العنوان نساء العزيز في أمريكا
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1989
مشاهدات 74
نشر في العدد 900
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 17-يناير-1989
مع سورة يوسف: يذكر تعالى قصة يوسف عليه السلام في كتابه الكريم مع امرأة العزيز في مصر، ليعطي بتلك القصة نموذجًا لثبات الشاب في عنفوان شبابه أمام فتنة من أكبر الفتن التي يتعرض لها الرجال، خاصة في مقتبل أعمارهم. الفتنة التي هي بداية فتنة بني إسرائيل، الفتنة التي ما ترك الرسول ﷺ فتنة أضر على الرجال منها، كما أخبر بذلك النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه الامام أحمد «وما تركت بعدي فتنة أضر على الرجل من النساء»(1).
قال تعالى في سورة يوسف عن تلك القصة: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (يوسف: من 23 إلى 28).
الهياج الجنسي
يقول سيد رحمه الله في ظلاله «وإذن فقد كانت المراودة في هذه المرة مكشوفة، وكانت الدعوة فيها سافرة إلى الفعل الأخير، وحركة تغليق الأبواب لا تكون إلا في اللحظة الأخيرة، وقد وصلت المرأة إلى اللحظة الحاسمة التي تهتاج فيها دفعة الجسد الغليظة، ونداء الجسد الأخير: وقالت هيت لك، هذه الدعوة السافرة الجاهرة الغليظة لا تكون أول دعوة من المرأة إنما تكون هي الدعوة الأخيرة وقد لا تكون أبدًا إذا لم تضطر إليها المرأة اضطرارًا والفتى يعيش معها وقوته وفتوته تتكامل، وأنوثتها هي كذلك تكمل وتنضج، فلابد أن هناك إغراءات شتى خفيفة لطيفة، قبل هذه المفاجأة الغليظة العنيفة»(2).
وعندما رد يوسف عليه السلام رده القوي النابع من الإيمان العميق والرقابة الدائمة الله سبحانه وتعالى «قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون»... لم تكتف امرأة العزيز بذلك، بل إنها لحقته عندما هرب منها يريد الفكاك من هذه الفتنة الصارخة، حتى يحفظ دينه وسمته أن يتدنس بهذه الحيوانية الهابطة، ومزقت قميصه من الخلف تريد رده عن الهرب، وتريد أن يقترف معها الفاحشة بالإجبار.
هذا الهياج الجنسي لم يتوقف عند امرأة العزيز بمجرد علم الزوج بهذه الحادثة، بل استمرت بتهديد يوسف عليه السلام وبالغت بذلك، حتى جمعت نساء المجتمع المخملي من العوائل الراقية في مصر آنذاك، وشاركنها جميعا في فتنة يوسف عليه السلام، وهددته بالسجن أمامهن إذا لم يقترف هذه الخطيئة، ولكنه صرخ صرخته الأخيرة القاطعة لكل هذه المحاولات الآثمة عندما بلغت الفتنة مداها.
ثبات يوسف
«وقال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه»، ولم يقل: ما تدعوني إليه. فهن جميعا كن مشتركات في الدعوة سواء بالقول أم بالحركات واللفتات.. وإذا هو يستنجد ربه أن يصرف عنه محاولاتهن لإيقاعه في حبائلهن، خيفة أن يضعف في لحظة أمام الإغراء الدائم، فيقع فيما يخشاه على نفسه، ويدعو الله أن ينقذه منه: «وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين»، وهي دعوة الإنسان العارف ببشريته... الذي لا يغتر بعصمته، فيريد مزيدًا من عناية الله وحياطته يعاونه على ما يعترضه من فتنة وكيد وإغراء.
«فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن، إنه هو السميع العليم»، وهذا الصرف قد يكون بإدخال اليأس في نفوسهن من استجابته من بعد هذه التجربة، أو بزيادة انصرافه عن الإغراء حتى لا يحس في نفسه أثرًا منه... أو بهما جميعا (3).
امرأة العزيز في أمريكا
هذه الصورة لامرأة العزيز، وهي متهالكة على يوسف عليه السلام كم تتكرر في أمريكا وباقي الدول الأوروبية، ولا يعرف بحقيقة هذا الأمر إلا من عاش في تلك الديار.
* ولئن كانت امرأة العزيز قد أخفت مغازلتها ليوسف عليه السلام عن زوجها، وباقي من في القصر، فإن المرأة في امريكا وباقي الدول الأوروبية تصرح بتلك الرغبة الآثمة لأبيها، بل تأتي بعشيقها وتعرفه بأبيها وباقي أسرتها، وكثيرًا من الأحيان، تتفق مع زوجها في بداية الزواج على هذا الأمر، بألا يتدخل هو في شأن علاقاتها الآثمة مع الرجال، وكذلك لا تتدخل هي بعلاقاته الآثمة مع باقي النساء، فلا حاجة لإخفاء هذه العلاقات في مجتمع متحضر!!
* ولئن كانت امرأة العزيز قد كشفت عن مفاتنها في مكان مغلق بعيدا عن أعين الناس؛ فامرأة العزيز في أمريكا وباقي الدول الأوروبية تكشف عن مفاتنها كلها إلا ورقة التوت، وأحيانا تكشف عن كل شيء، أمام الناس جميعًا في وضح النهار دون الحاجة أن تغلق الأبواب، أو أن تتستر خلف السواتر.
