; نقوش على جدار الدعوة: النظرة الحقيقية للأمور الدنيوية | مجلة المجتمع

العنوان نقوش على جدار الدعوة: النظرة الحقيقية للأمور الدنيوية

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1998

مشاهدات 77

نشر في العدد 1288

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 17-فبراير-1998

الكثيرون من الناس يجعلون الدنيا أكبر همهم، ومبلغ علمهم، يأسون إن فاتهم شيء من خيرها، ويفرحون إن تيسر لهم شأنها، وسلس عليهم قيادها؛ فيظنون أنهم أوتوا كل شيء، وحصلوا على كل مطلب.

والقليلون من الناس يسعون في الدنيا، وعيونهم على الآخرة، وقلوبهم معلقة بنعيم الجنة، فلا تأخذ الدنيا منهم أكثر مما تستحق، ولا تنال في نفوسهم رتبة غير رتبتها، ولا منزلة غير منزلتها، ويصدق على الجميع قول الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (الإسراء: 18-19).

وليس الأخذ من متاع الدنيا بمحرم ولا هو بمكروه، وإنما هو مباح مستحب مندوب إليه، وقد يصبح واجبًا على بعض الأفراد في بعض الأحيان لتستمر الحياة، وينتشر العمران، وتتم الخلافة في الأرض، وإنما المكروه الذي يتعاظم حتى يصل إلى درجة الحرمة أحيانًا، هو التكالب على الدنيا، واعتبار الكسب المادي فيها مقياسًا وحيدًا للنجاح والرقي، وهذا ما يفعله الكثيرون، فلا يذكرون فلانًا إلا مقرونًا اسمه بأنه يملك كذا وكذا وعنده كذا وكذا، ولا يذكرون فلانًا إلا مقرونًا اسمه بأنه لا يملك قوت يومه ولا قيمة له عند غيره.

وقد حرص الرسول ﷺ على تصحيح هذا المفهوم حين مر به رجل فقال ﷺ لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يُشفّع، فسكت رسول الله ﷺ، ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ: «ما رأيك في هذا؟» فقال: يا رسول الله ﷺ، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله، فقال رسول الله ﷺ: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» «متفق عليه» «نزهة المتقين شرح رياض الصالحين رقم ٢٥٥».

وما دامت ماديات الحياة ومتاعها لا تعطي قيمة لصاحبها إلا إذا جعلها في خدمة الناس، فلم الأثرة؟ ولم الحرص البالغ على متاع الحياة القليل، مع أن العاقلين يجعلون هذا المتاع طوع أيديهم غير مخبوء في قلوبهم، لا يفرحون لقدومه، ولا يأسون لذهابه، فإن جاء أنفقوه في مرضاة الله، وإن غاب لم يجزعوا لما أصابهم، هكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ زهدوا في متاع الحياة، فأتتهم الدنيا وهي راغمة، أعرضوا عن زينتها فتبعتهم، ولم تتغير قلوبهم وراء زخرفها وزينتها، فلانت لهم وانقادت لأغراضهم، ولم يغب عنهم مفهومها حتى في عصور التمزق والتخلف، هذا بهاء الدين علي بن السكري- وكان من خاصة «نور الدين» محمود- يقول: كنت معه «نور الدين» يومًا في الميدان بالرها، والشمس في ظهورنا، فكلما سرنا تقدمنا الظل، فلما عدنا صار ظلنا وراء ظهورنا، فأجرى نور الدين فرسه وهو يلتفت وراءه، وقال لي: أتدري لأي شيء أجري فرسي، وألتفت ورائي؟ قلت: لا، قال: قد شبهت ما نحن فيه بالدنيا تهرب ممن يطلبها وتطلب من يهرب منها «مختصر كتاب الروضتين في أخبار الدولتين تحقيق د محمد بن حسن بن عقيل موسى».

وهذا ما جعل الأمير بهاء الدين ينشد:

مثل الرزق الذي تطلبه     *** مثل الظل الذي يمشي معك

أنت لا تدركه متبعًا *** فإذا وليت عنه تبعك

والمقصود ألا نجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، فإن جاءت بعد ديننا خاضعة لتعاليمه، غير فاقدة لشروطه، فبها ونعمت، وإلا فنحن لا نقبلها، بل نرفضها.

والعاملون في الصحوة الإسلامية والدعاة إلى الله هم أولى الناس بإحياء هذا المفهوم والتمسك به، وإظهاره سلوكًا أمام الناس، حتى تخف معاناتهم، وتذوب آلامهم، حين يرون بعض الناس يؤثر ما عند الله على ما عند الناس، ويقدمون في أعمالهم آخرتهم على دنياهم، إنهم إن فعلوا ذلك دانت لهم الحياة، ولانت، وخفت حدة زحامهم حولها بعد أن تكون قد استكانت.

أخوكم جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

الرابط المختصر :