; نظرات إسلامية.. وأقبلت الشعوب على المشروع الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان نظرات إسلامية.. وأقبلت الشعوب على المشروع الإسلامي

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر الجمعة 20-يناير-2012

مشاهدات 55

نشر في العدد 1985

نشر في الصفحة 49

الجمعة 20-يناير-2012

قبل أيام صرح الرئيس التونسي الجديد «المنصف المرزوقي» أن «الشعوب العربية أدركت أن الإسلام يمكنه أن يقدم حلولاً لمشكلات العصر ومن ثم جاء الإسلاميون للسلطة»، وهذه قراءة سليمة لمفكر ورئيس دولة معروف بتوجهاته اليسارية؛ لأن الشعوب العربية جربت الحكم تحت مختلف الأنظمة الوضعية الفاسدة وقاست في ظلها الويل والعنت وانتهاك الكرامة الإنسانية، ومن الطبيعي أن تلفظ الشعوب هذه المشاريع وتتجه صوب المشروع الإسلامي طالما أتيحت الفرصة للاختيار الحر النزيه.

 ويعنيني في هذا المقام أن ألقي نظرة على قضية التوازن بين الدين والدنيا، تلك الخصيصة التي انفرد بها الإسلام، وجعلت كثيرا من الناس الذين فهموا الإسلام فهما صحيحا، يتخذونه شرعة ومنهاجا في حياتهم، وهذا عكس ما ذهبت إليه الفلسفات والنظريات البشرية، فقد وجدت في التاريخ جماعات، ووجد أفراد ، كل همهم إشباع الجانب المادي في الإنسان، وعمارة الجانب المادي في الحياة.. دون التفات إلى الجوانب الأخرى ولسان حالهم يقول: ﴿ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)﴾ (الأنعام: الآية 29 ).

وهذه النزعة المغالية في المادية وفي قيمة الدنيا جديرة بأن تولد الترف والطغيان والتكالب على متاع الحياة، والغرور والاستكبار عند النعمة، واليأس والقنوط عند الشدة، ومن ثم الاختلال في المواقف والتصرفات.

وفي الطرف المقابل لهذه النزعة وأصحابها وجد آخرون من الأفراد والجماعات نظروا إلى الدنيا نظرة احتقار وعداوة، فحرموا على أنفسهم طيبات الحياة وزينتها، وعطلوا قواهم من عمارتها، والإسهام في تنميتها واكتشاف ما أودع الله فيها.

عرف ذلك في برهمية الهند ، ومانوية فارس وبدا ذلك بوضوح وجلاء في نظام الرهبانية الذي ابتدعه النصارى، فعزلوا جماهير غفيرة عن الحياة، والتمتع بها، والإنتاج فيها.

هذا الاستقطاب أدى إلى شيوع مفهوم غير صحيح عن الدين والتدين، مؤداه أن المتدين الحق هو الذي يتبطل فلا يعمل، ويتقشف فلا يتمتع، ويتبتل فلا يتزوج، ويتعبد فلا يفتر... ليله قائم، ونهاره صائم.. يده من الدنيا صفر وحظه من الحياة خبز الشعير، ولبس المرقع واتخاذ الفلوات سكنًا.

وكان اليهود الذين تفرقوا في الأرض يقوم تفكيرهم وسلوكهم على الأنانية، قال تعالى: ﴿ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)﴾ (النساء :الآية 161).

ثم جاءت المسيحية تهتم بنجاة الفرد قبل كل شيء، تاركة شأن المجتمع القيصر، أو على الأقل، هذا ما يفهم من ظاهر ما يحكيه الإنجيل عن المسيح عليه السلام، حين قال: أعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله ! وإذا طوينا كتاب التاريخ وتأملنا صفحات الواقع فماذا نرى؟!

في عالم اليوم نشهد صراعًا حادًا بين فلسفات البشر، فالرأسمالية تقوم على تقديس الفردية، واعتبار الفرد هو المحور الأساسي، فهي تدلله بإعطاء حرية التملك، وحرية القول وحرية التصرف، وحرية التمتع.. ولو أدت هذه الحريات إلى إضرار نفسه، وإضرار غيره، ما دام يستخدم حريته الشخصية، ومن ثم فهو يتملك المال بالاحتكار والحيل والربا، وينفقه في اللهو والخمر والفجور، ويمسكه عن الفقراء والمساكين والمعوزين، ولا سلطان لأحد عليه لأنه «حر».

والمذاهب الاشتراكية - وبخاصة المتطرفة منها كالماركسية - تقوم على الحط من قيمة الفرد والتقليل من حريته، والإكثار من واجباته واعتبار المجتمع هو الغاية، وهو الأصل.. وما الأفراد إلا أجزاء أو تروس صغيرة في تلك الآلة الجبارة، التي هي المجتمع، والمجتمع في الحقيقة هو الدولة، والدولة في الحقيقة هي الحزب الحاكم، وإن شئت قلت: هي اللجنة العليا للحزب وربما كانت هي زعيم الحزب «الدكتاتور».

 بين هاتين النزعتين التفريط والإفراط قام الإسلام، يدعو إلى التوازن والاعتدال فصحح مفهوم الناس عن حقيقة الإنسان، وعن حقيقة الحياة، وبين أن الحياة ليست سجنا عوقب الإنسان به، ولا حملاً فرض عليه حمله... إنما هي نعمة يجب أن تشكر، ورسالة يجب أن تؤدى، ومزرعة لحياة أخرى هي خير وأبقى يجب ألا يشغل الإنسان عنها، ولا يحيف عليها.

والقرآن الكريم يدعو إلى العمل في الحياة والضرب في الأرض، والسعي في مناكبها والاستمتاع بطيباتها، بجوار الحث على الاستعداد للآخرة، والتزود ليوم الحساب، وذلك بالإيمان والعبادة وحسن الصلة بالله، ودوام ذكره الذي تطمئن به القلوب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَحْرَمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وكُلُوا مِّمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّبًا واتَّقُوا الّْله الْذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)﴾ (المائدة: الآية 88 ).

﴿وابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نصيبك من الدُّنْيَا وَأَحْسَن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْع الفَسَادَ في الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) ﴾ (القصص: الآية 77).

وقد جاء الدين الإسلامي من عند الله تعالى ليقيم التوازن في الحياة، والقسط بين الناس ويتناوله بصورة متزنة رائعة، تتوازن فيها مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، وتتكافأ فيها الحقوق والواجبات، وتتوزع فيها المغانم والتبعات بالقسطاس المستقيم، كما قرر القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَاب وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ (الحديد: الآية ٢٥).

هكذا تخبطت الفلسفات والمذاهب من قديم، وتطرفت إلى أقصى اليمين أو اليسار وبينهم وقف الإسلام دينًا قيمًا معتدلاً وسطيًا يراعي التوازن في كل شيء، ومن هنا أقبل عليه الناس حينما هزمت الآلة القمعية وترك لهم حرية الاختيار.ِ

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

139

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6