* ولئن كانت امرأة العزيز، قد تهيأت ووضعت المساحيق والزينة، والعطور، في وقت محدد، وفي مكان محدد، بعد أن غلقت الأبواب، واطمأنت ألا يراها أحد، وهي متهيئة لفعل الفاحشة، ومتزينة بالزينة التي تغري الرجل بها حالة التقاء الرجل بالمرأة؛ فهي في أمريكا متهيئة دائما في كل وقت وفي كل مكان قد نفشت شعرها الذهبي، أو رجلته حتى انساب على كتفيها، كما ينساب الماء من علو ووضعت من المساحيق ما يبرز خديها ويحمرها، وما يحدد عينيها بالكحل، ووضعت الألوان تحت حاجبيها بما يناسب لون الفستان أو القميص عالجت أهدابها حتى وكأنها تقول للشاب أقبل، ووضعت من العطور ما يشنف الأنوف عن بعد أمتار منها، ومشت مشية مملوءة بالإغراء.
نساء العزيز في أمريكا لا يغلقن الأبواب لأن المجتمع هناك بلا أبواب
ولكن دعت امرأة العزيز محبوبها في غرفة مغلقة الأبواب لفعل الفاحشة معها، فإن المرأة في أمريكا تعجب بالفتى وتدعوه لفعل المنكر أمام العامة، دون خجل، بل أحيانا يقومان بفعل الفاحشة أمام الناس حيث لا يتعجب أو ينكر أحد في هذا المجتمع على مثل هذا التصرف، بعد أن نزلوا جميعا إلى مرتبة الحيوان. فلا توجد أبواب في ذلك المجتمع تحتاج إلى إغلاق.
الشباب بين الثبات والسقوط
ولئن كثرت صورة امرأة العزيز في تلك الديار، فما أقل ما ترى صورة يوسف عليه السلام؛ فالموجود هناك هو امرأة العزيز، ولكن الذي يكاد أن يكون مفقودًا هو يوسف، فما أسرع ما يفتن الشباب هناك، وما أسرع ما يتساقط من كان ثابتًا في بلده، وما أسرع ما يذوب الغلمان أمام امرأة العزيز، ولكن يوجد هناك من يكرر صورة يوسف عليه السلام بالرغم من جميع هذه الإغراءات الصارخة لفعل الفاحشة.
* وهناك من يقول معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون.
* وهناك من يتذكر رقابة الله عليه، ويتذكر خسارته في الدنيا والآخرة، إذا ما استسلم لإغراءات نساء العزيز والتي لا تكون مرة واحدة في حياة المغترب هناك، بل تتكرر في اليوم الواحد أكثر من مرة.
* وهناك من يثبت ثبات الجبال الرواسي، ويهرب كهرب يوسف عليه السلام من الفتنة، ويكرر هذا الهرب بثبات ويأبى من أن يمرغ جسده الطاهر بهذه القذارة النتنة.
* وهناك من يكون أكبر من الفتنة، وأرجل من أن يتساقط أمام نساء العزيز الساقطات، ويكون لهن عبدًا، كما يفعل أقرانه في تلك المجتمعات، بل إنه يغض البصر، ويتعالى عليهن، فيجرين وراءه ابتغاء فتته، ولكنه يحتقرهن، ولا يلقى لهن بالا، ويستمر في الاتجاه إلى الأبواب التي تخرجه من الفتنة كما فعل قدوته يوسف عليه السلام، وهو يردد في نفسه كما صرح يوسف من قبل «رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه»، كما أنه يستغيث بربه بأن يقويه على الثبات فيقول «وإلا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين»، ولكن جميع هؤلاء الثابتين قليل بمقارنتهم بمن سقط في حبائل نساء العزيز في تلك الديار.
أسباب السقوط والثبات:
فسقوط أولئك الشباب المغترب أمام فتنة نساء العزيز بسبب عدم أخذهم بأسباب الثبات، وثبت أولئك الشباب بسبب أخذهم بتلك الأسباب، والتي منها مراقبة الله الدائمة، والشعور بالحساب في الآخرة وتسجيل الملكين لما يقومان أو يتفوهان به والالتصاق ببيوت الله هناك، والحرص على الصحبة الصالحة وقراءة القرآن، وغض البصر عن كل ما يذكر بنساء العزيز من صحف أو تلفزيون أو غيره من الأمور، والاستغاثة الدائمة بمولاهم أن يصرف عنهم كيد نساء العزيز، وأن يثبتهم أمام شلال الإغراء الذي لا ينقطع، والاستعانة على ذلك بالقيام ببعض النوافل التي تكون زادًا قويًّا في تلك الصحاري الخالية من أسباب الحياة.
تلك هي صورة نساء العزيز في أمريكا وباقي الدول الأوروبية، وهذه هي صورة المقتدين بيوسف عليه السلام، والمكررين لموقفه مع امرأة العزيز.
------------------------------------------------
1- رواه أحمد وصححه الألباني (صحيح الجامع الصغير 5473).
2- الظلال 4/1980.
3- الظلال 4/1985.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل