تحدث الدكتور سعد الدين إبراهيم، أستاذ
الاجتماع بالجامعة الأمريكية، وأمين عام منتدى الفكر العربي بالأردن، حول الصحوة
الإسلامية في مصر وحركة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص. اعترف الدكتور سعد الدين
إبراهيم بأن المستقبل هو –في ضوء الظروف الحالية– للتيار الإسلامي
عمومًا، ولجماعة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص. وشرح الدكتور سعد
الدين وجهة نظره تلك في الندوات التي جرت في منتصف شهر ديسمبر، حيث طرح ملاحظات
ثلاث قبل بدء المحاضرة، أظهر فيها أنه لا يؤيد ولا يعارض التيار الإسلامي، ولكنه
يتعامل بمنطق الباحث، وأن اهتمامه بالموضوع يعود إلى عشر سنوات مضت، وأن الموضوعات
التي ناقشت الصحوة الإسلامية والتيار الإسلامي كانت في الأغلب سطحية وغير علمية.
وقال: "إن هناك ظاهرة من الظواهر الخطيرة لم يتعرض الباحثون للحديث عنها، وهي
جماعة الإخوان، وشركات توظيف الأموال الإسلامية المنتشرة في مصر، والصعود
السياسي للإخوان في السنة الأخيرة عندما دخلوا في التحالف."
ويقسم الدكتور سعد الدين إبراهيم حديثه
عن طبيعة الصحوة الإسلامية في مصر إلى ثلاثة أقسام حسب أنشطة الصحوة:
1.
إسلام مؤسسي:
ويتمثل في الأزهر الشريف، ووزارة الأوقاف، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية،
وهو قوة هائلة في خدمة الدولة، منذ عهد محمد علي باشا حين انتهى الدور السياسي
للأزهر، وأصبح على علماء الأزهر أن يكونوا على علاقة طيبة مع السلطات.
2.
إسلام صوفي:
وقد نما نموًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، وله مجلس أعلى للطرق الصوفية.
3.
الإسلام السياسي:
وهو الشاغل الحقيقي للشارع ورجال البحث العلمي، ويمكن أن نقول إنه بعد صدور
القرار الاستراتيجي لجماعة الإخوان في الستينيات، بالتخلي عن العنف والاقتصار على
الوسائل السلمية في بناء نظام إسلامي حقيقي، لم يوافق بعض أعضاء الجماعة، وعدد
كبير من شبابها على ذلك، وحدث انشقاق حين خرجوا من السجن، وقرر فريق من المنشقين
استخدام العنف "الجهاد" لإقامة الحكم الإسلامي، بينما رأى الفريق الآخر
عدم الاشتغال بالسياسة بطريق مباشر، وإنما بالتعليم والخدمات وإنشاء مؤسسات
إسلامية تجسد الدعوة الإسلامية وتفرخها مع تغير نظام الحكم. وقد لعب السادات دورًا
في توفير الجو الملائم لهذه الحركات لفرض نفسها، ليوازن بينها وبين التيارات
اليسارية والقومية، وكان هذا هو الاتفاق الضمني للإخوان مع الدولة لعدم استخدام
العنف.
صدام الإخوان مع
السادات:
ويرى الدكتور سعد الدين إبراهيم أن
اتجاه السادات إلى الغرب في عام 1974 أزعج الإخوان إزعاجًا كبيرًا، باعتبارهم
تيارًا وطنيًا لا يريد نفوذًا أجنبيًا في دار الإسلام. وبدأ الإخوان ينتقدون
تصرفات السادات وظلمه الداخلي، وخاصة العلاقات مع إسرائيل والانفتاح وسياسة
الديمقراطية المحكومة والتحالف مع أمريكا، وكان لا بد من الصدام بين السادات
والإخوان بعد زيارة القدس. وفي نهاية السبعينيات، أصبح التيار الإسلامي مضادًا
للتيارات الأخرى، وانتهى باغتيال السادات.
وفي أكتوبر 1981 حاولت الدولة، كما يقول الدكتور سعد الدين إبراهيم، التعامل مع التيار
الإسلامي كأي تيار سياسي آخر، واستجاب الإخوان ولم يدخلوا في مواجهات عنيفة. وفي
السنوات الأخيرة، بدأ الإخوان يمارسون السياسة، كأي قوة سياسية في إطار تعددي،
وهذا منعطف تاريخي. وكان قرار الإخوان التاريخي بدخول انتخابات أبريل 1987 تعبيرًا عن تحول كيفي آخر، وكان عدم اقتصارهم على السياسة بمعناها المحدود،
وإنما التصدي لإنشاء مؤسسات اقتصادية وإعلامية. وبدأ الإخوان كقوة تتحاور وتختلف،
ولكن في ظل الإطار العام إلى أن تنجح في تغيير النظام. وبدأ عدد من الإخوان
الأنشطة الاقتصادية، سواء بأسمائهم أو بأسماء عامة، ولكنهم يمثلون أعضاء أصلاء في
الإخوان، ومن ثم دخل عدد كبير مقلدين ولا يمتون بصلة إلى الإخوان، ولكنهم يحاولون
الاستفادة من مناخ الصحوة، حتى أن الإخوان يتبرأون اليوم من هذه الشركات المدعية
للإسلام.
كتاب كل 6 ساعات:
ويرى الدكتور سعد الدين إبراهيم أن حجم
المنشآت الاقتصادية الإسلامية في تنام مستمر، وأن تقدير الخبراء يتراوح بين 5 مليارات إلى 50 مليار جنيه رؤوس أموال هذه المنشآت.
وهذه المنشآت تجذب أعدادًا كبيرة للتعامل معها، ورأي الناس فيها إيجابي. وكل هذه
الأنشطة مدعمة لبعضها البعض، وأدى النشاط الإعلامي إلى خلق طبقة مثقفة جديدة، تنمو
نموًا هائلًا، فبعض المطابع الإسلامية تطبع كتابًا كل 6 ساعات، وهناك تأييد كبير لتيار الإخوان بشكله الدعوي السلمي، والمناضل
سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا.
وعن جماعة التكفير والهجرة، يقول
الدكتور سعد الدين إبراهيم إن أجهزة الأمن هي التي أطلقت عليها هذا الاسم، وأن
الجماعة تقوم على تكوين قاعدة قوية، ثم يعودون لإسقاط النظام الجاهلي، وأن
اصطدامهم مع الدولة مؤجل. ومن ثم كانت حادثة مقتل الشيخ الذهبي
(1977) كما قالوا استدراجًا لهم، وهذا الفكر في انزواء كامل.
وعن جماعة الجهاد، يقول الدكتور سعد
الدين إبراهيم: "إنها ترى أن المجتمع بخير وليس جاهليًا، ولكن حكامه فقط كفرة
وفاسدون، ويجب إسقاطهم حتى ولو ماتوا في سبيل ذلك فهم شهداء، وحين تتغير الرأس
برأس مسلمة صالحة، سيعود للجسم الإسلامي صحته وعافيته."
ثم تحدث أستاذ علم الاجتماع بالجامعة
الأمريكية بالقاهرة عن مستقبل مصر فقال: "إن المستقبل هو لجماعة الإخوان
والناصريين، ولكن ماذا عنهم في المجتمع ككل؟ تأييد كامل من الشارع المصري، ولكن
هذا يتوقف على حجم ورؤية التيارات السياسية الأخرى في المجتمع، مثل الوفد،
والوطني، والتجمع، والناصريون. وكل هذه القوى تشعر بنفس التحدي، ولكن الدولة تقف
من التيار الإسلامي موقفًا عدائيًا، والتيارات السياسية الأخرى -كما يرى الدكتور
سعد الدين إبراهيم- لم تبلور سياسات للتعامل مع المجتمع المصري، ولغة حوار جديدة
وممارسات جديدة يمكن أن تجتذب إلى صفوفهم بعض الأتباع، وتنظر لتيار الإخوان
المسلمين بأنه يمثل تحديًا شديدًا لهم."
ويعترف الدكتور سعد الدين إبراهيم بأنه:
"إذا استمر الحال، فليس المستقبل للإخوان في التيار السياسي في مصر فقط، ولكن
في الشارع المصري ككل."
أين الاتفاق الضمني؟
وتحدث الدكتور عصام الدين العريان، عضو
مجلس الشعب (إخوان مسلمون)، تعقيبًا على الأستاذ المحاضر، فقال إنه لا يوجد دليل
على حدوث انقسام في صفوف الإخوان في الستينيات، وأن شكري أحمد مصطفى الذي أُعدم في
حادث مقتل الشيخ الذهبي لم يكن إخوانيًا، ولكنه أُخذ في الاعتقال الجماعي. وتساءل
الدكتور عصام العريان: "متى بدأ الاتفاق الضمني مع السادات؟" وقال إن
الحديث عن الاتفاق الضمني لا يدخل ضمن البحث العلمي الجاد، كما أن آخر أفواج
الإخوان خروجًا من السجن كان في عام 1974، وأنهم التقوا مع أعضاء الفنية
العسكرية الذين دخلوا في أبريل 1974. وقال الدكتور عصام العريان: إن الإخوان
يعترفون بالحياة النيابية، وأن ذلك موجود في رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، كما
أن دخول الإخوان الاقتصادي بدأ منذ نشأة الجماعة في عام 1928، وأن رأي الدكتور سعد الدين
إبراهيم حول المستقبل وأنه للإخوان بشرط موقف القوى السياسية في مصر، هذا عامل
واحد، ولكن هناك عوامل أخرى مثل موقف السلطة وكذلك موقف السياسة الاستعمارية في
العالم.
ورد الدكتور عصام العريان، عضو مجلس
الشعب وأحد القيادات الطلابية في نهاية السبعينيات، على الزعم بأن الإخوان كانوا
يعتمدون على العنف ثم تخلوا عنه، وإنما الحوادث التي وقعت كانت كلها فردية متسرعة،
وقد نشر الإمام البنا بيانه المشهور "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين".
الإخوان تيار وطني
أصيل:
وحول اتهام حركة الإخوان برفض التعامل
مع معطيات العصر ورفض التعايش مع القوتين العظميين، رد الدكتور سعد الدين إبراهيم
قائلًا: "إن الإخوان المسلمين تيار وطني أصيل، بل هم غلاة في الوطنية،
ومناهضون للاستعمار الغربي والشرقي، ولا يمكن أن نتغاضى عن هذه الحقيقة. وعندنا
السجلات، حرب الإنجليز في القتال، وحرب فلسطين، والدور البارز للإخوان، كما أنهم
يطبقون شعارهم: لا شرقية ولا غربية، إسلامية، إسلامية.
وقال إن الإخوان ليسوا ضد التكامل مع الخارج فهم يقومون بخدمات ومؤسسات، وكلها
تقوم على أسس عصرية (مستشفى، مصنع) إلخ، وأن معظمهم درسوا دراسات علمية رفيعة
وحوالي 80% من طلبة الطب والهندسة وغيرها على
استعداد للتعامل مع الغرب، ولكن من منطلق إسلامي مستقل."
واختتم الدكتور سعد الدين إبراهيم،
أستاذ الاجتماع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، محاضرته قائلًا: "إن العشر
سنوات الأخيرة تبرهن أن المستقبل المشروط هو للإخوان المسلمين، ففي الانتخابات قبل
الماضية كان لهم 7 أشخاص في البرلمان، أما الآن فعددهم في
البرلمان 36 عضوًا، والزيادة هنا خمسة أمثال،
والمؤسسات الإسلامية تزيد بسرعة والنشر يزيد، ولهم الآن وضوح تام في صحيفة الشعب
والأحرار والأمة، وأن النجاح يتوقف على قدرة الإخوان على تقديم البدائل الجديدة
وعرضها بصورة جيدة، والإخوان قد أدوا ونجحوا في التحالف الانتخابي الأخير نجاحًا
كبيرًا، ولكن هل يستمر ذلك؟"