العنوان نقوش علي جدار الدعوة -نعم حق ولكنه مرفوض
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1998
مشاهدات 62
نشر في العدد 1294
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 31-مارس-1998
الذين ينكرون الحق قد لا يكونون -بالضرورة– عنه غافلين أو جاهلين، بل ربما ينكرونه بعد معرفتهم به وتيقنهم منه- لعوج في نفوسهم، وضعف في إرادتهم، وتفلت من قيوده التي يفرضها عليهم الالتزام به، وهم غير أهل الالتزام، وغير قادرين على الانضباط داخل نظام، ولذا هم يفرون من الحق، بل قد يحاربون المتمسكين به - إن اقتضى الموقف ذلك - حسدًا من نفوسهم، وبغيًا وعدوانًا على من هم أقوى منهم، وأعظم شأنًا وأعلى قدرًا ولعل موقف أبي جهل في رفضه نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، دليل على ذلك، إذ أرجع رفضه للنبوة لأنهم تنافسوا هم وبنو عبد مناف الشرف في الجاهلية، حتى إذا كانوا كفرسي رهان، قال بنو عبد مناف: «منا نبي يوحى إليه» ثم يكشف عمّا في نفسه قائلًا: «فمتى ندرك مثل هذه؟» هو إذًا يعرف أن النبوة حق ولكن لأنه لا يستطيع أن يدَّعيها هو وجماعته، فليس من سبيل أمامهم إلا إنكارها، والاستمرار في محاربتها بغير نكول أو توقف.
وكثيرون ممن يشرعون أقلامهم اليوم ضد الصحوة الإسلامية، بل يتجاوزون ذلك إلى غمز الإسلام أحيانًا والإساءة إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم- ليسوا جاهلين بالحقيقة، غافلين عنها، ولكنهم يقولون قولة أبي جهل: متى ندرك مثل هذه؟ وإذا كانوا عارفين بما في أنفسهم مما تدل عليه مقولتهم، فإنهم يجهلون أو قد يجهلون أن ما تحققه الحركة الإسلامية من نجاحات في جموع المسلمين، إنما مرده إلى إخلاص العمل لله، وإلى أن العاملين في حقل الدعوة الإسلامية يضحي الكثير منهم والمقدم بين أقرانه وإخوانه بما يضحي به الصغير، وقد يزيد، ويتحمل كبيرهم من المشاق والشدائد ما يتحمله الصغير، بل قد يزيد، وقدوتهم في ذلك وأسوتهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يقول عنه علي بن أبي طالب: « كنا إذا اشتد البأس، واحمرت الحدق «كناية عن شدة الحرب» أتقينا برسول الله له، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه » فكانت شجاعته قبل كل شجاعة، وتضحيته في سبيل الله فوق كل تضحية، حتى مات ودرعه مرهونة عند يهودي في أمداد من شعير، مع أنه لم يكن فقيرًا، بل كان جوادًا كريمًا أجود بالخير من الريح المرسلة، تأتيه الأموال الكثيرة فلا يترك منها نقيرًا ولا قطميرًا إلا يوزعه على البائسين، ويواسي به المحرومين، دون أن يترك لنفسه أو لأهله شيئًا
والعاملون في الدعوة يدركون ذلك ويعملون به -ما استطاعوا– فتثمر جهودهم، ويبارك الله في أعمالهم، لأنهم يعملون لله وفي سبيل الله لا يعنيهم الكسب المادي – من وراء دعوتهم – ولا المنصب الأدبي، بل قد يتخلون عن هذا وذاك إن عارض الدعوة عارض، أو أثر على سيرها أدنى تأثير والناس في شوق شديد إلى أن تسود تعاليم الإسلام، لأن الحق والعدل رهن بسيادة هذه التعاليم، حيث يحتكم الجميع إلى منهج الله، فتستريح النفوس، وتأمن وتطمئن القلوب إلى أن المعتدي يلقى جزاءه في الدنيا قبل الآخرة، وأن المحسن يلقى جزاءه في الدنيا قبل الآخرة، فتستقيم الحياة.
فماذا عند غير الإسلاميين يدعون إليه في بلاد الإسلام؟ وأي حق في دعاويهم؟ ولماذا هذا الهجوم على كل ما هو إسلامي وعلى كل منتمٍ بحق للإسلام؟ وهل من مبررات لذلك؟ أليس الأولى بنا أجمعين أن نعمل على إحقاق الحق وأن نشد على أيدي المصلحين، وأن نأخذ على أيدي المفسدين؟
أليس الأولى أن يتخلى كل ناظر لنفسه، مضخم لذاته عن مقولة: «متى ندرك مثل هذه؟» لتستقيم الحياة لأصحاب السفينة التي يتلاطم بها الموج من كل جانب، ويأتيها الريح من كل مكان، وما تكاد تسلم من عاصفة حتى تلاحقها أخرى؟
أليس الأولى أن نتذكر ونعمل بقول الله: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلُّكَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ (سورة ص: آيه 26)
أسال الله الهداية للجميع.