العنوان نموذج شارون للحل.. بين خداع الخطاب.. وديناميكية الوقائع
الكاتب إبراهيم أبو الهيجا
تاريخ النشر السبت 10-يناير-2004
مشاهدات 73
نشر في العدد 1584
نشر في الصفحة 26
السبت 10-يناير-2004
■ مقاومة الفلسطينيين هي السلاح الوحيد الكفيل بتسريع نهاية شارون
هاجس رئيس الوزراء الصهيوني شارون على كل الصعد تحقيق ثلاثة أهداف:
1- على الأرض: تثبيت مكونات الاحتلال والاستيطان في العمق الفلسطيني، وتأكيد حالة الفصل السياسي بشكل أمني يمنع قيام استقلالية فلسطينية سياسية، ويفرض الحل الصهيوني من طرف واحد بما يؤمن شروط التسوية المريحة للاحتلال، ويبقي الفلسطينيين تحت القبضة الصهيونية.
2- في المنطقة: تأكيد الهيمنة الإسرائيلية، كجزء مكمل إستراتيجيًّا، ومستقل تكتيكيًّا عن الهيمنة الأمريكية.
3- في السياسات: الحفاظ على ائتلافه وحكمه، ولفت انتباه الصهاينة عن أزماتهم الاقتصادية والوجودية، بإعلاء حالة الاتحاد الأمني في تصعيد المواجهة مع الفلسطينيين بدل السعي لأي حلول ولو هامشية، واضعا اشتراطات سياسية وأمنية مستحيلة القبول.
خطاب شارون في مؤتمر «هرتزيليا» الشهير لم يأت بجديد يشذ عن تلك الأهداف، وقد جمع بين الغموض في بعض أجزائه والوضوح في بعضه الآخر بما يمكن من تفسيره على نحو دبلوماسي لدى المجتمع الدولي، وعلى نحو ابتزازي لدى الفلسطينيين، وعلى نحو تكتيكي يرضى كل مكونات المجتمع الصهيوني بقواه الأمنية والحزبية والنخبوية، وكانت
رسائل شارون كالتالي:
1- للأمريكان والمجتمع الدولي: أنه مع خريطة الطريق وإعادة تموضع أو ترتيب المواقع الاستيطانية التي تسمى «غير القانونية».
2- للسلطة الفلسطينية: إما أن ترضوا بما أراه من حلول سياسية يمكن تحسينها وبقائكم كسلطة، أو سأفرض الحل الأحادي الأمني بما يبقيكم ممزقين سياديًّا وسلطويًّا واقتصاديًّا.
3- للمجتمع الإسرائيلي المأزوم سياسيًّا ووجوديًّا واقتصاديًّا: حاول أن يعدل صورة السياسية الغامضة تجاه الحلول السياسية إلى صورة من يملك الحل التفصيلي، فمن جهة يوهم المستمع المأزوم بأنه يريد الانسحاب الأحادي لحل مشكلاته، ومن جهة يوهم مستمعه اليميني ورصيده الانتخابي، بأنه ماض في الفصل الأحادي بما يلبي الشروط الأمنية ويحافظ على الهوية اليهودية.
دواعي إعلان هرتزيليا
في غمرة تعارضات الصورة أو الرسالة الملتقطة من خطاب «شارون» علينا أن نحدد ما يریده شارون؟ في غمرة التفسير المتسرع وكأن شارون انفصل عن ذاته أو أنه بدواعي أزمات المجتمع الصهيوني يريد التخلي عن حلمه اليهودي أو أرض «إسرائيل» الكبرى؟
شارون لم ينفصل عن ذاته، وهو لا يزال يؤمن بالاستيطان، ولم يتخل عن حلمه الصهيوني وخطابه في هرتزيليا محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروعه بأفضل لغة دبلوماسية وأقل تنازلات ممكنة، وبما يمكن من بقائه سياسيًّا أطول زمن في ظل تطورات مهمة يمكن رصدها كالتالي:
1- تصاعد أحاديث انعدام الأفق السياسي والأمني لحكومته على وقع الصمود الفلسطيني وبقاء وتيرة المقاومة، وترجمة ذلك بجدل سياسي حتى داخل اليمين الصهيوني، والأهم الجدل العاصف داخل المؤسسة الأمنية.
2- قطع الطريق على محاولات بعض اليساريين إعطاء الفلسطينيين أثمانًا يراها شارون إشكالًا تكتيكيًّا يحرجه ويؤخر مُضيه في مشروع الجدار الفاصل الهاجس الأكبر لشارون، والذي هو أهم بنظره مما حصلته إسرائيل في «جنيف» من تنازلات جديدة من الفلسطينيين في قضية اللاجئين.
3- تراكم خطير لأزمة اقتصادية مستعجلة وأزمة ديموجرافية آتية.
4- تزايد تأكد تُهم الفساد ضد شارون وابنيه فيما أطلق عليه قضية الجزيرة اليونانية التي تثبت تلقي شارون تمويلًا خارجيًّا وغير مشروع لحملته الانتخابية السابقة.
رؤية شارون: شارون البارع في التكتيك، تعود كجندي الالتفاف والسيطرة على الأحداث قبل أن تدهمه وتسحقه، وخطابه في «هرتزيليا» رغم أنه تعبير عن أزمة عميقة يعايشها شارون وحكومته ومجتمعه كنتاج مفرزات الانتفاضة الفلسطينية إلا أن علينا ألا نتسرع في القول إن شارون تخلى عن ذاته، أو أن الحلم الصهيوني الذي يعشش في مخيلته، قد تنازل عنه بهذه البساطة.
فشارون كان يعارض الجدار الفاصل على سبيل المثال، خوفًا من تهمة «تحديد الحدود السياسية لإسرائيل»، ولكنه استغل التواطؤ الأمريكي والتأييد الشعبي والسكوت الفلسطيني الرسمي لتحويل الجدار من مسار على طول تخوم المدن الإسرائيلية إلى جدار في عمق الأراضي والقرى الفلسطينية، وبما يؤدي في النهاية إلى تأكيد رؤيته السياسية التي أعلن عنها في برنامجه الانتخابي منذ اليوم الأول، بإعطاء الفلسطينيين «دويلة» على حوالي ٤٥% من أراضي الضفة الغربية... وبرأينا أن الخطوات الأحادية التي أعلن عنها شارون في «هرتزيليا» بالكثير من التزيين السياسي وعبارات التأييد لتسوية خريطة الطريق، ما هي إلا كلمات فارغة أن شارون ماض في هذه الخطوات بشكل فعلي، ومنذ أكثر من سنة ونصف السنة، وبما يؤكد رؤيته السياسية والأيدلوجية ويستبق الإشكالات الديموجرافية والاقتصادية والأمنية.
وتقوم رؤية شارون على عدة محاور أهمها:
1- بقاء قطاع بعرض (١٦ - ٢٠ كم) في غور الأردن من النهر وحتى شارع ألون تحت سيطرة الاحتلال
2- بقاء قطاع بعرض حوالي ١٠ كم من «صحراء يهودا» «الطريق الذي يربط القدس بأريحا عبر نهر الأردن».
3- بقاء قطاع أضيق على طول الخط الأخضر من الغرب بطول ما بين عدة مئات من الأمتار وحتى ٧,٥ كم
وبالشكل التفصيلي فإن خطة شارون سينتج عنها:
- إقامة أربع كتل فلسطينية في الضفة الغربية مشتتة شمالًا ووسطًا وجنوبًا.
- ترتبط هذه الكتل بممرات ضيقة تبقى تحت المقصلة الأمنية للاحتلال مع بعضها البعض ومع غزة وباستثناء القدس ومحيطها كما يتضح باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الدولة اليهودية.
- بقاء مناطق واسعة من (ج) في يد إسرائيل لإبقاء ما يمكنها من مساومة الفلسطينيين لاحقًا.
- بقاء المستوطنات المعزولة في عمق الأراضي الفلسطينية بغرض المساومة أيضًا.
- تقليص العلاقة الاقتصادية ما بين إسرائيل والفلسطينيين إلى الحد الأدنى لدفعهم للبحث عن حلول أخرى في الرزق والعلاقة من خلال الهجرة إلى دول الجوار.
الجدار يكشف النوايا
يؤكد استمرار البناء في الجدار الفاصل وقرار التسريع في بنائه مؤخرًا... أن خطاب شارون
لم يكن إلا عملًا دعائيًا لكسب الوقت كون الجدار ومساره يجري بناؤه منذ سنتين، وإذا تم الجدار -حسب ما هو مخطط ويتمنى شارون -فسيؤدي ذلك إلى عدة حقائق:
1- شمول حوالي٠٠٠ ,٥٣ مستوطن يعيشون في ١٤ مستوطنة في غرب الجدار، أي ستكون مضمونة عمليًا لإسرائيل.
2- ستقع (۱۹) بلدة وقرية فلسطينية غرب هذا الجدار (جدار العمق)، ويبلغ عدد سكانها أكثر من ١٠٠ ألف نسمة، وبذلك ستصبح أكثر من ١٥٠ قرية وبلدة وتجمعًا سكانيًّا يقطنها حوالي ٦٩٧ ألف نسمة، معزولة غرب الجدران العازلة «الغربي وجدار العمق»، بينما ستصبح ٣٦ قرية واقعة شرق هذين الجدارين، في الوقت الذي تعزل فيه أراضيها غرب الجدارين، وتعداد سكان هذه التجمعات ۷۲ ألف نسمة.
3- تصل المساحة المستهدفة بجداري العزل الغربي وجدار العمق إلى ما يربو على ١٢٤٨ كم، أي ما يعادل ۲۱,۳% من المساحة الإجمالية للضفة الغربية.
4- أما مساحة العزل الشرقي على طول الأغوار فتبلغ حوالي ١٢٤٢ كلم٢، أي ما نسبته ٢١,٢ % من مساحة الضفة الغربية، وتضم ٢٠ تجمعًا سكانيًّا فلسطينيًّا يعيش فيها حوالي ١٧ ألف نسمة، إضافة إلى ٤١ مستوطنة وبؤرة استيطانية يعيش فيها حوالي ۸۰۰۰ مستوطن.
5- وهذا يعني عمليًّا ضم ما نسبته ٤٢% من مساحة الضفة الغربية، وحوالي ٢٤٩٠ كم ٢، وفصل ٧١٤ ألف فلسطينيًّا و۱۷۰ تجمعًا فلسطينيًّا عن ترابطهم السكاني المدني، وتأكيد وجود ٩٦ مستوطنة في عمق وبجانب الضفة الغربية.
خدع إزالة المستوطنات
ما تغير في تكتيكات «شارون» هو حديثه عن تبديل بعض مواقع المستوطنات التي يطلق عليها زورًا غير القانونية، ولكن علينا ألا نقع في الخداع الذي يحاول أن يسوقه بهذا الشأن
لسببين:
الأول: أن البؤر الاستيطانية التي أخليت في حقبة شارون الأولى على يد بنيامين بن أليعازر وزير الدفاع العمالي في حكومة الوحدة، أعيد افتتاحها في حقبة شارون الثانية، بل وبزيادة خمسة مواقع وعاد العدد ليرتفع من ۱۰۱ إلى ۱۱۰.
الثاني: أن مجمل البؤر غير القانونية التي وصل تعدادها إلى ۱۱۰، أقيم أكثر من ٦٠ منها -أي أكثر من نصفها -في عهد شارون، وبالتالي فإن إزالة بعض منها خداع كبير، وهو عملية وهمية ما أسهل التراجع عنها تحت وقع ضغوط المستوطنين واليمين الصهيوني.
الثالث: حتى لو أزال شارون عشرات المستوطنات «غير القانونية» في ضوء تصوره وفعله الأحادي النهائي والبعيد فإن ذلك سيصب في مصلحة إسرائيل الإستراتيجية وتحديدًا الأمنية وليس العكس، وسيتفهم المستوطنون ذلك مع الوقت حينما يرون ما حققه لهم شارون على الأرض.
الأفق
خطاب شارون إنتاج جديد لإستراتيجية شارون القديمة التي أعلن عنها من أول يوم، وهو محاولة التفافية وتكتيكية على ما تحققه إستراتيجية المقاومة الفلسطينية، وسيكون من الخطيئة الفلسطينية الوقوع في مصيدتها التي توهم بإمكان الحوار مع شارون لتحسين رؤيته أو التخفيف من آثارها، ولعل رفض شارون للتنازلات الفلسطينية الجديدة التي أتت عبر وثيقة «جنيف» مؤشر على تصميمه على رؤاه ورفض كل ما يشوش على إستراتجيته، وخطاب شارون يدعو الفلسطينيين إلى مزيد من التنازل بما يتوافق مع إستراتيجيته.. التي -كما تقدم تعطي الفلسطينيين فتاتًا مقطعًا في ممرات مهترئة دون سيادة أو قوة أو لاجئين أو قدس... بما يوفق بين مشكلة بقائهم الدولية والواقعية ضمن منطق «أكثر سكان وأقل أرض». وحلم شارون اليهودي في «دولة يهودية ديموقراطية مهيمنة في أبعد من النيل والفرات»، كل هذا
يؤكد الاستنتاجات التالية:
1- ألا تسوية مع شارون إلا بما يتوافق مع خطته أو يقترب منها.
2- إن المراهنة على سقوط شارون بفعل تفكيك بعض البؤر الاستيطانية وقراءة خطاب شارون وكأنه اصطدام مع اليمين الصهيوني قراءة خاطئة لشارون الأب الروحي للاستيطان واليميني حتى النخاع، وإن استخدم بعضًا من تكتيكاته اللفظية ومناوراته السياسية.
3- إن التأييد الأمريكي لخطاب شارون والتصريح اللافت للمبعوث الأوروبي للشرق الأوسط «مارك أوتييه»، الذي اعتبر الجدار الفاصل «قرارًا سياديًّا إسرائيليًّا»، لا يمكن فهمه إلا في إطار الضغط على الفلسطينيين ودفعهم للقبول المجاراة شارون على أمل توريطه سياسيًّا، بينما ما سيحدث هو تورط الفلسطينيين وليس العكس في ضوء أن الثمن لردع شارون وتدخل الأمريكان والأوروبين الفاعل، هو حدوث حرب أهلية فلسطينية، وحتى دون ثمن سياسي مضمون، ولعل نموذج الهدنة الذي تسعى مصر لتثبيته، أكد أن المنطق المقبول لإسرائيل هو الهدنة المجانية فقط.
4- في ضوء ما تقدم يبقى للفلسطينيين مقاومتهم، كونها السلاح المنطقي والوحيد الكفيل بتسريع نهاية «شارون» وحقبته السياسية، أما التهادن معها فلا يسهم إلا بإعطاء شارون المزيد من الوقت لاستمرار مشروعه المتسارع على الأرض، فإستراتيجية المقاومة وتصاعدها هي المنافس الحقيقي لإستراتيجية شارون بزيادة الجدل الصهيوني وتعميق الأزمات الداخلية، التي يحاول شارون الالتفاف عليها، لكسب المزيد من الوقت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل