; نمور آسيا.. هل تنهض من جديد؟ | مجلة المجتمع

العنوان نمور آسيا.. هل تنهض من جديد؟

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يونيو-1998

مشاهدات 78

نشر في العدد 1302

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 02-يونيو-1998

  • تحديات العولمة أسقطت النمور في بئر الأزمة
  • هل تبحر الأزمة شرقا وتتكرر أحداثها في الشرق الأوسط؟
  • النظام الاقتصادي الدولي وحش مفترس... ولا حماية للمبتدئين
  • ما إن جاءت الأزمة حتى تغيرت المصطلحات من "المعجزة" والنمور الآسيوية إلى "سقوط النمور" والنمور الورقية، و"القطط الآسيوية"! 
  • الذعر المالي وأزمة الثقة ساهما في تفاقم الأزمة، واندفع أصحاب رؤوس الأموال لسحب أموالهم
  • بعد مرحلة الصدمة دخلت دول الأزمة مرحلة التعديلات وإعادة الاستقرار 
  • عوامل التعافي من الأزمة موجودة على الأقل عند بعض الدول 
  • هل تنتج سياسات صندوق النقد الدولي دولا نامية أم دولا نائمة؟

فجرت الأزمة الاقتصادية الآسيوية الأخيرة عدة قضايا، وأحدثت تفاعلات عميقة على المستويين الإقليمي والدولي، وكان أكبر الآثار الإقليمية للأزمة وأكثرها إثارة ما حدث في إندونيسيا، حيث أجبرت تداعيات الأزمة ديكتاتور إندونيسيا السابق سوهارتو على الاستقالة من منصبه بعد حكم دام 32 عاما، وما زالت الآثار الإقليمية تتداعى، وعلى المستوى الدولي، فقد حوت الأزمة درسا بل دروسا ينبغي على كل دولة نامية أن تعيها وأن تفتح أعينها لتتعرف على أحد جوانب النظام العالمي الجديد، ومدى افتقاد النظام الاقتصادي العالمي "الحر" للعدالة، وكيفية مواجهة تحديات العولمة دون السقوط في بئر الأزمة.

هل هناك أجندة خفية وراء ضرب دول آسيا، وهل يمكن أن تنتقل الأزمة إلى المنطقة العربية أو الشرق الأوسط، حيث خطت عدة دول عربية وإسلامية على الطريق نفسه الذي سلكته دول جنوب شرق آسيا، وفتحت أبواب بورصاتها للمضاربين أنفسهم الذين شاركوا في الأزمة الآسيوية وعلى رأسهم المضارب اليهودي جورج سوروس؟ هل يمكن أن تبحر الزمة شرقا لتلقي أشرعتها في مصر أو تركيا؟

"الدراسة القيمة" التالية تتناول بالتفصيل المشكلة من بداياتها، لتحاول الإجابة عن سؤال مباشر وهو: هل يمكن لنمور آسيا أن تنهض من جديد؟ ولكنها تجيب أيضا عن سؤال غير مباشر، عن الإطار الذي قامت داخله التجربة الآسيوية ومدى قابلية انتقال الأزمة إلى الدول التي دخلت عالم العولمة بالطريقة نفسها ومصير تجربتها.

مرت دول شرق آسيا منذ الخمسينيات بمراحل نمو متفاوتة واجهت خلالها تحديات عديدة كدول نامية، وكانت محل اهتمام الكثير من الباحثين في شتى المجالات والذين استمروا في مراجعة تصوراتهم وتوقعاتهم لمستقبل منطقة الشرق الأقصى كلما تحسن الوضع.. أـو ساء.. وكان آخر الأحداث الأزمة المالية التي انفجرت منذ يوليو الماضي، وأثارت أسئلة كبيرة.. حول فكرة القرن الآسيوي، وسيادة دول الشرق الآسيوي في القرن القادم، وهل هي حقيقة أم خيال؟ يمكن أن تتسبب في ظهور عصر ذهبي آسيوي آخر؟ وما أسباب الأزمة؟ وكيف الخروج منها؟ وإذا توقعنا إمكانية ذلك فيا ترى متى ستنهض دول النمو من جديد؟!

فكرة القرن الآسيوي: في عام 1956م كتب المؤرخ الهولندي جون رومين في كتابه الذي اختار له عنوانا مثيرا وهو "القرن الآسيوي" فقال: "إن نهضة قومية آسيوية أثارتها الإمبريالية الغربية قد أيقظت ملايين من الآسيويين بعد قرون "من النوم"، وحذر الغربيين من مرحلة جديدة من التنمية يكون للآسيويين شأن فيها، كلامه هذا جاء بعد قرون من استعمار غربي ترك آثارا متفاوتة ومختلفة، حيث تقاسمت المنطقة ست قوى استعمارية "بريطانيا- البرتغال- هولندا- فرنسا- إسبانيا- أمريكا".

عن الحديث عن "القرن الآسيوي" تثار أسئلة عديدة نظرا لظهور عدة مصطلحات متشابهة، مثل "قرن آسيا والمحيط الهادي" أو "عصر آسيا المحيط الهادي"، أو "قرن المحيط الهادي"، وغير ذلك من المصطلحات التي تطلق على مجموعة من دول الشق الأقصى التي تجمعها عوامل جغرافية واقتصادية أو استراتيجية مشتركة، ويتركز الحديث في الغالب على دول شرق آسيا "اليابان- الصين- كوريا الجنوبية- هونغ كونغ- تايوان"، ودول جنوب شرق آسيا الأعضاء في رابطة أسيان "إندونيسيا- ماليزيا- الفلبين- تايلند- سنغافورة- بروناي- فيتنام- لاوس- ماينمار".

ويمكن فهم الاعتبار الاقتصادي والجغرافي كباعث على إطلاق هذا المصطلح نظرا لاشتراك هذه الدول في مظاهر إنجازاتها الاقتصادية في العقود القليلة الماضية من خلال اتباع "السياسات الصناعية الوطنية"، ولذلك ارتفعت معدلات النمو في هذه البلدان فوصلت إلى ضعفي أو حتى ثلاثة أضعاف الدول الصناعية والدول "النامية" الأخرى، ونتيجة لهذا الوضع توقع الكثيرون أن يكون القرن القادم قرنا آسيويا بسيطرة "النمور" و"التننة" الآسيوية على جزء كبير من كعكة الاقتصاد العالمي، ولم تكن الاعتبارات التجارية وحدها وراء هذه الفكرة، بل كانت هناك اعتبارات أخرى استندت إلى بروز فكرة "مجتمع حوض المحيط الهادي الصناعي" حيث ظهرت تطبيقات عديدة لذلك من خلال بروز منظمات إقليمية عديدة مثل "منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي المعروفة بـ "أبيك" والتي تضم الدول ذات السواحل على المحيط الهادي من شرقه وغربه، كما برزت في السنوات الأخيرة وبخاصة في العام الماضي بعد 30 عاما من تأسيسها "رابطة دول جنوب شرق آسيا، أو أسيان والتي انطلقت منها فكرة منتدى أسيان الإقليمي كلاعب جديد في تعزيز الأمن الإقليمي والاستقرار.

ولقد اختلفت التصورات عن فكرة القرن الآسيوي بين متخوف من انحسار السيادة الغربية وبين متفائل يعتقد أن في ذلك فرصة عظيمة للعالم الصناعي والنامي والفقير على حد سواء، وبدأت التساؤلات تدور حول حقيقة الفكرة وواقعيتها منذ سنوات وظهر الكثير من المنتقدين لها، فيما انتقد بعضهم الفكرة بواقعية واعتدال، فلم ينكر هؤلاء حقيقة نهوض دول شرق آسيا وبروزها كأحد القوى الاقتصادية المهمة لكنهم استبعدوا أن يكون القرن القادم قرنا تسود فيه آسيا على غيرها من الدول وإن توقعوا بروز كتل اقتصادية كبيرة ذات نفوذ كبير.

وكان هناك فريق آخر من الناقدين الذين انكروا حتى إمكانية عودة نمور هذه الدول مرة أخرى بعد الأزمة التي اعتبروها بداية انحدار النمور الآسيوية لأسباب أرجعوها إلى المخاطر السياسية والاقتصادية والاختلاف في مستويات النمو والتحديات الداخلية كالفساد الإداري والمالي، بل اعتبروا أن النمو السابق في فترة ما قبل الأزمة كان قد قام على أسس هشة، والحقيقة أن الرأي الأول هو الأقرب إلى الواقع فنمو ادول الآسيوية حقيقة لا يمكن إنكارها وإذا قدر الله لهذه الدول أن يكون لها مستقبل مشرق فستكون القوى المهمة المنافسة لتكتلات الغرب ولكن من المستبعد أت نتخيل بروز قارة آسيا الواسعة ككتلة واحدة إذا تخيلنا العدد الهائل من الأديان والأعراف والقوميات واللغات التي تحتضنها هذه القارة.

عقود النمو الذهبية

بعد الحرب العالمية الثانية وفي الخمسينيات من هذا القرن كان الركود الاقتصادي والفقر الكادح سمة العيش في دول شرق آسيا مع قلق الغربيين من الخطر الشيوعي، ثم برزت الحركات القومية والدينية في بلدان نالت أو كانت على وشك أن تنال استقلالها، كان التركيز الغربي والحكومي آنذاك على تفادي سقوط الدول الآسيوية أو ما عرف بـ "نظرية الدومينو"، بسبب اكتساح الشيوعية لبعض دول المنطقة، ولم يكن لدى الغربيين آنذاك، ولا حتى الكثير من الزعماء الآسيويين الاهتمام بالصعود الآسيوي، ومن التحليلات الخاطئة آنذاك، استبعاد نجاح الاقتصاد الياباني ولكن تبين أنه مع نهاية ذلك العقد وصل النمو السنوي للاقتصاد الياباني إلى 9% مقابل نسبة نمو 2.5% حققها الاقتصاد الأمريكي! وبدأ الشعب الياباني يشعر بتحسن في مستوى معيشته وتعليم أبنائه.. ومع ذلك استبعد معظم الغربيين استمرار نموه وكان أكثرهم تفاؤلا من قال إنه سيستمر 30 عاما.

جاء عقد الستينيات وقد لحق الاقتصاد الياباني بالاقتصاد الغربي أو سبقه، ومنذ ذلك الوقت وحتى منتصف الثمانينيات تمتع اقتصاد اليابان بمتوسط نمو قدره 6% ولكن المحللين الغربيين لم يعطوا الظاهرة أهمية كبيرة في العقود الأولى، وكان مجموعة الناتج المحلي الإجمالي لدول المحيط الهادي "باستثناء الصين" 8% فقط من الإنتاج العالمي أو ثلث إنتاج دول المحيط الأطلنطي ثم بدأت ملامح "الإقلاع الاقتصادي"، في دول "التننة الصغيرة" أو المجموعة الأولى من "الدول الصناعية الجديدة" وهي: هونج كونج- سنغافورة- تايوان- وكوريا الجنوبية واللاتي لاقين تجاوبا غربيا لاتباعهم الأسلوب الاقتصادي الغربي مع أن ترتيباتهم السياسية لم تصل إلى مستويات معايير الديمقراطية الغربية.

وكان عقد السبعينيات نقطة تحول في الفهم الغربي للشرق الآسيوي ومؤسساته والذي شهد جهودا كبيرة نحو التكامل والتعاون الإقليمي، وبدأت اليابان تجذب أنظار المحللين بشكل واضح، وفي تلك السنوات باشر الاقتصاديون والصناعيون اليابانيون، وضع خطوط عريضة لوجهة الاقتصاد الياباني في العقود التالية، وحتى يومنا هذا والتي تركت انطباعات معجبة بأدائه من قبل الشركاء والمستهلكين للسلع اليابانية، والعلماء والمنافسين حينما أصبحت لكل سلعة مكتوب عليها "صنع في اليابان" سمعة حسنة نافست سمعة الصناعات الغربية.

وتميز عقد السبعينيات بنشاط العمل الإقليمي، ففي عام 1967م تقسمت رابطة دول جنوب شرق آسيا لأهداف تعاونية في المجال الاقتصادي والسياسي وغيره.. وكانت نقطة إيقاظ شعور الإقليم والمنطقة الواحدة من قبل الدبلوماسيين والعلماء والمتخصصين الآسيويين ونظرائهم الغربيين، ثم توسعت أفكار الإقليمية لتصبح داعية إلى تعاون بين دول المحيط الهادي فظهرت آنذاك "منظمة الباسفيك للتجارة الحرة" أو "بافتا" والتي جمعت: أمريكا- إستراليا- نيوزيلندا- اليابان- كندا، ونلاحظ أن اليابان هي الدولة الآسيوية التي أعطاها الغربيون أهمية في حسبانهم وأولوية آنذاك، حيث بدأت تدخل مرحة جديدة من التصنيع الثقيل والالكتروني والاستهلاكي.

وجاء عقد الثمانينيات وبدأت الدول الأخرى في آسيا تلقي اهتماما كان مقصورا قبل ذلك على اليابان، ففي الوقت الذي بدأت فيه معدلات الادخار بالانخفاض في اوروبا بدأت معدلات الادخار في آسيا بالارتفاع مع ارتفاع الفائض التجاري لها وبدأت الصين اتباع سياسات إصلاحية جعلت الغربيين يحلمون في "سوق المليار مستهلك" وأرباحه في البلد الذي انتقل من اقتصاد منعزل إلى أحد أكبر الدول المصدرة في العالم.

وفي منتصف الثمانينيات بدأ العالم يسمع عن اقتصاديات "النمور" فبعد "التننة الأربعة" المذكورة آنفا بدأت المجموعة الثانية من الدولة الصناعية الجديدة بالنهوض، وفي تلك السنوات برزت أسماء جديدة مثل الصين وماليزيا وتايلند التي حققت نسبة نمو متوسطها 8% مقابل متوسط نسبة نمو قدرها 3% فقط في الدول الصناعية الغربية ما بين عامي 1980م-1990م، وكان متوسط نمو اقتصاديات دول أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وإفريقيا مجتمعة 2.9% متأخرين بذلك كثيرا عن دول شرق آسيا.

كان عقد التسعينيات يحمل في أحداثه أيضا محفزا جديدا للنظرة التفاؤلية تجاه المستقبل الآسيوي، فمن اتجاهات "سوقنة الاقتصاد" إلى التحول الديمقراطي في بعض الدول، إلى انضمام دول شيوعية سابقة لقافلة التنمية ومحاولتها اللحاق بجيرانها في اتجاههم نحو الانفتاح الاقتصادي مثل فيتنام، وماينمار، ولاوس، وكمبوديا، وهي المجموعة الثالثة من الدول التي تحلم بأن تكون دولا صناعية صغيرة، إلى ظهور الأسلوب الديمقراطي واضحا في كوريا، وتايلاند، وتايوان، إلى بروز أهمية الاجتماعات الإقليمية وبرامجها التعاونية، ولكن طوال هذا العقد والعقد الذي سبقه بدأ الإعلام متجاهلا للأخطاء المضرة باقتصاديات هذه الدول، وتغاضى الكثير من المهتمين بالشأن الآسيوي عن الانتقاد البناء الذي اعتبره زعماء آسيويون أمرا مهما لتصحيح أي اعوجاج في مسيرة النمو لا مجرد الانتقاد كما يشهد العالم الآن من توجهات إعلامية شديدة النقد.

كان تفاعل العالم مع الصمود الآسيوي مختلطا ما بين رهبة وشك وحسد، فلقد سلطت أضواء الغرب وتبعها الكثير من أضواء إعلام الشرق على هذه المنطقة، إما بتصويرها كعامل منافسة شديدة وتهديد، أو كمنطقة فرص ذهبية، بل بدأت تظهر أفكار غريبة قلقة من إمكانية انحدار السيادة الغربية، وبدأ زعماء آسيا النامية الحديث عن بلادهم بفخر وتقديمها كنموذج لنمو الدول الفقيرة نحو مستقبل أفضل، وكقوة اقتصادية جديدة، ومع وجود كتلة تضم دول جنوب شرق آسيا فإن هذا لم يمنع د. مهاتير محمد- رئيس وزراء ماليزيا- من الدعوة، بل التحرك لتأسيس "مؤتمر شرق آسيا الاقتصادي" لإحداث توازن أما الهيمنة الغربية الأمريكية على المنطقة وهي فكرة نالت استحسان الدول الآسيوية لكن الأزمة على ما يبدو قد أخرت ولادتها العملية.

لقد غيرت النهضة الآسيوية حركة تدفق الأموال والأسواق المالية والميزان التجاري الأمريكي لصالح الدول الآسيوية مما دفع أحد مراكز الدراسات الغربية للقول في إحدى دراساته: "... على العالم الغربي أن يستجيب بصورة فورية وحازمة وبحكمة في الوقت نفسه لتفادي تدهور وضع العمال الأوروبيين...، فهل كانت الأزمة مختلفة أم أنها "الاستجابة الحازمة، التي دعا إليها قائل هذه العبارة وغيره؟!

هل الصعود الآسيوي معجزة؟

منذ عام 1993م بدأت تجربة دول النمور الاقتصادية الناجحة تعرف باسم "المعجزة الآسيوية"، الذي أطلق هذه التسمية ليس بمفكر أو زعيم آسيوي، ولكنه البنك الدولي في كتاب صدر آنذاك بعنوان: "معجزة شرق آسيا الاقتصادية" وكان له صدى واسع وتلقف كثير من صناع القرار في الدول النامية هذا التقرير، وبدأ البعض يحلم بأن يتبع النموذج الآسيوي وليس هنا محل نقد الكتاب، ولكن اسمه ومنهجه كانا محل نقد الباحثين لعدم شموليته في معالجة "الأعجوبة " الآسيوية إن صح التعبير، ومن انعكاسات هذا الكتاب السلبية على تصور الدول النامية للنموذج الآسيوي إن البعض تصور ان كل ما كان يفعله الآسيويون صحيح، ولكن الأمر انقلب الآن فأصبح كل ما يحاولون القيام به، يوصف بأنه خطأ، ويجري تصويرهم بالعاجزين عن الخروج من أزمتهم!! وقد دفع الإعلام الغربي ومن تبعه في تحليل هذه التجربة الآسيويين أو بعضهم إلى نسيان كثير من نقاط الضعف وما ان جاءت الأزمة حتى تغيرت المصطلحات من "المعجزة" والنمور الآسيوية إلى "سقوط النمور" والنمور الورقية "والقطط الآسيوية"!!

وللإنصاف، فإن مفكري "المعجزة الآسيوية" لم يظهروا بعد الأزمة فقط، بل كتب بعضهم قبل الأزمة وأشهرهم الكاتب الأمريكي د. كروغمان عندما صرح بذلك لأول مرة في مقالته عام 1994م في دورية "فورين أفيرز" المعروفة، وكانت بعنوان: أسطورة المعجزة الآسيوية"، كانت المقالة غريبة في أفكارها وسط الهرج الإعلامي المادح لآسيا، حيث اعتبر النجاح الاقتصادي سرابًا، وإنه سينتهي بعد سنوات، ولذلك بدأ حديثه بعد الأزمة، وكأن توقعاته قد تحققت خصوصا عند الحديث عن أسبابها التي اعتبرها وكثيرون من مؤيديه راجعة إلى هيكلية وأسلوب النمو الاقتصادي في هذه الدول.

بين النظريتين ضاع كثير من الحقائق الضرورية لمعرفة أسباب الأزمة ولتحليل التجربة الآسيوية واقعيا من خلال نقد بناء منصف، إن النجاح الآسيوي في الواقع لم يكن معجزة، يعجز عن الإتيان بها الآخرون أو يصعب تفسيرها على أسس علم الاقتصاد، وفي الوقت نفسه، فإن النجاح لم يكن سرابا أو أسطورة  انخدع بها العالم وكشفتها الأزمة، كان نجاحا تحقق نتيجة عوامل عديدة وليس عاملا واحدا، وإذا حللنا هذه العوامل وكشفنا نقاط الضعف فيها، بالإضافة إلى الإصلاحات الأخرى المطلوبة للخروج من الأزمة ومواجهة القرن الجديد، فسنجد بين أيدينا وصفة طبية مناسبة لنهوض النمور إلى النمو ما بين الخمسينيات وحتى التسعينيات من هذا القرن ما يلي:

  1.  الإرادة السياسية القوية، وتبني سياسات وطنية بعيدة المدى.
  2.  البيئة الإقليمية المناسبة: فالاستقرار الإقليمي عامل مهم بأبعاده الأمنية والاقتصادية والسياسية والغذائية والدينية... فقد عززت الأزمة من التوجه الداعي لتعاون إقليمي أفضل، حيث أثبتت صعوبة أو حتى استحالة الانعزال، وبالتالي ضرورة المواجهة الجماعية لمثل هذه الأزمات.

لقد هدأت البنادق في معظم أجزاء منطقة أسيان، وبخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة- إذا استثنينا الوضع في كومبوديا وماينمار- وتسلم جيل جديد من القادة العسكريين أو الأيدولوجيين، وأصبح الرأي العام يفضل التنمية وهو الأمر الذي إلى إرادة سياسية، فشكلت المنتديات الإقليمية لفتح الحوار الأمني الإقليمي تفاديا لأي صراع قد ينشأ بسبب وجود نقاط متوهجة في المنطقة، وبرزت جهود "إجراءات بناء الثقة" و"الدبلوماسية الوقائية" بين دول المنطقة.

  1.  نسبة ادخار عالية تساعد على تشكيل رأس مال محلي وفق شعار "فلس اليوم لاستثمار الغد"، أحد أسرار النمور الآسيوي كانت 8 دول آسيوية ذات أعلى معدل للادخار في العالم وصل إلى 4% مما كان له أثر تراكمي على رؤوس الأموال واستقرار السوق.
  2.  البنية التحتية: وهي أحد العوامل المهمة، ولكنها نقطة ضعف بالنسبة لبعض الدول كتايلند.
  3.  الانفتاح للاستثمار الأجنبي: وهو أمر لا بد منه كذلك للخروج من الأزمة ولا يمكن حصول تغير تقني في آسيا بدونه، ولكن تبقى قضية توجيه الاستثمارات، وقد انتقلت الاستثمارات خلال العقود الربعة الماضية من التركيز على المصادر الطبيعية إلى القطاعات الأقل كلفة والأكثر كثافة في عمالتها، ثم إلى مجال التقنية العالية، وبرزت هونج كونج وسنغافورة كمركزين ماليين لمعاملات الشركات المتعددة الجنسيات، وعملت ماليزيا وإندونيسيا وتايلندا كمراكز تصنيعية تصدر إنتاجها للعالم.
  4.  سياسة ذات توجهات خارجية تركز على التجارة الدولية وكانت الصين و6 دول آسيوية مسيطرة على 15% من سوق التصدير الدولية.
  5.  مواد طبيعية هائلة استغلت، وبخاصة في سنوات النمو الأولى.
  6.  أسلوب تدخل الحكومة: حيث أثبتت التجربة- مع اختلافات بين الدول- ضرورة تدخل الدولة لصالح الطبقات المتوسطة والفقيرة لمواجهة تحديات النموذج الرأسمالي الغربي فعدالة التوزيع- وإن لم تصل للمستوى المطلوب- مؤشر على أهمية الأبعاد الاجتماعية للنمو.
  7.  التنمية البشرية من خلال التعليم والتدريب لكل الطاقات حتى ارتفعت مؤشرات التنمية البشرية ونافست مثيلاتها في دول صناعية، كما أن سوق العمالة إذا استثنينا كوريا الجنوبية يتصف بحسن علاقة الإدارة بالعمال مع بقاء مشكلة رخص العمالة.
  8. محاولة تحقيق عدل اجتماعي في مجالي الصحة والتعليم بالاستثمار فيهما، ومحاولة تقليل الفارق بين سكان الريف والمدن عند التخطيط التنموي وتنفيذه.
  9. قطاع عام وقطاع إداري فعال من خلال تطوير الأنظمة الإدارية ودراسة المدارس الإدارية والخروج بنماذج إدارية ناجحة في الإدارة الفردية وإدارة الشركات واتصالات المنظمات وإدارة التسويق والتمويل... إلخ.
  10. التنافسية: حيث كانت 4 دول آسيوية ضمن قائمة أحسن 10 دول تنافسية في العالم وهي: ماليزيا- وهونج كونج- وسنغافورة- وتايوان...
  11. تطوير الأنظمة القانونية وجعلها أكثر وضوحا وأكثر تشجيعا للمستثمرين مثل: حقوق الملكية للعقارات التجارية والإسكانية.
  12. عمل السوق والحكومات جنبا إلى جنب، فالسوق لا يمكن أن يكون المحدد لمسيرة النمو وحده وبمعزل عن دور الحكومة، ومن جانب آخر فالسياسات الحكومية يجب أن تكون ذات توجهات تسويفية لتشجيع رؤوس الأموال الاستثمارية المحلية والدولية.

فلماذا وقعت الصدمة؟

تحديد سبب واحد أو مجموعة أسباب معينة للأزمة الأخيرة أمر صعب، فما زال الخلاف محتدما ولن يندهش المراقب للأحداث إذا رأى البعض مقتنعا بما كانوا ينكرونه بالأمس، وذلك لاستحالة إحاطة المحللين بكل أسرار الأزمة، فهي إما غائبة أو مغيبة، أو أنها طرحت لكنها ما زالت تحتاج إلى إثبات.

لقد تفاجأ العالم بالصدمة المالية الآسيوية.. الصدمة دفعت الكثير من الكتاب إلى تشريح الدول الآسيوية سواء كانوا من الغربيين المختصين في شؤون شرق آسيا، أو من يأخذ عنهم، وبدأ بعض الكتاب من دول عالم الجنوب الفقير ينتقد الدول الآسيوية، وكما أن بلاده قد حققت إنجازات أفضل.

كانت هناك أسباب مباشرة للأزمة، ومن دون وجودها، لم تكن الأزمة لتقع، أو ربما وقعت بصورة جزئية، بالإضافة إلى اشتراك عوامل مساعدة على تفاقم آثار الأزمة مع عدم إغفال عامل العولمة والفترة التي نعايشها في أي تحليل للأزمة مهما كان الرأي الذي تبنيناه.

أولاً: الأسباب المباشرة

الأزمة لم تنته ولذلك ما زال الكلام مفتوحا حول هذه الجزئية التي يذكر على رأس تفاصيلها قضية تجار العملة والمضاربين ومدى خطورة دورهم على استقرار النظام الاقتصادي إذا قارنا الوضع قبل الأزمة وبعدها مباشرة، لن نجد أمكرا حدث فجأة أو حتى تفاقم فجأة، وكل ما ذكر من أسباب أخرى كانت موجودة منذ سنوات ولكن الباحثين والإعلام الغربي على ما يبدو لم يستخدموا "مجهرهم" المجرب في الكشف عن أمراض الاقتصاد الآسيوي إلا بعد الثاني من يوليو 1997م.

لقد كانت مهاجمة د. مهاتير لجورج سوروس الملياردير اليهودي تهدف إلى لفت انتباه العالم إلى دور المضاربين والنظام العالمي المالي الجديد الذي نعيشه واذي يفتح الأبواب للتجار من أصحاب المليارات ليدمروا اقتصاديات دول في فترة زمنية خيالية في قصرها مقارنة بالفترة التي استغرقت في البناء، وعندما سئل د. مهاتير محمد عن سبب توقفه عن انتقاد جورج سوروس والمضاربين قال بصراحة: (إن المشكلة أننا لم نعد نستطيع التحدث بحرية الآن لأنك لو قلت شيئا اعتبروه غير صحيح فإن ذلك سيكلفك ما يعرف بـ "فقدان الثقة"، وعندما نفقد ثقة الآخرين بنا فإننا سنتأثر وسندفع الثمن، لقد قيل لي عدة مرات إنه لو تحدثت ببعض الأمور فإن ذلك سيؤدي إلى خفض عملتنا، وبالتالي إفقار الملايين من الناس)، وأضاف: (ليس هناك مؤامرة ولكن هناك من يريد أن يجمع الأموال فأنت تخفض قيمة عملتنا وتربح.. إنني لست في مشادة مع جورج سوروس ولكنني ضربت مثالا لما يمكن أن يحدث بيد سوروس أو أي شخص آخر يملك التحكم بمبالغ طائلة، وعندها له أن يحطم دولا بأكملها أو حتى منطقة كاملة)، وفي اجتماع القمة الآسيوية- الأوروبية الأخيرة في لندن أقر زعماء أوروبيون بوجود علاقة بين الأزمة وتجارة العملة، لقد كان لصناديق التمويل، وعدد من المستثمرين دور كبير في الأزمة، ولعل مما يجعل الصورة حول دور هذه الصناديق مشوشة أن تقارير المنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي متضاربة حولها، وتظهر التقارير وكأن أمورا ما زالت غير واضحة، كما تتعمد إخفاء أمور أخرى.

ولم يتوقف الأمر عند دور المضاربين بل تحول إلى "ذعر مالي"، ويبدو أنه طراز جديد يختلف عن الذعر المالي التقليدي القديم الذي تشهره أوروبا وأمريكا منذ أكثر من 100 عام، وزاد من تردي الوضع الدور الذي لعبه الدولار الأمريكي- السائد في المعاملات المالية والمصرفية- فقد واجهت الدول الآسيوية خيارين أحلاهما مر: فإما رفع أسعار الفائدة لحماية عملاتها المحلية، وبالتالي تقليس الكثير من الشركات مباشرة، أو تعويم أسعار العملات فتنخفض أمام الدولار فتفلس الشركات أيضا، ولكن بصورة غير مباشرة بفعل ارتقاع قيمة الديون الأجنبية مقارنة بالعملة المحلية.

وكان للعامل النفسي أو "غريزة التجمع" أثر كبير في تفاقم الأزمة بصورة اكبر مما كان متوقعا، إن الأزمة هي نتيجة لفقدان الثقة أو هي "أزمة ثقة" دفعت أصحاب رؤوس الأموال إلى سحب أموالهم، وهذا يعني إمكانية تكرار الأزمة في أي بلد آخر، بشكل آخر مع هبوب رياح العولمة على الأسواق المالية التي جعلت الكثير من المستثمرين يضع أمواله في بلد يجهل وضعها بصورة دقيقة ومستمرة ومفصلة، فإذا سمع أو قرأ عن انسحاب مستثمرين من بلد مجاور للبلد الذي يستثمر فيه فقد ينسحب هو أيضا، وهنا يأتي دور الإعلام المضخم من حجم الأزمة، ولذلك فلاستعادة العافية الاقتصادية لا بد من استعادة الثقة في بيئة مالية فرضت على الدول النامية الانجراف مع تيار العولمة المتسارع، والذي جعلها فريسة لتدفق الأموال قصيرة الأجل للاستثمار، وهذه تعتمد على ثقة أصحابها وقناعتهم وتصوراتهم.

إن الانفتاح الاقتصادي له تحدياته، وعلى الدول النامية أن تستعد له، والأزمة الآسيوية فرصة لكل دولة نامية لدراسة الوضع الذي يمكن أن تتعرض له وبخاصة أن الانعزال أصبح مستحيلا لمن يريد أن يتبوأ مقعدا مهما في التجارة الدولية، والمعضلة هنا هي درجة الانفتاح الذي إن كان كاملا وبدون تدرج، فإنه سيضر كل دولة نامية تريد الوقوف على أرجلها.

السبب الأخير والمتعلق بما سبقه وهو "أثر العدوى، وانتقال الأزمة بسرعة" فالمؤسسات الدولية والمسؤولون الآسيويون استبعدوا في البداية تأثر جيران تايلاند بهذه الدرجة بالانهيار الذي بدأ فيها، ولكن ما لبثت العدوى أن انتشرت خلال 3-5 أشهر فقط ووصلت حتى أسواق اليابان وهونج كونج.

 

ثانيا: عوامل غير مباشرة

تفاقمت الأزمات في دول شرق آسيا بصورة مختلفة نظرا لاختلاف أوضاع كل بلد ومدى استجابتها واستجابة العالم لمشكلاتها وصحة التدابير التي أعلنتها الحكومات لمواجهة آثار الأزمة منعا لتفاقمها ولتحفيز الاقتصاد نحو نمو جديد، فلذلك للم يعد الحديث مقصورا على جورج سوروس لذاته، وإنما لدراسة النظام المالي العالمي وكيفية مواجهة أي أزمة محتملة، فبعد مرحلة الصدمة دخلت الدول الآن مرحلة "التعديلات" و"إعادة الاستقرار"، وفي فترة إعادة الاستقرار تظهر عوامل تختلف وتتفاوت من بلد لآخر تساعد على تحديد أثر الأزمة وطول أو قصر فترة الإصلاح ومحاولة ترتيب البيت الداخلي، هناك عوامل وحيثيات أخرى وقعت خلال الأزمة أو بعد وقوعها، وساعدت على تفاقم آثارها لكنها لم تقم أسبابا كما يدعي البعض، أحد العوامل التي يمكن فهمها من خلال المقارنة بين وضع كوريا الجنوبية مع صعوبته ووضع إندونيسيا هو أسلوب مواجهة الحكومة للأوضاع والإدارة السياسية الساعية لحلها، ثم عامل الديون الأجنبية التي تضاعفت قيمتها وأثقلت القطاع الخاص، وفاجأت الدولة والعالم بكبر حجمها في بعض الدول، ومع انخفاض العملات المحلية أصبح من الصعب على شركة أو بنك أن يرد الديون، ومع ارتفاع أسعار الفائدة فإن هذا قد يؤدي إلى إفلاس الشركة أو انهيار البنك.

وهناك عوامل مساعدة أخرى خاصة بدول معينة كالوضع السياسي في إندونيسيا والانتخابات في الفلبين واضطرابات العمال في كوريا... إلخ، لكنها لم تكن عوامل رئيسة كما ذكرنا، ومن العوامل الخاصة بدولة دون غيرها النظام البنكي المتصدع في كوريا، فالبنوك الكورية كانت معتمدة على الحكومة مما جعلها فرصة سهلة للتغييرات السياسية، وبسبب تصادم مصالح الأجنحة السياسية والتجارية تعرقل تنفيذ مقترحات تحرير القطاع البنكي الكوري، كما أن "المجموعات الصناعية" الكورية نمت مع انتشار فكرة مفادها أن أي توسع لهذه الشركات هو شيء حسن، وهذا التوسع دفعها إلى التنافس والاستدانة من الداخل والخارج، ومع سوء الوضع البنكي ومجيء أزمة العملة انفجرت الكارثة مع موعد سداد الديون.

كما يمكن ذكر تعرض الأسواق لتدفق رؤوس الأموال قصيرة المدى، والتضخم الذي أصاب بعض الدول، وارتفاع حجم العجز مع ارتفاع حجم الإنفاق على مشاريع كبيرة، وغيرها من الأسباب التي نسمعها ويمكن تصنيفها في باب العوامل المساعدة غير المباشرة التي أضعفت من مناعة هذه الدول.

مغالطات حول أسباب الأزمة

وهناك قائمة طويلة من الأسباب التي ذكرها الباحثون والاقتصاديون الغربيون، وكلها تتركز في أن الخطأ نشأ داخليا، وليست هناك أي عوامل خارجية، أو أن يقول بعضهم إنه كانت هناك نقاط ضعف في أسس اقتصاد هذه الدول واستغلها المضاربون، ويذكرون من نقاط الضعف الفساد الإداري وسوء التخطيط الحكومي أو الإدارة المالية، وقد شاعت مغالطات حول إرجاع الأزمة إلى أسباب لا علاقة لها بها وإن كانت ذات علاقة ضئيلة أو غير مباشرة، أو على الأقل في دولة أو دولتين فقط.. ومن هذه الأخطاء:

  1.  تعميم الحديث السلبي على كل الدول مع أن بعض الدول بدأ طريق التعافي من الأزمة.
  2.  تصوير الأزمة على أنها الأولى وستكون القاضية مع أنه كانت هناك أزمات أخرى كلية أو جزئية في تأثيرها وخرجت منها الدول وعادت لعافيتها.
  3.  وصف الأزمة بأنها "فيروس آسيوي" مع أن مناطق أخرى في العالم واجهت نفس القدر أو ما شابهه.
  4.  أرجع البعض سبب الأزمة إلى غياب النظام الديمقراطي الغربي، واعتبروا أنه لو طبق بحذافيره لما حصل ما حصل، لكن دولا ديمقراطية في المنطقة لم تسلم من الأزمة أيضا، كما أن بريطانيا واجهت أزمة عام 1992م فهل كان السبب خلل في ديمقراطيتها؟ والحق أن لذلك تأثيرا ولكن في بعض الدول فيما يخص التعامل مع الأزمة، ولعل إندونيسيا وماينمار أوضح الأمثلة هنا عند الحديث عن الديمقراطية بواقعية.
  5.  وجد البعض الوقت مناسبا لمهاجمة ما عرف بـ "القيم الآسيوية"، مع محاولة إثبات أفضلية القيم الغربية.
  6.  قيل إنه كان على الدول الآسيوية أن تأخذ بـ "النصائح" والتحذيرات المبكرة لكن الحق أن معظم التقارير الدولية كانت مادحة لسياسات ووضع هذه الدول.. للقد كانت الأزمة مفاجأة لصندوق النقد الدولي الذي لم يتوقع في البداية انتقال عدوى الأزمة من تايلاند إلى جيرانها بهذه السرعة.
  7.  اعتبار الدول جميعها كتلة واحدة في مشاكلها وقدراتها، وبخاصة من قبل المستثمرين مع اختلاف الدول في امور كثيرة، ولذلك بدأ الجميع سحب أمواله من المنطقة بأسرها، وكان حريقا شب في غابة استوائية جافة.
  8.  تصوير عامل "الشفافية في النظام المالي" على أنه الحل لجميع الأزمات، وقد نفت د. سيتي أختار عزيز- المدير المساعد للبنك الوطني الماليزي- ذلك في دراسة قدمتها لمؤتمر نظمه صندوق النقد الدولي بعنوان: "شرق آسيا.. استعادة صحة القطاع المالي"، ومن خلال مسح أجرته أثبتت أنه مع وجود كم كبير من المعلومات في السوق المالية الماليزية فإن المشكلة أن السوق واللاعبين فيه قد لا يفسرون هذه الحقائق بدقة، ولذلك فالشفافية ليست دواء كل أزمة مالية.

وقد أثبت آخر مسح لدرجات الشفافية أن عددا من الدول الآسيوية يتمتع بمستوى جيد من الشفافية مقارنة بأمريكا وبريطانيا.

كيف يمكن لآسيا أن تنهض؟

لا ينكر أحد آثار الصدمة المالية التي جعلت الملايين من الآسيويين يواجهون فقرا مفاجئا ويزداد فقر الفقراء فيها بعد أن طرد من العمل عشرات الملايين، وبدأت تظهر آثار الأزمة الاجتماعية والتعليمية والصحية.. إلخ، ومع أن آسيا الشرقية واجهت عدة أزمات سابقة فلقد اعتبرت الأزمة الحالية الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.

لقد تركت الأزمة بصماتها في معظم- إن لم يكن كل- جزئيات حياة الإنسان الآسيوي.. حتى "ملاك الأموال" وعددهم 57 من بين أغنى 200 رجل في العالم، حتى هؤلاء خسروا 61 مليار دولار مقابل ارتفاع ثروة أغنياء أوروبا وأمريكا في نفس الفترة بنسبة وصلت إلى 24% ومع هذا كله فإذا افترضنا قدرة النمور الآسيوية على النمو من جديد فكيف يكون ذلك؟

إحدى الدراسات التي تحاول أن تجيب عن هذا السؤال أعدها المعهد الماليزي للدراسات الدولية والاستراتيجية، وقد طرحها رئيس المعهد د. نورالدين صوفي، وتتضمن سبع نقاط:

  1.  التقشف أولا في الإنفاق وترشيده سواء من قبل الحكومات أو القطاع الخاص.
  2.  زيادة مستوى الإنتاجية إلى الحد الأعلى، إنتاجية العمالة ورأس المال.
  3.  الفوز في معركة ميزان المدفوعات برفع حجم التصدير وتقليص الاستيراد.
  4.  خفض التضخم.
  5.  حشد الجهود للقضاء على الفساد الإداري والمالي وغيرهما من السلوكيات التي يمكن أن تقضي على مكامن قوة المجتمعات الآسيوية.
  6.  سوقنة الاقتصاديات ولا يقصد بذلك المزيد من التحرر والانفتاح، بل أن يترك للسوق المساحة الأكبر ليلعب دوره في عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية وإخراج السياسيين من دائرة القرار التجاري.
  7.  العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة طويلة المدى.

ومن أجل تنفيذ هذه التدابير لا بد من وجود الاستقرار أو التضامن السياسي والوحدة الوطنية لكل بلد، والقيادة الحكيمة القوية.

وعموما فقد ظهر الكثير من المقترحات ويمكن إجمال أهمها في النقاط الآتية:

استغلال الأزمة في المناقشة وحل نقاط الضعف: في البنية الاقتصادية والمالية للدول الآسيوية، وقد دعا المستشار الاقتصادي للحكومة الماليزية دائم زين الدين الحكومة والقطاع الخاص إلى اعتبار الأزمة فرصة لتصحيح الأخطاء من أجل وضع أفضل، واعتبار فترة الأزمة فترة تعديلات للأنظمة لتتكيف مع تحديات القرن القادم بعد استخلاص الدروس من الأزمة، والتي فتحت أعين الجميع على ما تخفيه العولمة لهم، ولو لم تكن هذه الأزمة لأصيب بعض الدول بالصدمة إذا استثمرت تنمو بالشكل الذي كانت تنمو عليه بدون إصلاح، ولقد قال أحدهم: "إن أسوأ الفترات قد تكون أحسنها".

  1.  رفع حجة التصدير: يعتبر الكثيرون أن التصدير وزيادة حجمه هو أهم عوامل خروج آسيا من أزمتها، فيما يرى آخرون أن النمو ذا التوجهات التصديرية والذي كان المحفز الرئيس لنمو آسيا قبل الأزمة ليس حلا شاملا، ولكنه أحد الجزئيات، التصدير لم يتحسن في عدد من الدول الآسيوية كما كان مأمولا وتحتاج الدول إلى رفعه بنسبة 50-60% كما فعلت المكسيك في أزمتها قبل سنوات، فانخفاض عملات دول المنطقة بالطبع لن يدفع الياباني أو الأوروبي أو غيره إلى شراء سلعة آسيوية لا حاجة له بها فقط لأنها رخيصة، ومن جانب آخر فما زالت السلع الآسيوية تواجه مصاعب في الوصول إلى الأسواق الغربية والأمريكية.

وقد طالب مسؤول سنغافوري في اجتماعه بأوروبيين "السماح" لدول آسيان أن تحقق فائضا تجاريا معها ولو لفترة قصيرة وبعدها- على حد قوله- إذا تحسن وضع الآسيويين يشترون السلع الأوروبية، أما السفير الأمريكي في كوالالمبور فقد حذر من ردة فعل الشركات في بلاده أمام حملة إغراق الأسواق بالسلع الآسيوية، وقال إنه من المستبعد أن تقف الشركات الأمريكية مكتوفة الأيدي، حيث إن ذلك سيؤدي إلى رفع العجز التجاري الأمريكي.

إحدى الدراسات البريطانية توقعت ارتفاع حجم التصدير مع بداية عام 1999م من آسيا إلى أوروبا وانخفاض الاستيراد ولمدة 3-5 سنوات.

  1.  ضرورة الإصلاح: إن لم تقم الدول الآسيوية بإجراء الإصلاحات الازمة داخليا فستجبر على الإصلاح من قوى خارجية- كما يقول وزير المالة الماليزي أنو إبراهيم-، ويضيف: إن آسيا ستنهض من جديد إذا غيرت من أساليبها التي أثبتت الأزمة أنها خاطئة لا لإرضاء الغرب ولكن لأن هذا هو الذي ينبغي فعله، أحد هذه الإصلاحات إصلاح النظام المالي، وبخاصة البنوك التي ستوجه فترة صعبة في الشهور القادمة.

الإصلاحات المالية والقانونية أيضا سبب مهم في عودة المستثمرين الأجانب إلى الأسواق المالية، حيث إن كثيرا منهم فقد الثقة في قدرات الحكومات الآسيوية، وتعتبر الإصلاحات المالية الأكثر أهمية وأحد أبرز مظاهرها حركة الاندماج السريعة بين البنوك، ففي ماليزيا مثلا ستندمج 39 مؤسسة مالية لتصبح 8 مؤسسات مالية فقط، ما زال قطاع البنوك الماليزي بحاجة إلى 5 مليارات دولار على الأقل كرؤوس أموال جديدة.

وفي كوريا تقع إصلاحات القطاعين البنكي والتجاري كذلك على رأس مهمات الدولة، ثم إعادة جدولة دفع الديون البالغة 154.4 مليار دولار من أجل إعادة الثقة في الاقتصاد من جديد.

  1.  الشفافية: وهذه مسألة أكدت الأزمة على ضرورتها مع أنها تبدو غير ذات أولوية عد البعض لكنها بالطبع مهمة في عالم الاستثمار الأجنبي اليوم، وكان أحد أسباب الأزمة عدم قدرة الدول والشركات على التواصل بصورة جيدة مع المستثمرين والسوق المالية وهو أمر مهم بالنسبة للمستثمر الذي يريد معرفة الخير والشر مقدما، ولذلك وجد الإعلام الفرصة سانحة للتأثير على قرارات المستثمرين بتصويره للوضع بصورة سلبية بشكل مفاجئ.
  2.  التقنية: عندما أعلنت ماليزيا عن تدابيرها التقشفية ومن ضمنها تأجيل المشاريع الضخمة لم تؤجل مشاريع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وستعمل على جذب الخبرات والتقنيات الغربية في هذا الجانب الذي لم يعد من الكماليات، بل من ضروريات العيش في القرن القادم، ومن المتوقع أن تتفق دول شرق آسيا خلال الـ 10 سنوات القادمة ما قيمته 1.5 تريليون دولار في هذا المجال، لكن "الاتفاق التقني" يتفاوت من بلد إلى بلد وعلى رأس هذه القائمة ماليزيا وسنغافورة، وقد بدأت الأخيرة بناء مشروعها المعروف بـ "الشبكة الأولى للجميع" لربط جميع سكان الجزيرة بشبكة تخدمهم في مجال التجارة والتعليم والصحة والنزهة، أما ماليزيا فقد بدأت تجذب كبرى الشركات التقنية لمشروعها الكبير المعروف باسم "الممر المتفوق للوسائط المتعددة" ذي التكلفة البالغة 10 مليارات دولار، وهو منافس قوي لنظيريه في سنغافورة وهونج كونج، وهذه الدول الثلاث ستكون في مقدمة مسيرة "تقنية المستقبل"، ويعتمد مستقبل آسيا في أحد في أحد جوانبه على هذا العامل، وقد قيل: "إن مشاريع الشبكات الكبيرة أحد بطاقات سفرنا القليلة نحو المستقبل".
  3.  الاستثمارات الأجنبية: وتعتب عودتها بقوة من عوامل الخروج من الزمة، و"تجديد رؤوس الأموال" على المدى الطويل، ولا يتوقع أن يعود الاستثمار إلى حجمه السابق إلا بعد عام ونصف العام على الأقل.
  4.  أطراف دولية مهمة: بالإضافة إلى أهمية دور المستثمرين والدول الأوروبية وأمريكا في فتح أسواقها للسلع الآسيوية كعوامل خارجية لإصلاح الوضع الحالي، فهناك 3 أطراف أخرى مهمة هي:
  5. اليابان: والتي ما زال الغربيون ينتقدونها بعدم أداء دورها المطلوب، حيث من الضروري أن تحفز اليابان اقتصادها حتى تكون سوقا رئيسة للسلع الآسيوية.

وبالرغم من آخر مسح لآراء مديري الشركات اليابانية أظهر أن 53% منهم يعتقد أن الاقتصاد الياباني في تدهور، فإن اليابان تعرف أهمية تعافي اقتصاديات دول شرق آسيا بالنسبة لها فتحاول بذل ما تستطيع، وكان آخر ما أعلن عزمها على توفير معونة قدرها 42 مليار دولار للدول المأزومة، ولقد أثبتت إحدى الإحصائيات أن مساعدات اليابان الدولية بلغت أكثر مما أعانت الولايات المتحدة الدول الأخرى بـ 14 ضعفا، و3 أضعاف ما أعانت به الدول الأوروبية.

ب- الصين: وتعتبر قوة استقرار قاومت دعوات غربية لتعويم عملتها، ولذا فالسوق المالية العالمية تدين للصين بكثير من العرفان لإدراكها  قلة فائدة تعويم العملة التي أجبرت عليها دول شرق آسيا الأخرى، ولقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين الصين ودول جنوب شرق آسيا العام الماضي مع وجود الأزمة مقارنة بعام 1996م بنسبة 22% ليصل إلى 25 مليار دولار، وهو أعلى نسبة في نمو صادرات الصين وقدمت الصين معونة ميسرة السداد إلى تايلاند بمليار دولار، وقدمت 600 مليون دولار لإندونيسيا.

ج- المنظمات الدولية: وأهمها صندوق النقد الدولي الذي أصبح أكثر البنوك الدولية نفوذا في الدول التي منحها قروضا، فإذا لم يؤد البنك دوره كاملا فالوضع معرض لمزيد من التردي، وهنا يدب الخلاف حول انتقادات الصندوق وشروطه وأساليه، وحتى معلوماته وتقاريره، فمع أنه امتدح إجراءات وتدابير الحكومة الماليزية لإصلاح وضعها الاقتصادي، فقد قال رئيس وزرائها د. مهاتير محمد: إن الوضع ما زال صعبا بالرغم من ثناء الصندوق والبنك الدولي، وقال: إنهم أثنوا على آسيا قبل الأزمة مباشرة، ثم وقعت الأزمة لأنهم ليسوا الذين يعينون مدى تحسن الوضع وحدهم، ولكن تجار العملة وأصحاب الأموال، وقد دعا الدكتور روبرت لورنس من جامعة هارفارد الصندوق إلى التركيز على 3 قضايا: إصلاح القطاع المالي، وإعادة تشكيل ديون القطاع الخاص، والاهتمام بالآثار الاجتماعية للأزمة، وعدم إهمال البعد الإنساني لها، وهناك منظمات دولية أخرى لكنها لم تقم بالدور بشكل مأمول كمجموعة السبعة الكبار، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والمجموعة الأوروبية... إلخ.

والسؤال المثير الذي يطرح نفسه هو: هل ستنتج سياسات صندوق النقد دولا نامية من جديد أم دولا نامية؟ وهل مكن توقع سيناريو نجاح سياساته في دول وعدم نجاحها جزئيا أو كليا في دول أخرى؟

وهكذا يطول الحديث عما هو مطلوب فعله من دول وشركات وبنوك، بل شعوب آسيا للخروج من الأزمة، فهناك شروط وتدابير مطلوبة في بلاد وغير ضرورية في دول أخرى، ولكل بلد وضعه الخاص الذي يفرض عليه تقديم أمور على أخرى، ولكل بلد قبل ذلك قدراته، بل تختلف مستويات استجابة الحكومات وسرعة تنفيذها الإجراءات المناسبة من دولة إلى أخرى، بالإضافة إلى قضايا تفصيلية لما ذكر آنفا مثل المحافظة الاستقرار السياسي ما أمكن كعامل جذب للمستثمرين وعدم إهمال السياسات طويلة المدى، وإيداع الأموال بالعملات المحلية في البنوك المحلية كعامل دفاعي ضد هجوم "عملاتي" جديد محتمل، عدم الاعتماد على الديون قصيرة الأجل بشكل يعرض القطاع المالي لأزمات جديدة باعتبارها أحد نقاط الضعف، المحافظة على نسب ادخار عالية ومستويات تعليمية جيدة، وسياسات مالية حذرة، وأخلاق تجارية حسنة، واستغلال الأسواق الكبيرة، والمحافظة على نسبة نمو الإنتاجية العالية والتي ما زال عدد من الدول الآسيوية يتفوق فيها على دول صناعية، وإعادة بناء قطاع الصناعات الاستراتيجية، وزيادة الإنتاج الزراعي، والاهتمام بالجانب الصحي والبيئة لصالح التنمية بشكل أكبر، وتعزيز جهود البحوث والتطوير والعلوم، وتأكيد عدالة التوزيع والحذر من تكرار النموذج الغربي بحذافيره وتصوراته للمجتمعات المتقدمة التي تطمح إلى أن تكون دولا آسيوية عديدة في قائمتها مع حلول العقد الثاني من القرن القادم.

هل عادت الثقة؟

أن يبدأ بعض الشركات والمستثمرين بالعودة إلى آسيا فهو خبر مفرح.. لكن لا تستعجل، يقول أحد المستشرقين البريطانيين: إن الأزمة فرصة إذا عرفنا أن شركة عقارات إندونيسية مثلا كانت تباع قبل عام بمليار ونصف مليار دولار يمكن شراؤها اليوم بـ 10% من ذلك السعر! ويضيف: لكن على المستثمر الحذر حتى في شراء الرخيص من الأسهم والشركات التي وصفها بأنها فرص ذهبية، ومع ذلك فهو على وشك تأسيس شركة استثمارية في المنطقة ذات رأسمال يبلغ نصف مليار دولار، مستغلا بذلك أوضاع الأزمة.

ويتوقع أن تكون إحدى نتائج الأزمة حصول تغيرات كبيرة في دنيا الشركات والمستثمرين، فأسماء مشهورة ستغيب تماما، اما الشركات التي تستطيع الصمود فستخرج أقوى مما كانت عليه.

لقد بدأت الاستثمارات تعود لآسيا من جديد بعد انخفاض بل توقف في بعض القطاعات منذ بداية الأزمة في يوليو 1997م، ففي ماليزيا مثلا صرح أحد المسؤولين بأن سلطان بروناي حسن البلقية وكثير من البرونيين حصلوا على بعض الأسهم في مركز لابوان الدولي للخدمات المالية الخارجية في شرق ماليزيا، وأن مستثمرين عربا كانوا على رأس من عادوا لشراء الأصول الماليزية، وسبقوا بذلك غيرهم، ويقول المستشار الاقتصادي الماليزي دائم زين الدين: "إنهم جاؤوا في الوقت المناسب، وقد التقوا بي وهو راضون لدرجة كبيرة عن استثماراتهم"، وقال: إن أحدهم هو الأمير وليد بن طلال الذي اشترى 2% من أسهم شركة بروتون الماليزية للسيارات.

ومع دخول شخصيات مثل المير وليد بن طلال وحتى جورج سوروس فإن الكثيرين بدأوا إعادة النظر في قراراتهم فقد يفقدون فرصة ذهبية تمنحها لهم الأزمة.

ومن الأمثلة الأخرى للاستثمارات الجديدة التي بدأت منذ 3 أشهر تقريبا: شراء شركة باسف الألمانية أحد أقسام شركات دايسانغ الكورية بقيمة بلغت 600 مليون دولار، وشراء أسهم قيمتها 580 مليون دولار من قبل مستثمرين أجانب في بنك الفلاحين التايلانديين، كما أن شركة جي إي الأمريكية دخلت في صفقة مشتركة مع شركة يابانية قيمتها 570 مليون دولار، وشراء شركة كوكاكولا لإحدى شركات تعبئة المشروبات الكورية بـ 441 مليون دولار.

وهناك استثمارات أخرى قادمة وهي ما تعرف بـ"الاستثمارات الاستراتيجية"، فشركة جنرال إلكتريك الأمريكية تخطط لاستثمار 40 مليار دولار في الدول الآسيوية، وشركة باسف الألمانية تنوي استثمار 6.5 مليارات دولار، وشركة سي.دي. سي التايوانية تنوي ان تستثمر ما قيمته مليار دولار أسيان، فهل هذه الأمثلة مؤشر على بدء عودة الثقة في نفوس المستثمرين بأن آسيا ما زالت أرض الفرص الذهبية؟!

هل سيتحقق الحلم؟ .. ومتى؟

هل سيشهد العالم نهوض "أعجوبة" أسيوية جديدة بعد الزمة التاي حلت بها؟ ومتى؟ مع إجماع معظم المحللين المختصين وتقارير المؤسسات الاقتصادية على قدرة الدول الآسيوية على النهوض من جديد إذا طبقت التدابير الصحيحة المطلوبة، مع ذلك فالخلاف يدور حول تقدير فترة "العناية الاقتصادية المركزة" بهدف "استعادة عافية" اقتصاديات الدول كم جديد، الحقيقة الأولى المتفق عليها أن الدول مختلفة في أوضاعها وهو ما بدأ المستثمرون الاقتناع به أخيرا، وقد دعاهم ذلك إلى مراجعة خططهم الاستثمارية على أساس الدول وليس المنطقة فحسب، وقد قسم الباحث السنغافوري نيل سيكر دول شرق آسيا- باستثناء الصين واليابان- إلى 3 مجموعات في ظل الأزمة الحالية:

  1. الدول الناجحة بامتلاكها أنظمة قوية مع القدرة على مواجهة التحديات الجديدة وهي: هونج كونج- سنغافورة- تايوان- ماليزيا.
  2.  الدول التي خسرت من الأزمة وأصيبت بنقاط ضعف لكنها ليست في وضع خطير، ويضع نيلك سيكر الفلبين وحدها في هذه المرتبة مع احتمال هبوط دول من المرتبة الأولى، أو صعود أخرى من المرتبة المنخفضة إليها.
  3.  وهي الدول الخاسرة على المدى القصير، فبنوكها ومؤسساتها المالية واقعة في ورطات كبيرة، بل انهار كثير منها وهي: كوريا الجنوبية، وتايلاند، وإندونيسيا، وهذه آخر القافلة الآسيوية.

آخر تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادرة الشهر الماضي توقعت أن آسيا بجملتها لن تتعافى حتى العام القادم 1999م وذكر تقرير المنظمة أن الوضع قد يسوء هذا العام، ويتفق مع تقسيم الدول الذي ذكرناه، حيث ركز في نهايته على الوضع المتفاقم في إندونيسيا، ولذا فمن الضروري لها استقرار أسعار صرف عملتها، وإعادة ثقة المستثمرين بإجراء الإصلاحات الهيكلية المطلوبة، وأيد ذلك تقرير صادر عن الأمم المتحدة، وأكد ركود النمو حتى عام 2000م في دول جنوب شرق آسيا بعد أن كانت أسرع منطقة نامية في العالم، ولذلك فإن البعض يرى أن عام 1999م أو عام 2000م هو بداية "التعافي" الحقيقي، وبدء رجوع نسبة النمو إلى عهدها السابق، هذا على المدى القصير، أما على المدى المتوسط والطويل فإن التوقعات تظهر تفاؤلا وثقة بشكل واضح.

آراء مؤسسات دولية: ولنبدأ بذكر آراء المؤسسات الدولية المهمة وعلى رأسها صندوق النقد المتذبذب في تقاريره لكنه في آخر تصريح لرئيسه ميشيل كامديسو قال: إنه بالرغم من توقعه لتفاقم الوضع على المدى القصير فإنه متفائل بمستقبل المنطقة، وضرب بكوريا مثالا على قدرة آسيا على التعافي بصورة أفضل مما كان عليه متوقعا.

أما البنك الدولي فقد قال نائب رئيسه لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادي جين مايكل سيفرينو: إن دول المنطقة تحتاج ما بين 3-4 أعوام حتى تستعيد نسبة نمو عالية مع بقاء غموض حول الوضع خلال هذه الأعوام، وقال: إن النمو لن يبدأ بالتحسن إلا في العام القادم، أما مدير البنك فقد توقع ظهور "أعجوبة آسيوية" أخرى بعد 3 سنوات، وقد تكون بصورة أفضل من "الأعجوبة الأولى"، ولم ينس القول بأن هذا يعتمد على حسن الإدارة وحسن إعادة بناء الدول لأنظمتها المالية ومعالجتها للآثار الاجتماعية للأزمة، وكان تقرير صادر عن البنك نفسه توقع أيضا عودة دول المنطقة إلى نسبة نمو 5-7% وقد تكون أقل مما كانت عليه قبل الأزمة مع بقائها بمستوى هو ضعف ما تنمو به الدول الصناعية.

أما بنك التنمية الآسيوي فقد قال رئيسه متساو ساتو إن الأزمة قربت من النهاية مع بدء الدول تطبيق التدابير التقشفية والتصحيحية مع تأكيده على اختلاف فترات الإصلاح من دولة إلى أخرى، وقال: "إنه من الصعب جدا أن نتوقع مدة استمرار الوضع الحالي في إندونيسيا بالذات" كما توقع ظهور تحديات جديدة أما الدول، فمن الخارج تأتي تحديات الانفتاح الاقتصادي ومن الداخل تأتي مطالبة المواطنين بضرورة التركيز على رفع مستويات الخدمات الصحية والاجتماعية والبيئية والتعليمية، وكان المسؤولون الآسيويون متفائلين جدا في اجتماع بنك التنمية في بداية الشهر الجاري وبصورة أكثر مما كانوا عليه في الاجتماعات السابقة مع اعتقادهم قدرتهم على الخروج من الأزمة بل قال أحدهم وهو من تايوان إن الأزمة لن تؤثر على الإنجازات بعيدة المدى للدول كما أنها ستدفع دول آسيا إلى تطبيق إصلاحات في أنظمتها تساعد على حفظ استقرار الأنظمة الاقتصادية ونموها بشكل أفضل، أما منظمة الاتحاد الأوروبي فيقول نائب رئيسها ليون بريتان: "أريد أن أؤكد أن لدي الثقة الكاملة في أن دول آسيا ستعود إلى قوتها، وستعاود مسيرة النمو"، كما عبر قادة أوروبيون في عدة مناسبات عن ذلك أيضا مع تركيزهم على ضرورة تنفيذ الإصلاحات كشرط لذلك.

من آراء الشركات

وأكدت وكالة أونكتاد التابعة للأمم المتحدة والمجلس العالمي للتجارة أن كبرى الشركات العالمية ما زالت واثقة من مستقبل الاستثمار في شمال شرق وجنوب شرق آسيا، وكان هذا التصريح مبنيا على أساس استطلاع أجري من قبل المنظمتين الدوليتين، حيث تأكد أن 81% من الشركات لم تغير من تصوراتها الإيجابية عن الاستثمارات المباشرة في المنطقة مع مجيء الأزمة، وقال 13% منهم إن توقعاتهم قد تحسنت، بل قالت شركة من كل أربع شركات إنها سترفع من حجم الاستثمارات المتوسطة المدى، وقالت نسبة 62% من مجموع 500 شركة متعددة الجنسيات إنها عازمة على الاستمرار في خططها الاستثمارية في المنطقة، وتعرف وكالة أونكتاد باستطلاعاتها الناجحة حول تصورات وآراء الشركات الدولية، أما السكرتير العام للمجلس العالمي للتجارة فقد وصف نتيجة الاستطلاع بأنه: "صوت مدوي يعبر عن الثقة بأصول اقتصاديات شرق آسيا وبإمكانات المنطقة المستقبلية"، ولقد أظهر الاستطلاع أن الأوروبيين أكثر تفاؤلا من الأمريكيين وحتى الآسيويين.

ومن بين البنوك نختار رأي البنك البريطاني المعروف "ستاندرد تشارتد" الذي أشار بتقريره السنوي لعام 1997م إلى أن البنك واثق من أن آسيا ستتعافى من أزمتها في مدة متوسطها عامان، ويعرف عن البنك تركز أعماله في شرق آسيا، ومع أنه خرج متأثرا من الأزمة بسبب الديون الممنوحة لجهات آسيوية لكن أرباحه كبنك أجنبي- وليس محليا- لم تقل عن أرباح عام 1996م، وقال رئيس البنك: "إننا نؤمن بأن مستوى نمو الاقتصاد في آسيا ككل سيتحسن بالتدريج وسيرجع إلى مستوى ثابت وقوي بعد عامين"، الجديد بالذكر أن كثيرا من البنوك الأجنبية قد استفاد من الأزمة، وهو عكس حال البنوك الآسيوية.

 

نقاط

الهجوم مستمر.. والعدو يتراجع!

بقلم/ أحمد عزالدين

 الهجوم الذي شنه العسكر في تركيا على حزب الرفاه وأسفر عن حل الحزب بقرار من المحكمة الدستورية (التي لا تملك قرارها باعتراف رئيس القضاة السابق) هذا الهجوم لم يكن سوى إيذان ببدء المعركة.

وكما يحدث في أي معركة حربية فإن تراجع "الخصم" إلى الخلف خطوة أو خطوات يغري الجيش المهاجم بالتقدم لكسب أرض جديدة وحصار "العدو".

وعسكر تركيا مزودون بأسلحة كثيرة متقدمة فمعهم الدستور الذي وضعوه والقوانين التي سنوها، والإعلام الذي اشتروه، والحكومة التي حملوها إلى كرسي السلطة، ولذلك فهم لا يترددون في فتح الحرب على كل الجبهات السياسية، والاقتصادية، والتعليمية.. وكل مربع أرض يمكن الوصول إليه.

والجيش يحارب باستراتيجية أنه الرابح في كلا الاحتمالين، إما أن يتراجع الخصم ويظل يتراجع ويتراجع تحت ضغط الهجوم حتى يتم حصاره في مساحة ضيقة من زاوية بعيدة عن المجتمع، أو أن ينفجر الخصم تحت تأثير الضغط الشديد فيدخل في مواجهة غير متكافئة، لا هو راغب فيها، ولا هو مستعد لها، والجيش يحارب وهو مطمئن استنادا إلى نتائج الحروب السابقة التي سجلها "التاريخ العسكري" في المنطقة فلم يحدث أن خسر الجيش في أحد الاحتمالين إلا في حالة واحدة هي إيران.. لأسباب معروفة.

ويبدو أنه وسط وطيس المعركة نسي عسكر تركيا أخلاقيات القتال، فبعد الحكم على نجم الدين أريكان بالحرمان من النشاط السياسي لمدة خمس سنوات يقدمونه للمحاكمة يوم 29 يونيو الجاري بتهمة إهانة المحكمة لأنه قال عقب قرار حل حزب الرفاه: إن القرار يفتقر إلى العدالة وأن الحكم صدر استنادا إلى قصاصات من الصحف (هل كانوا يتوقعون منه أن يهتف بعد الحكم: يحيا العدل؟!) وقد استقبلت السجون عددا من رؤساء البلديات التي فاز فيها الرفاه بعد صدور أحكام عليهم بالسجن وه وتتهيأ لاستقبال عدد آخر من النواب ورؤساء البلديات بينهم الطيب أردوغان- رئيس بلدية اسطنبول.

وعلى الجبهة الاقتصادية أغارت القوات على مقر شركة "دوست" للتأمين بدعوى تشكيل "تنظيم لتمويل النشاطات الرجعية والأصولية وغسل الأموال السوداء" وهاجمت منازل 16 من رجال الأعمال في منتصف الليل بتهمة تأسيس شركة التأمين المذكورة.

ولما لم يسلم فاضل قرامان- المدير العام للشركة- نفسه احتجزت القوات المغيرة زوجته لإجباره على تسليم نفسه، ويطالب الادعاء العام بمحكمة أمن الدولة بإغلاق جمعية موسياد وهي تجمع لرجال الأعمال المسلمين.

ولم يعد هم وزارة التربية ورؤساء الجامعات تطوير التعليم والمناهج ولكن منع أصحاب اللحى وربات الحجاب، ولا ندري هل يمنع الحجاب نفاذ المعلومات إلى المخ، أم اللحية تحول دون "بلع" المعلومات.

ويلاحظ أنه مع اشتداد الحملة على الإسلاميين عاود اليسار نشاطه، حيث عادت الجرائم السياسية تطل برأسها، فقد أطلقت النار على رئيس جمعية حقوق الإنسان التركية وعلى أحد أئمة المساجد المعروفين في اسطنبول، وعلى عضو بالهيئة الإدارية لحزب الحركة القومية، وعلى ابن عم مساعد رئيس حزب الوطن الأم خلال فترة لم تتجاوز أسبوعين، ولكن عدم الاستقرار السياسي لا يهم العسكر الأتراك كثيرا، إذ المهم فقط هو تنفيذ الخطة الموكلة إليهم وإعطاء التمام على تنفيذها بنسبة نجاح 100%.

ولن نناقش هنا فشل الخطة العسكرية على المدى الطويل، فهذا أمر مفروغ منه.. إذ إن حالة "مد" إسلامي واحدة كفيلة بإزالة كل آثار العدوان العسكري.

ولم تعدم تركيا- رغم الإرهاب المعلن- من ينطق بكلمة الحق، فهذا صاقب صابانجي- رئيس إحدى الشركات العملاقة- لم تمنعه مصالحه الاقتصادية الكبيرة من أن يصدع بالحق، إذ يقول: "يقولون إن جمعية موسياد سيئة، وإن الطيب أردوغان ليس إنسانا طيبا.. حسنا.. من هو الطيب والجدي إذا لم يكن السيد أردوغان؟! أيعرف هؤلاء كيف يستطيع أي شخص أن يصل إلى المستوى الذي وصله السيد أردوغان؟.. إن نشأة الإنسان لا يمكن أن تقاس حتى بمليارات الدولارات".

لعل أكثر الآراء إثارة رأي صاحب كتاب "ميدغا تريند ايشيا" الذي توقع منه بروز شرق آسيا كقوة من القوى الاقتصادية، بل وصف هذه المنطقة بأنها ستكون "محطة توليد" اقتصادية وسياسية على المستوى الدولي، وعندما شارك د. جون نايسبت في مؤتمر اقتصادي في مدينة كوتاكينا بالو الماليزية سئل أما 300 مسؤول وأكاديمي عما إذا كان قد تراجع عن رأيه كغيره أم ما زال يؤمن بما كتب في كتابه الذي صدر قبل الأزمة؟

وكان رده بدون تكلف وعكس الكثير من الباحثين الذين غيروا آراءهم السابقة أنه ما زال يؤمن بما قال وأن دول شرق آسيا ستتبوأ مقعدا مهما في العالم، وأن مراكز الثقل بدأت بالانتقال من الغرب إلى الشرق، وقد وصف هذا التحول في ميزان القوى بأنه "موجة مد"، وأنه سيستمر بالرغم من نكسة الأزمة، وأرجع ذلك إلى ما تمتلكه دول وشعوب آسيا، ثم قال: إن على آسيا إن أرادت أن تكون حقا "محطة توليد" فعلى دولها أن تتبع وصفة دواء مرة، وإن الصعود الذي دام طويلا دعل بعض القادة السياسيين والاقتصاديين في آسيا يشعرون بالفخر بشكل تحول إلى رضا ذاتي بما حققوه، والإعجاب بالإنجازات التي لا ينكرها أحد، لكن هذا السلوك أثر عليهم. 

الرابط المختصر :