العنوان نقوش على جدار الدعوة هل نحن مقتدون...؟ (۱).. أذلة على المؤمنين
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 16-ديسمبر-1997
مشاهدات 78
نشر في العدد 1280
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 16-ديسمبر-1997
«الإنسان القدوة» هو النموذج الواقعي المتجسد الذي يحمل من القيم والفضائل والمكارم ما يعلو به على نوازع الأرض وثقلة الطين لأن له بالله صلة قوية تمنعه من التردي والسقوط فهو مشدود إلى العلا، بعيد عن الهوى أسلم قياده لله فحماه وآواه، وأمده بنصره ورعاه ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (سورة محمد: 7) والذين يقتدي بهم لهم في الفضائل والمكارم درجات بحسب استمساكهم بمنهج الله، ولذا كان خير قدوة مأمور باتباعها النبي صلى الله عليه وسلم ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (سورة الأحزاب: 21)، ويظل الناس يحاولون الارتقاء نحو هذا المرتقى الصاعد لعلهم يقتربون من هذه القمة السامقة التي يقف عليها رسول الله صل الله عليه وسلم . في ذلك متفاوتون أشد التفاوت بحسب القدرة والإخلاص والاستمرار والعلم والمعرفة والاشتغال بالعمل الإسلامي العام الذي يقوم به بعض الدعاة سواء على المستوى الرسمي أم على المستوى الشعبي المتمثل في أصحاب المشروع الإسلامي، هؤلاء الذين ينبغي أن يتجردوا من كل ما يمس ذواتهم، ويجعلوا أنفسهم مذللة للدين، تمثله سلوكًا وعملًا والتزامًا قبل أن تتحدث به أو تعلن للناس عنه ليكونوا قدوة لغيرهم، وسراجًا منيرًا ينير الدرب ويزيل الغبش أو الظلام فهل نحن - الدعاة - كذلك؟
وهم هل قادة المشروع الإسلامي ودعاته حين نظروا إلى أتباعهم فرأوهم - في بعض الأحيان - كثيرين، ونظروا إلى أعمالهم فرأوها في بعض الأحيان غير قليلة بالقياس إلى غيرهم اعتدوا بحولهم وطولهم وقضهم وقضيضهم، وظنوا أن الأرض دانت لهم، وأن الناس نازلون على حكمهم سائرون على دربهم، منفضون عن غيرهم، فاستعلوا في الأرض ولم يتواضعوا أمام أتباعهم ولم يتذللوا خضوعًا وانكسارًا لربهم... وكأني بهم يقولون: لن نغلب اليوم من قلة؟ أم أنهم تواضعوا لله وشكروا أنعمه عليهم؟
إن التواضع للناس أجمعين أمر حث عليه الدين وأوحاه الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» وكان الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم إمام المتواضعين حتى إن الجارية كانت تأخذ بيده إلى أي طريق من طرق المدينة لتسر له بحاجتها، كان يلاطف الصغير، ويحترم الكبير، ويقدر الآخرين، ولا ينتقص جهد أحد ويقبل من كل أحد بحسب ما يستطيع، وقد بين لنا أن المتواضعين يرفعهم ربهم ويعلي من شأنهم وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.
وقد كان موقفه في مواطن الترفع التي يقع فيها الناس مثالًا للتواضع، ألم يأتك نبأ فتح مكة؟ كم يساوي هذا الحدث في دنيا الناس آنذاك حين يجد الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله وجدوا أنفسهم وقد نصرهم الله فعادوا إلى موطنهم ظافرين وعلى أعداء الأمس منتصرين استسلمت لهم الجباه وخضعت لهم الهامات، ودانت لهم الدور والجبال في موقعة حربية سبقها إعداد واستعداد؟
ومع عظمة هذا الحدث فإنك تنظر إلى القائد العظيم محمد صلى الله عليه وسلم ورأسه تكاد تمس عنق راحلته تواضعًا لله وشكرًا له على ما رزقه إياه، وساقه إليه من النصر، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (سورة آل عمران: 126).
وانتقل هذا الخلق الكريم من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه حتى إن أبا بكر كان يحلب للحي أغنامهم قبل الخلافة - كما أخرج ابن سعد - فلما بويع بالخلافة قالت جارية من الحي الآن لا تحلب لنا منائح دارنا، فسمعها أبو بكر، فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه، فكان يحلب لهم، والأمثلة عديدة، وكلها تبين أن الإسلام صاغ نفوس المسلمين صياغة جديدة وصفاها تصفية بديعة، أزالت شوائبها وعمقت فضائلها وجعلت للتواضع مكانًا بارزًا بين هذه الفضائل.
فهل ما زال مكان التواضع هذا بارزًا في القلوب، ظاهرًا في الأعمال؟
إن بعض الأضواء وبعض الأتباع وبعض الأحاديث والأقوال والكتابات لا ينبغي أن تمس القيم الأصيلة في النفس، ولا أن تطغى عليها لتزيحها من مكانها، أو تحجب نورها، أو تزعزع مقدارها، وإلا فإن هذا أول الشروخ في زجاج الدعوة، وإن الزجاج كسره لا يجبر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل