العنوان نصيحة إلى الرئيس بشار
الكاتب مصطفى عبدالله
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-2000
مشاهدات 134
نشر في العدد 1410
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 25-يوليو-2000
يقول الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: ٥٥)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة».
ومن قبيل العمل مع الواقع أكتب هذه الرسالة عسى أن يكون لها صدى..
أيها الرئيس...
أولًا: إني أدعو الله أن يقيك شر أربعة أصناف من البشر، فهم سبب في سوء العلاقة بين الحاكم والمحكوم:
1 - بطانة السوء: قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه» «سنن أبي داود - الخراج والإمارة والفيء».
ب - ناقل الأخبار على وجه الإفساد: وهو أشد خطرًا من بطانة السوء فهم ينقلون الأخبار على غير حقيقتها وينفثون سمومهم ويقلبون الحقائق، وقد ذكر الإمام ابن حزم مضار النميمة على الدولة، وأنه بسببها قامت حروب وسفكت دماء، وهتكت أعراض.
يقول محمد حسنين هيكل: «إن أجهزة المخابرات إذا تركت بغير رقابة كافية تكتسب في نموها صبغة سرطانية مدمرة»، هذا الجهاز المخابراتي الذي كان ولا يزال يملك صلاحيات لا حصر لها وإمكانات غير محدودة بعيدًا عن النقد وعن المراقبة كان سبب فساد العلاقة بين الحاكم والمحكوم في كثير من دولنا العربية، وهذا لا يعني أنهم جميعًا سيئون ولا يعني أيضًا أن الدولة ليست بحاجة إلى تلك الأجهزة، وإنما يجب أن تخضع للرقابة.
ج - ذو الوجهين: فالأفضل للحاكم أن يسمع نقد الخصم المخالف من أن يسمع نصح المخادع الماكر، وقديمًا قيل «صديقك من نهاك، وعدوك من أغراك»، وعن محمد بن يزيد أن ناسًا قالوا لجده عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- إنا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم بخلاف ما نتكلم به إذا خرجنا من عندهم، قال عبد الله بن عمر، كنا نعد هذا نفاقًا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
د - من يبايع الحاكم طمعًا في الدنيا فذاك الذي يبايع الحاكم من أجل حطام الدنيا، إن لم يعطه منها شيئًا انقلب عليه انقلاب الحية الرقطاء وراح يشوه سمعته في كل مكان ومجلس ولشدة خطورة هؤلاء يقول -صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم... وذكر منهم رجلًا بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنياه، فإن أعطاه منها وفي له، وإلا لم يف له» «صحيح البخاري – الأحكام».
وقال الإمام الخطابي: «الأصل في المبايعة للإمام أن يبايع على أن يعمل بالحق ويقيم الحدود، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فمن جعل مبايعته لما يعطاه دون ملاحظة المقصود فقد دخل بالوعيد»، وقال مكحول الدمشقي: «من تعلم صحب السلطان العلم والقرآن وتفقه في الدين ثم تعلقًا إليه وطمعًا فيما لديه خاض في بحر من نار جهنم بعدد خطاه».
ثانيًا: أيها الرئيس أسأل الله أن يتصف حكمك بأربع:
۱ - الاستيثاق: فالقاضي ينشد معرفة الحقيقة ولا يصدر حكمه إلا بعد السماع من الطرفين، فإذا كان القاضي العادي لا يقضي بمعرفته وبدليله الذي يملكه ولا بالتقارير ولا محاضر رجال الشرطة، ولا حتى ما جاء في تحقيق قاضي التحقيق، بل يباشر ذلك بنفسه في محكمة علنية بعد أن يمكن المتهم من كل حقوق الدفاع عن النفس، فكيف بالقضايا السياسية التي تهم شريحة كبيرة من المجتمع، وقديمًا قالوا: «من استقصى وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ».
والله تبارك وتعالى عاتب داود –عليه السلام- عندما سمع من هذا ولم يسمع من ذاك: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص: ٢٦)، وعندما نقل الهدهد إلى سليمان خبر بلقيس قائلًا: ﴿وجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ (النمل: ٢٢)، لم يكتف سليمان -عليه السلام- بالخبر رغم تأكد الهدهد أنه يقين: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (النمل: ٢٧).
٢- البعد عن الظلم: وكم من المظلومين في هذا الزمان الذين اغتصب حقهم بالحديد والنار والقمع بدءًا من الفرد وانتهاء بالأحزاب السياسية، وكلي أمل أن تنصف المظلوم من الظالم بالحق والعدل دون حقد أو رغبة انتقام ويقول ابن خلدون: «الظلم مؤذن بخراب العمران».
٣- العدل: فالإمام العادل في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، ورضي الله عن عمر بن الخطاب المعروف بعدله حيث يقول: لو عثرت شاة على شاطئ الفرات لظننت أن الله سائلني عليها. وقال الإمام علي رضي الله عنه: استعمل العدل واحذر العسف والحيف، فإن العسف يعود بالجلاء والحيف يدعو إلى السيف، وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بعاصٍ ولكن الإمام الظالم هو العاصي..
٤- صون الحرية: فالعقيدة والحرية أثمن على المرء من وطنه، فالوطن ليس مجرد قطعة أرض تدوسها الأقدام ألم يهاجر معظم الرسل من أوطانهم لما منعوا من حرية الدعوة والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... ألم يهاجر محمد صلى الله عليه وسلم من مكة وهي أحب البلاد إليه ألم يقل أبو حيان التوحيدي أغرب الغرباء من صار غريبًا في وطنه من إذا ذكر الحق هجر، وإذا دعا إلى الحق زجر ألم يقل الشيخ محمد عبده «لا وطن إلا مع الحرية بل هما سيان»، وقال أيضًا: «الوطن عند أهل السياسة مكانك الذي تنسب إليه ويحفظ حقك فيه..... وقال لابروير: «لا وطن مع الظلم... فالفائدة أن يكون وطني عظيمًا كبيرًا إن كنت فيه حزينًا حقيرًا أعيش الذل والشقاء خائفًا أسيرًا»، وهذا فولتير يقول: «كل كائن يجب أن يكون حرًا في اختيار وطنه، ووطنه حيث توجد الحرية»، ويقول هانوتو: «.. إن الإسلام دين وسياسة.. فالوطن عندهم هو الإسلام».
ثالثًا: السيد الرئيس: معروف تاريخيًا أن الثورات الفاشلة كانت مقدمة للثورات الناجحة، فهذه أمريكا التي وصف ثوارها يومًا بالمتمردين انتصروا عام ١٧٧٦م، وثورة فرنسا سبقتها ثورات ألم تقم مظاهرة عام ١٩٦٣م بقيادة أحد أولاد آية الله الخميني؟ فأبيد منها حوالي ١٥ ألفًا على رأسهم ابن الخميني، ألم تكن المظاهرة التي كانت تهتف بحياة شاوشيسكو هي نفسها التي انقلبت عليه «فتعبئة الجماهير وتحريك كتلها يعتمد بالدرجة الأولى على استثارة عواطفها وتلك مغامرة لأن العواطف المستثارة بالتعبئة تتحرك قبل أن تفكر وتنطلق قبل أن تدقق».
وأنقل لك ما جاء بالأثر: «إن قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة فأظهرهم الله عليهم، فعمد أهل الضعف المنتصرون إلى عدوهم المهزوم فاستعملوهم فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة»، هذا إذا كانوا مظلومين فكيف إذا كانوا ظالمين بالأصل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل