العنوان نقض لوقفات مع كتاب الغزالي
الكاتب ثابت عبدالحليم الخواجا
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1990
مشاهدات 74
نشر في العدد 960
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 27-مارس-1990
· الخطورة تجيء من أنصاف المتعلمين
وأنصاف المتدينين.
· الغزالي: هدفي منع التناقض بين القرآن
والآثار الواردة.
قرأت الكثير من
مقابلات ونقد وسمعت جدالًا بخصوص كتاب الشيخ الغزالي «السنة النبوية بين أهل الفقه
وأهل الحديث» مما حفَّزني إلى الحصول على الكتاب بأي ثمن وقراءته والحكم له أو
عليه قبل أن أضل وراء هذا أو ذاك، وحصلت على الكتاب وقرأته خلال وقت قصير، ثم
قرأته ثانية وثالثة كي أتمحص الأفكار جيدًا. والكتاب مصاغ بأسلوب أدبي بسيط،
استطاع الشيخ أن يوصل ما يريد حتى لأقل الناس ثقافة وعلمًا بالسنة والفقه والحديث،
وكتاب الشيخ يتكلم عن الواقع الحالي والماضي وهو موافق لما يتردد في نفس الكثير من
جيل هذه الصحوة من أفكار ومعتقدات وأحكام شرعية وسنن يراد إحياؤها على حساب
الفرائض والواجبات، وفيه يجد السائل جوابًا لما يريد وبأسلوب بسيط مقنع ولهذا أعزو
طباعته خلال سنة ست طبعات.
وقد أردت أن
أقوم بالرد على نموذج واحد من منتقدي الشيخ الغزالي وعليه يمكن القياس، وهذا
النموذج هو مقال الشيخ الطحان «رئيس قسم التفسير والحديث في كلية الشريعة بجامعة
الكويت» في مجلة المجتمع عدد (949) وعرَّجت على موضوع «حديث الآحاد وعدم الأخذ به
في العقيدة» وأسأل الله سبحانه وتعالى الصواب والهداية وإليكم بعض هذه الملاحظات:
اختلاط
الأولويات
1- الملاحظة
الأولى: يدعي الشيخ الطحان أن الشيخ الغزالي يقول «فغايتي تنقية السنة مما قد
يشوبها!؟ وغايتي كذلك حماية الثقافة الإسلامية من ناس قيل فيهم: إنهم يطلبون العلم
يوم السبت، ويدرسونه يوم الأحد ويعملون أساتذة له يوم الاثنين، أما يوم الثلاثاء
فيطاولون الأئمة الكبار ويقولون نحن رجال وهم رجال» وأجزم والله وبعد قراءتي
للكتاب مرات وبعد التدقيق في الفكرة أنه ما أراد الغزالي غير ذلك حيث يقول في ص 8
«والخطورة تجيء من أنصاف المتعلمين أو أنصاف متدينين يعلو الآن نقيقهم في الليل
المخيم على العالم الإسلامي ويعتمد أعداء الإسلام على ضحالة فكرهم في إخماد صحوة
جديدة لديننا المكافح المثخن بالجراح...
إن الحضارة التي
تحكم العالم مشحونة بالخطايا والأخطاء بيد أنها ستبقى حاكمة ما دام لا يوجد بديل
أفضل! هل البديل الأفضل جلباب قصير ولحية كثة؟ أم عقل أذكى، وقلب أنقى، وخلق أزكى،
وفطرة أسلم، وسيرة أحكم!
لقد نجح بعض
الفتيان في قلب شجرة التعاليم الإسلامية، فجعلوا الفروع الخفية جذوعًا أو جذورًا،
وجعلوا الأصول المهمة أوراقًا تتساقط مع الرياح».
أليس حال
علمائنا ودعاتنا اليوم هذا، ومن ينكر ذلك فلا بد أنه تائه ضال، أو منافق، أو جاهل،
بل لقد وصل الحد إلى أكثر من ذلك إلى أن يقول أحد العلماء المشايخ «علماء اليوم»
ومن على شاشة التلفاز، إن من أكبر الكبائر «الإشراك بالله وحلق اللحية..»!!
أين هو الفكر
الذي يحمله هذا الشيخ العالم المدرس في كليات الدين والذي يقرن حلق اللحية بالشرك
بالله، ألا ينطبق عليه قول الشيخ الغزالي «إنهم أناس يطلبون من العلم يوم السبت،..
إلخ» وهذا غيض من فيض وجزى الله الشيخ الطنطاوي خيرًا عندما رد عليه بعنف وبين له
زيف وبطلان قوله.
قضية
تولية المرأة
2- الملاحظة
الثانية: يدعي الطحان أن الغزالي تأثر بالغرب وبأنظمة حكمه، وقد سبب هذا التأثر في
رد أو تأويل بعض الأحاديث الصحيحة إذا تعارضت مع الواقع التاريخي لا سيما الغربي،
منه فقد رد الشيخ حديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» الذي رواه البخاري في صحيحه
لمعارضته للواقع التاريخي في أوروبا.
أين هي الأمانة
يا عالمنا الجليل، أين التقوى في النقل، أين الأمانة العلمية التي تتطلب منك نقض
الفكرة كلية وليس فقرة توهم من خلالها القارئ أنها الفكرة المرادة، فما بالك
بالأمانة الدينية والشرعية.
فالشيخ الغزالي
يقول ص 58 قبل فقرتك المذكورة «ومرة أخرى أؤكد أنني لست من هواة تولية النساء
المناصب الضخمة، فإن الكاملة من النساء قلائل، وتكاد المصادفات هي التي تكشفهن وكل
ما أبغي هو تفسير حديث ورد في الكتب ومنع التناقض بين الكتاب وبعض الآثار الواردة
أو التي تفهم على غير وجهها! ثم منع التناقض بين الحديث والواقع التاريخي» فالشيخ
الغزالي لم يرد الحديث لمعارضته للواقع التاريخي أو لغيره بل قام بتفسير الحديث
وذكر مناسبة قوله، تفسيرًا يتلاءم والمناسبة والواقع التاريخي لمنع التناقض بين
الكتاب والسنة التي تفهم على غير وجهها أولًا وأخيرًا.
فالشيخ الغزالي
يقول ص 55 «ولعل ذلك سر قول ابن حزم، إن الإسلام لم يحظر على امرأة تولي منصب ما،
حاشا الخلافة العظمى» ويقول أيضًا ص 56 «وعندما ولى عمر قضاء الحسبة في سوق
المدينة للشفاء «امرأة اسمها الشفاء» كانت حقوقها مطلقة على أهل السوق رجالًا
ونساء تحل الحلال وتحرم الحرام، وتقيم العدالة وتمنع المخالفات!!
أم أن عمر رضي
الله عنه لم يفهم الإسلام ولم يفهم حديث الرسول.. أم أنه لم يجد من الرجال من هو
أكفأ من الشفاء.. أم ماذا يا شيخ طحان..؟! وما رأيك في هذا الدليل.
ويقول الشيخ
الغزالي أيضًا: ص 56 «لسنا من عشاق جعل النساء رئيسات للدول أو للحكومات! إننا
نعشق شيئًا واحدًا، أن يرأس الدولة أو الحكومة أكفأ إنسان في الأمة» فأين الخطأ
والحرام في هذا الكلام يا شيخ؟ فالمرأة التقية الورعة خير من أصحاب الشوارب ذوي
الاتجاهات العلمانية والإلحادية وخاصة في عصرنا هذا، ويقول الشيخ الغزالي عن حديث
«ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» بأنه صحيح سندًا ومتنًا ولكنه سعى لمنع التناقض
بينه وبين القرآن الكريم، لقد بيَّن سبب قول الرسول لهذا الحديث، وكذلك ذكر قصة
بلقيس وقال ص 57 «إنها قادت قومها للإيمان والفلاح بحكمتها وذكائها، ويستحيل أن
يرسل حكمًا في حديث يناقض ما نزل عليه من وحي» أبعد هذا الحرص حرص يا شيخنا
المبجل؟!
لا يريد أن
يتصيد أعداء الإسلام هذه التناقضات ويدخلوا منها لضعاف الإيمان.. فهو يريد إحقاق
الحق وتوضيح الرؤيا.. وإزالة الغشاوة.. فالشيخ الغزالي يقول إن هؤلاء القوم أفلحوا
وقائدتهم امرأة من هذا الصنف النفيس!
فأيهما أشرف
وأحكم وأعقل الملكة بلقيس أم فرعون الملعون؟ الملكة بلقيس أم الرجل الذي دعته ثمود
لقتل الناقة ومراغمة نبيهم صالح؟ فالغزالي اجتهد وهو مأجور سواء أصح أم أخطأ..
وكلمة أخيرة أقولها «ما هكذا تورد يا شيخ طحان الإبل» فاتقِ الله.
الشيخ محمد
الغزالي
الأستاذ
الدكتور محمود الطحان
عمر
والغناء
3- الملاحظة
الثالثة: يقول الشيخ الغزالي ص 81 «وقد رأيت في هذه الأيام من يسمي نفسه أمير
جماعة والجهد الذي يتصبب له عرقًا وهو يقوم به، هو إشاعة النقاب بين النساء،
وإشاعة الجلباب بين الرجال، أو تحريم الذهب على النساء والرجال معًا، وترك شعر
اللحية ينمو فلا يأخذ منه شيئًا حتى لقاء ربه!!
أهذه غايات
تتكون لها جماعات؟ والغريب أن الأحاديث الواهية والخلافات الفرعية لها حظوظ
متناقضة أو طوالع سعد ونحس!! فلست أدري لماذا عاشت هذه؟ ولماذا ماتت تلك..؟»
ثم ينتقل إلى
موضوع الموسيقى بعد محاجة مع أحد علماء الخليج كما يقول ويأتيك بالدليل تلو الدليل
وبالحديث الضعيف تلو الضعيف وبالرأي المجهول تلو الآخر وبالراوي الذي روى عن عائشة
ولم يلقها.. إلخ في عدم تحريم الغناء الحسن، ولم يدْلِ برأيه بل جاء برأي العلماء
وقام بتضعيف الأحاديث استنادًا إلى علم أصول الحديث وإلى علم الجرح وجاء بوقائع
حدثت تعامى عنها الشيخ الطحان وإنما جاء برأس الذيل في الموضوع وقال إن الغزالي
يقول.. ويقول.. ولم يقل ما قاله حقًا ولم يقل خلاصة الرأي أو الحكم الصحيح.
فالغزالي يقول ص
85 «والحق أن الغناء كلام حسنه حسن.. وقبيحه قبيح! هناك أغان آثمة تلقى في ليال
ظالمة وإن كثرت فيها الأضواء، لا يسمع فيها إلا صراخ الغرائز أو فحيح الرغبات
الحرام.. وهناك أغان سليمة الأداء، شريفة المعنى فقد تكون عاطفية وقد تكون دينية
وقد تكون عسكرية، تتجاوب النفوس معها وتمضي مع ألحانها إلى أهداف عالية.. وأريد أن
أذكر رواية ذكرها في كتابه كدليل على ما يقول وهو أن قومًا أتوا عمر بن الخطاب رضي
الله عنه قائلين: إن لنا إمامًا إذا فرغ من صلاته تغنَّى!! فذهب إليه عمر وقال له:
بلغني عنك أمر ساءني! فقال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: أتتمجن في عبادتك؟ قال:
لا يا أمير المؤمنين، ولكنها عظة أعظ بها نفسي! فأمره عمر بقولها: فأنشد الرجل،
وردد عمر معه البيت الأخير.
نفسي لا كنت ولا
كان الهوى!
راقبي المولى
وخافي وارهبي!
ثم قال عمر: على
هذا فليغن من غنى..!
فكل غناء يبعث
على السمو والجد والاستقامة فهو غناء حسن، وما أحسب أحدًا يرى نفسه أتقى لله من
عمر! ومنه ما هو مستحب ومنه ما هو واجب وما هو مكروه وما هو حرام!! رحمك الله يا
شيخنا.. وكأني بك ضربت على وتر حساس يؤلم علماء اليوم «يعرفون العلم ولا يفقهونه»
فلو استعملت كلمة تواشيح إسلامية أو نشيد إسلامي أو عرس إسلامي بدل كلمة غناء لوصل
عدد طبعات كتابك العشرين، حيث إن كلمة غناء لها وقع سيئ على آذان مشايخنا وعلماء
هذا الزمان الغريب ولو استبدلتها بما ذكرت لرقصوا طربًا.
ثاروا عليك..
هاجموك.. لم يثوروا على الهضيبي عندما قال أنا أسمع أم كلثوم وأطرب لها.. ولا أعلم
ما السبب.. ولم أسمع من تفوه منهم بكلمة..
إن أبا حامد
الغزالي -اقتداء بالشافعي- يرى أن سماع الغناء منه ما هو مباح ومنه ما هو مستحب -
وما هو واجب وما هو مكروه وما هو حرام!! ومن أراد أن يفتي ويرد على من هو أعلم منه
فليبحث وليجد في الموضوع وبعدها ليجلس إلى من هم أنقى فكرًا وأتقى قلبًا وليبحث
فيما تنهض به هذه الأمة.. فعلى هذا يثاب.. وعلى ذلك يُبغض من الرب والعباد.
العقائد
وحديث الآحاد
4- الملاحظة
الرابعة: وجوب عدم الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة لقد قامت قيامة العلماء ولم تقعد
عندما تبنى الشيخ الغزالي فكرة عدم الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة حيث يقول في
كتابه ص 74 «إن حديث الآحاد يفيد الظن العلمي وإنه دليل على الحكم الشرعي ما لم
يكن هناك دليل أقوى منه، والدليل الأقوى قد يؤخذ من الكتاب ومن دلالات القرآن
الكريم القريبة والبعيدة أو من السنة المتواترة أو من عمل أهل المدينة.. والقول
بأن حديث الآحاد يفيد اليقين كما يفيد المتواتر ضرب من المجازفة المرفوضة عقلًا
ونقلًا..».
ويقول ص 75 «وفي
المذهب الحنفي يعرف الفرض بأنه ما ثبت بدليل قطعي أما الواجب -وهو دون الفرض- فما
ثبت بدليل ظني، ويعني ذلك أن حديث الآحاد لا يثبت به فرض كما أنه لا يقع به تحريم
بل يفيد الكراهة وحسب..»
ويقول أيضًا ص
75 «إن صاحب المنار يقول: إن من يجحد ما جاء في القرآن يحكم بكفره ومن يجحد غيره
ينظر في عذره! فما من إمام مجتهد إلا وقد قال أقوالًا مخالفة لبعض الأحاديث
الصحيحة لأسباب يعذر بها وتبعه الناس على ذلك» والأدلة على ذلك لا تحصى ومثال بسيط
-لمس المرأة والصلاة- فمنهم من تبنى حديث «لمسني رسول الله فتوضأ وقبلني فصلى»
ومنهم من رده وضعفه.. ولهذا أتباع وللآخر كذلك.. ولكل منهما عذره.
ويقول أيضًا ص
75 «إن العقائد والأركان لديننا تؤخذ مما نقل بالتواتر» ويقول ص 79 «إن الحديث
الصحيح له وزنه، والعمل به في فروع الشريعة له مساغ وقبول وتركه لأدلة أقوى منه
مقرر مأنوس بين فقهائنا، أما الزعم بأنه يفيد اليقين كالأخبار المتواترة فهي
مجازفة مرفوضة».
ويقول ص 80 «إن
العقائد أساسها اليقين الخالص الذي لا يحمل أثارة من شك وعلى أية حال فإن الإسلام
تقوم عقائده على المتواتر النقلي والثابت العقلي ولا عقيدة لدينا تقوم على خبر
واحد أو تخمين فكر..».
هذه مقتطفات مما
قاله الشيخ الغزالي في هذا الموضوع من كتابه فأين الخطأ والحرام في هذا الكلام..
وأجزم بأن هذا الشيخ ما أراد لعقيدتنا غير الصفاء والتنقية من الشوائب والرواسب،
وإلا فما هذه العقيدة التي تُبنى على أخبار ظنية وقد نهانا بل حرم علينا سبحانه
وتعالى اتباع الظن في العقائد، وإن عدم الأخذ بالظن في العقيدة فرض على المسلم بل
يأثم من يفعل ذلك ولنتدبر معًا هذه الآيات والتي وردت في العقيدة.
قال تعالى: ﴿إِن
يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام:116).
وقال تعالى:
﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام:148).
وقال تعالى:
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ
الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (يونس:36).
وقال تعالى:
﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ (النجم:23).
وقال تعالى:
﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ
شَيْئًا﴾ (النجم:28)
فهذه الآيات
كلها وردت في العقيدة، ولا مدلول لها غير ذلك، وقد ذم سبحانه وتعالى اتباع الظن في
العقائد، ولكن انبرى علماء هذا الزمان العجيب للتأكيد على مساواة حديث الآحاد
بالقرآن الكريم والسنة المتواترة، ووجوب الأخذ فيها في العقائد وكأني بهم لم
يسمعوا بالآيات المذكورة أو لم يفهموها، وإذا كانوا كذلك فليرجعوا لكتاب الله
ولكتب اللغة العربية لتفسير هذه الآيات وتوضيحها وتوضيح أحكامها لعامة الناس..
والله سبحانه
وتعالى ينهانا عن ذلك ويذم من يعمل به ومع ذلك تجد الكتب المؤلفة في هذا الموضوع
لوحده -والذي لا يفيد المسلمين حاليًا لا من قريب ولا من بعيد- تعادل مئات الكتب
المؤلفة في الجهاد وأنواعه والحث عليه.
وأريد أن أضع
هذا السؤال أمام العالم والعادي: هل يفيد حديث الآحاد ظنًا أم يقينًا؟ فإذا كان
قطعي الثبوت فلا بد من الأخذ به وإذا كان ظني الثبوت فلا يأخذ به في العقيدة،
فالخلاف في حديث الآحاد هو: هل قاله الرسول أم لا؟ فإذا ثبت بالدليل القطعي
المتواتر أنه قاله فيؤخذ به وإلا فلا.
أما موضوع
الأحكام الشرعية فمختلف، فيجوز الأخذ به، لأن العقيدة إيمان بمغيبات والإيمان هو
التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل.
ولكن لا يفهم من
كلامي هذا أنه يجب إنكارها فلا يجوز أيضًا بل يجب التصديق بها فقط.. ولكن يجب عدم
الجزم، ومنكرها آثم حتى يثبت له ضعف الحديث أو وضعه.
فقد تكذب خبرًا
صدقته عن واحد عندما ثبت لك عكس هذا الخبر عن جماعة، ولكن لا يمكن أن تجتمع أمة
محمد على ضلال، فإذا نقلت لك الجماعة «جماعة المسلمين» خبرًا عن الرسول وهذا الخبر
بقي متواترًا فيجب الأخذ به في العقائد.. كالصلاة مثلًا وعدد ركعاتها.. وأريد أن
أنوه أنه لا اجتهاد في موضع نص وقد وردت نصوص في القرآن تنهى عن اتباع الظن ولا
تأويل لها غير ذلك.
وأنا أريد أن
أطرح السؤال التالي، هل مرتبة صحيح مسلم والبخاري كمرتبة القرآن؟ أين مرتبة هذين
الصحيحين بالنسبة للقرآن الكريم؟ للسنة المتواترة؟ ما حكم من يشك في كلمة أو آية
في القرآن الكريم؟ وما حكم من يشك أو يرد حديثًا في هذين الصحيحين «رواية»؟ ولو
قال عالم إن مرتبة الصحيحين كمرتبة القرآن، فماذا سيكون ردنا عليه؟..
لا شك أنه لا
يمكن أن يصل إلى مرتبة القرآن في قطعية الثبوت، فهناك فرق شاسع بين طريقه وزمن جمع
القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وهناك الكثير مما يمكن قوله في هذا الموضوع
إذا أردنا التوسع والتدقيق وضرب الأمثلة وأريد أن آخذ مثالًا واحدًا لتبيان رأي
وقول العلماء في هذا الموضوع إلا وهو عذاب القبر:
عذاب
القبر
1- الرأي الأول:
وهو الإيمان الكامل الجازم بعذاب القبر وهو ما ذهب إليه العديد من الجماعات
الإسلامية والعديد من علماء هذا العصر وأدلتهم في ذلك أحاديث الآحاد لا غير.
2- الرأي
الثاني: وهم بعض علماء هذا العصر أيضًا كالشعراوي مثلًا والذي يقول في كتابه «مائة
سؤال وجواب في الفقه الإسلامي - الجزء الثاني» ردًا على سؤال عن عذاب القبر والذي
تسأله سيدة فتقول: هل في القبر حساب، وما هو حساب القبر؟ ويجيب فضيلة الشيخ
الشعراوي فيقول «علينا قبل أن نشغل بحساب القبر أن نسأل عن حساب الآخرة هل هو
موجود أم غير موجود؟ إذا عرفت أن في الآخرة حسابًا فأقول: على أي شيء أحاسب في
الآخرة؟ نجد أننا نحاسب إذا ما كنا أدينا ما أمرنا الله به أم لا؟ إننا كبشر في
الدنيا لا نحكم على قضية إلا بعد تحقيق الشرطة، ثم النيابة، ثم المحكمة، ثم ينفذ
الحكم بعد ذلك، وحساب القبر هو عرض للجزاء، والآخرة دخول في الجزاء، قال تعالى
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ
السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر:46)
إذن العرض في
غير قيام الساعة، وبذلك نجد أن الزمان مجزأ إلى ثلاثة أقسام: الحياة الدنيا،
والحياة الآخرة، وما بين الحياتين، ففي الحياة الدنيا تعمل، وفي الحياة الآخرة
تلقى الجزاء، وفي القبر يعرض عليك الجزاء.. جزاء عملك ومكانك في الآخرة.
وحين يعرض
الجزاء في مكان وزمان لا نستطيع أن نفلت منه، بل يصبح أمرًا محققًا لا يستطيع أحد
أن يعود فيه.
ويقول في جواب
على سؤال آخر: كيف تكون الحياة الآخرة، وهل هي مثل حياتنا على الأرض؟
إننا في حال
حياتنا لنا حالان: حال يقظة، وحال نوم، فهل قانون اليقظة هو قانون النوم؟ لا، نجد
أنهما يختلفان برغم وجود الحياة.
إذن إذا قلنا إن
الموت حياة أخرى، ونظام آخر، فلا بد أن تصدق ذلك، لأنك ترى وأنت نائم، وعينك
مغمضة، فهناك وسائل إدراك غير العين، تستطيع أن تدرك بها الأشخاص والألوان
والأماكن.
فإذا حدث هذا
لمجرد أن مادة الإنسان وهي جسم قد خمدت قليلًا، فإذا قيل لنا: إن في القبر حياة
أخرى عندما تنتهي الحياة فلا بد أن تكون هذه الحياة أكثر شفافية.
إننا في الرؤية
نذوق الطعام والشراب، ونشعر بحلاوته أو مرارته، ونرى هذا يرتدي أبيض، والآخر يرتدي
الأخضر، وعندما ترى رؤيا تحكيها في وقت طويل، مع أن العلم أثبت أن أطول حلم لا
يستغرق أكثر من سبع ثوان، إذن فالزمن لا حقيقة له.
كذلك تنام إلى
جانب شخص يرى أنه بين أحبابه يضحك ويأكل ويمرح، والآخر يرى أنه بين أعدائه يتألم
ويتمزق، فلا هذا يشعر بذاك ولا ذاك يشعر بهذا.
ولذا لفتنا
النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا فقال: «إنكم تموتون كما تنامون، ولتبعثن كما
تستيقظون» فإذا اختلف قانون النوم عن قانون اليقظة، فإن قانون الموت يختلف عن
قانون الحياة.
إذن فلا يوجد
عذاب بالقبر، ولكن عرض ورؤية فقط لموقف الإنسان من عذاب أو نعيم.. انتهى كلام
الشعراوي.. وهذا رأيه ولا شك أنه عالم مجتهد، وهذا نموذج.
3- الرأي
الثالث: التصديق بما جاء في أحاديث القبر من أخبار، ولكن عدم الجزم بما جاء فيها،
لأن الجزم يفيد اليقين، وأحاديث الآحاد ظنية الثبوت، والقبر وعذابه غيبي، إذن فهو
عقيدة والعقيدة تتطلب أدلة قطعية الثبوت من الكتاب والسنة المتواترة، والله سبحانه
وتعالى نهى وذم من يتبع الظن في العقيدة لأن الإيمان هو التصديق الجازم المطابق
للواقع عن دليل. أما التصديق لوحده فلا يكفي للإيمان، وكذلك لا يجوز إنكار هذه
الأحاديث ما لم يثبت ضعف رواتها أو عدم ثقتهم، وهذا ما ذهب إليه بعض علماء هذا
العصر كالغزالي وغيره.
وكثير من
مشايخنا وعلمائنا يكفرون من لا يجزم بتصديق هذه الأحاديث، والشيخ الشعراوي مثلًا
ينكر عذاب القبر وهو عالم ولا بد أنه يعتمد على أدلة في ذلك، أما أنا فلا أنكر ولا
أجزم بل أصدق فقط وأعتبر التصديق كافيًا، لأن اتباع الظن في العقيدة حرام وأدلة
القبر كلها ظنية الثبوت.
فالحساب والعذاب
حاصل لمن كفر والجنة والنعيم حاصل لمن آمن وعمل، فطالما إننا نؤمن بذلك يقينًا لا
شك فيه، فلماذا الخوض والجزم والشقاق طالما أن الجميع منا مؤمنون على ما سيحصل في
النهاية بين يدي الله.
ولقد سمعت وقرأت
الكثير عن هذه المواضيع والتي لا تنهض بها الأمة، بل بالعكس تضر وتؤخر النهوض
وتلهينا عن واجبنا الآتي وهو نصرة الإسلام والمسلمين.
فإلى الله
المشتكى، والله من وراء القصد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل