; نستلهم الإجابة من غزوة بدر الكبرى.. ســـرنا الدفـــين | مجلة المجتمع

العنوان نستلهم الإجابة من غزوة بدر الكبرى.. ســـرنا الدفـــين

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر السبت 20-فبراير-2010

مشاهدات 80

نشر في العدد 1890

نشر في الصفحة 54

السبت 20-فبراير-2010

  • نفتقد الرسالة التربوية المحورية والقدوة التي تلتف حولها مشاعر الجماهير والهدف العام الذي يوحد الأمة صغارًا وكبارًا ونساء ورجلاً
  • أصبحنا نعيش مرحلة من الوهن الحضاري والضعف الثقافي والتردي الأخلاقي حتى تآكلت القوة الداعمة لأمتنا وضاعت هيبتها بين الأمم
  • من المؤسف أن نتباكى على افتقاد قيادة أو رمز ونتغنى ليل نهار على استدعاء صلاح الدين ولكننا نتعامى عن دورنا ونهرب من واجبنا الفردي

لقد أصبحنا نعيش في مرحلة من الوهن الحضاري، والضعف الثقافي، والتردي الأخلاقي؛ حتى تآكلت القوة الناعمة ألمتنا، وبالتالي ضاعت هيبتها بني الأمم.

وإن من أبرز مظاهر هذا التآكل والانحطاط الشامل؛ وهو ما نفتقده الآن؛ إنه ذلك الركن الرئيس في بناء الأمم، والمحرك الفاعل للنهضة؛ إنه غيبة القدوة، وغيبة الرمز، أو على الأقل غيبة القضية القومية الواحدة التي تجمع كل فئات المجتمع، وتوجه الفاعليات نحوها.

لكي نكتشف أن هذا هو السبب اخلفي أوجاعنا وآلامنا علينا أن نقرأ ونفهم هذا الحديث الشريف: عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: «بينما أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟، قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟، قال: أُخبِرْت أنه يسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده، حتى يموت الأعجل منا . قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟، فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال ـ صلى الله عليه وسلم: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح . والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء» رواه مسلم، 3296.

إنها صفحة رائعة من ملفات أحداث غزوة الفرقان؛ غزوة بدر الكبرى، التي نقف معها عدة وقفات طيبة تجيبنا عن أسئلتنا الحائرة؛ والتي منها:

1 - الغريب هو أن يكون هدف الغلمان واحدا وكأنهما يحملان نفس الفكرة والتوجه والغاية؛ وهي قتل فرعون الأمة؛ وذلك على الرغم من اختلاف بيتيهما.

وكأن البيوت كانت تربي أبناءها  وأفرادها؛ ويشغلها هم ٍ واحد راق؛ وتوجهها غاية سامية واحدة.

2 - والغريب أيضاً أن تكون طريقة بحث الغلامين عن الضحية الفرعونية؛ طريقة سرية واحدة.

3 - بتأملنا لقول الغلامين: أخِبرت أنه يسب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: وسواء أخبرا عن طريق السماع من خلال ما يدور داخل َّقيانه من الوالدين خاصة الأم؛ بيتهما، وما يتَل أم سمعا من المحيط الخارجي؛ عن طريق الأقران، أو من حديث الشارع؛ فإن الرسالة التربوية الخطيرة من هذا الملمح تخبرنا أن امل ُ ناخ السائد داخل البيوت وجّل اهتمام الآلة العالمية، ومحور مناقشات منتديات الناس، بل والحالة العامة للمجتمع وتعبئة الأمة؛ هو الانشغال باهتمامات راقية؛ تتمحور حول القيادة المؤمنة والممثلة في الحبيب صلى الله عليه وسلم ؛ والاهتمام بما يحب وما يكره، وحول حب من يتبعه وُبغض بل والانتقام ممن يكرهه، أو يسبه.

لذا كانت الثمرة المباركة هي حب التضحية في سبيل الله ونصرة الحبيب صلى الله عليه وسلم.

4 - والمحصلة النهائية والرسالة التربوية المحورية؛ هي أهمية وجود القضية القومية التي تشعل حماس الجماهير، أو أهمية وجود الرمز والقدوة التي تلتف حوله مشاعر الجماهير، أو الهدف القومي العام، ونساء وكبارا الذي يوحد كل الأمة صغارا للتضحية، والعيش للغايات النبيلة؛ ورجالا وعشق الموتة الشريفة؛ في سبيل هذه الغاية السامية.

الحصاد المر 

وكان الحصاد المر؛ هو أننا أصبحنا ننام ونصحو، ونواجه ليل نهار نوعيات من الرموز الهشة، والقدوات الفاسدة، والقيادات البالية، المحنطة والتي لا تحتاج سوى لمتاحف أو قبور؛ ألنها ماتت بالسكتة الدماغية، ويحاولون إطالة ما انتهى من عمرها الافتراضي، بالبقاء في غرف الإنعاش؛ بأجهزة صناعية ومستوردة، وأحاطونا بمنظومة متكاملة من الفساد والإفساد الممنهج والمخطط والمدروس في كل المجالات، وإذا عجبت؛ فقم بزيارة لأقرب مدرسة، أو مصنع، أو مستشفى، أو... حتى الشارع، حتى الهواء، حتى البحر.

التشخيص.. والتفسير 

لقد أصابتنا تلك السنة الإلهية الاجتماعية؛ التي تربط بني السبب والمسبب، أو بين المقدمات والنتائج والحصاد؛ أي تربط بين أفعال ومواقف البشر، وما يواجهونه من أحوال وحصاد فاسد شامل ومتكامل يحيط بهم.

فلقد ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41).

 وتدبر هذه المعادلة: ذنوب وتقاعسات فردية = فساد مجتمعي وحضاري.

وتأمل هذه اللمحات القرآنية المغلفة بالرحمة:

1- ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ (الروم: 41): إذن فهناك عقاب إلهي حسب سير السنة الإلهية؛ ولكنه عقاب مخفف، وبه لطف رباني.

2- ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: 41): إذن فهو إنذار دنيوي، وباب الرحمة مفتوح للتوبة والعودة قبل أن نواجه المصير الأخروي الأصعب.

3 -إذن فالسبب بيدنا، واحلل كذلك بيدنا.

قواعد الحل الصعب 

وعلينا قبل أن نتباكى على أحوالنا وعلى حظنا التعيس في رموزنا؛ علينا أن نطالب أنفسنا بالحل؛ الذي ينبع من داخلنا كأفراد قبل أن نطالب به غيرنا.

وعلينا أن نضع هذه القواعد في أذهاننا ونحن نتعامل مع الأحداث والأشخاص حولنا؛ وبأيدينا وبمبادرتنا حتى نجد لنا مخرجا:

1 -الركائز أو الدعائم الأربع المعروفة لنهوض أية أمة؛ هي:

1- المنهج.

2- القيادة.

3- الطليعة الرائدة، التي تقود حركة التغيير.

4- القاعدة الشعبية، التي تعبر عن الرأي العام المناصر للفكرة، والمؤيد للطليعة المتنفذة.

فإذا كان المنهج الخالد بين أيدينا؛ وهو محفوظ من قبل رب العالمين: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)

وإذا كانت القيادة هي عملية انبثاق وإفراز من الطليعة المتنفذة.

وكذلك، فإن الطليعة المؤمنة هي عملية انتقاء، وانتخاب طبيعي من القاعدة الجماهيرية، إذن فالأصل والأساس هو ضرورة وجود القاعدة الشعبية، ومرتكز العمل الإصلاحي التغييري يبدأ من الاهتمام بوجود تلك القاعدة، فالبداية الصحيحة تكون من قاعدة الهرم، وليس من قمته.

2 -الفرد هو مفتاح التغيير المجتمعي والحضاري: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)

هكذا يعلمنا الحق سبحانه؛ أن التغيير يبدأ من داخلنا، وهكذا يلقي علينا التبعة الفردية؛ فمسؤولية التغيير تقع على كاهلناً، وهكذا يلقي على الفرد المسؤولية ذاتيا في إحداث تغيير المجتمعات العظيمة؛ لهذا فإن التغيير الحضاري؛ مفتاحه التغيير النفسي.

3 -على قدر جهدك؛ يكون حصادك: فالله عز وجل بينّ لنا أن أمورك ستتغير، وأحوالك ستنصلح؛ فقط على حسب جهدك ورغبتك في التصحيح ومن النقطة التي بدأت منها: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت:69).

المتباكون على رموزهم 

للأسف كلنا نتباكى على افتقاد قيادة أو رمز مثل أردوغان، ونتغنى ليل نهار على استدعاء »صلاح الدين«، ولكننا نتعامى عن دورنا، ونهرب من واجبنا الفردي، حتى ً جمي ً لا مثل أحمد مطر؛ أغظنا شاعرا من خطر هؤلاء المتباكين صرخ فينا خوفا أو ورثة إبليس:

وجوهُكْم ٌ أقنعة ُبالغة المرونه

طلاؤها حصافة.. وقعرها رعونة

صفق  إبليس لها مندهشا وباعُكْم فنونه

وقال: إني راحل َ .. ما عاد ٌ لي دور هنا..

دوري أنا ستلعبون

هو غاية الخشيون

أن تندبوا: قم يا صالح الدين قم.. 

من حوله العفون

حتى اشتكى مرقُده

توقظون

كم مرة في العام

 كم مرة ُ على جدار الجبن تجلدون

دعوا صالح ِ الدين ِ في ترابِه.. 

واحترموا سكون.. 

لأنه َ لو قام حقا ًبينكْم

فسوف تقتلونه

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

156

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الشباب المتهم!!

نشر في العدد 67

151

الثلاثاء 06-يوليو-1971

هذا مَا نريده يا وزارة الإعلام

نشر في العدد 500

196

الثلاثاء 07-أكتوبر-1980

طرق في التربية