العنوان هجمة أوروبية شرسة على المسلمين في أوروبا
الكاتب فهد العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1993
مشاهدات 57
نشر في العدد 1059
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 27-يوليو-1993
خطر نمو الفاشية في أوروبا وأثره على المهاجرين
حذرت مجلة إمباكت البريطانية في عددها الصادر بتاريخ 11/6 من نمو
الحركات الفاشية في أوروبا، وأثر ذلك على المهاجرين، وضربت على خطر هذه الحركة
مثلاً في كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا، وفيما يلي نص المقال:
كانت عائلة «دورمس جنك» تتطلع إلى الاحتفال بعيد الأضحى في اليوم
التالي، إلا أن هذا لم يتحقق أبداً؛ فقد أضرمت النيران في بيتهم الخشبي الواقع في
المدينة الصناعية سولنجن بألمانيا، وذلك في الساعات الأولى من نهاية شهر مايو
الماضي (29/5) فتوفي على إثر
الحريق خمسة من أفراد العائلة، ثلاثة أطفال وامرأتان تتراوح أعمارهم بين أربعة إلى
سبع وعشرين سنة، ثلاثة منهم كانوا من مواليد ألمانيا، والبقية من الأقارب الزائرين.
هذا وتشير الأرقام إلى ازدياد معدل الاعتداءات العنصرية على الأجانب
في ألمانيا، حيث سجلت إحصائيات العام الماضي 3000 حالة اعتداء ضد المهاجرين
الأجانب، ففي نوفمبر من عام 1992 لقي ثلاثة أتراك حتفهم حرقاً، وذلك في مدينة مولن
بشمال ألمانيا، وقد وجهت أصابع الاتهام في الحادث إلى فصائل عنصرية من اليمين
المتطرف، أو ما يسمى بالنازية الجديدة، كما وجهت الشرطة الألمانية تهمة حرق المنزل
الخشبي وقتل النسوة الأتراك إلى شاب ألماني يدعى كرستيان رايهر، ويبلغ من العمر
السادسة عشر، ويسكن في الشارع المقابل لعائلة «دورمس جنك»، هذا وقد أكد شهود عيان
أن رايهر- وهو حليق الرأس ومن أرباب السوابق- كان يتجمع مع شباب على نفس هيئته
بالقرب من منزل عائلة جنك يشرب الخمر، ويتسابق بسيارات الجيب عبر ممرات الغابة،
كما أنه كان يرفع هو وأصدقاؤه أعلاماً وشعارات مميزة تحمل شعار «الصليب المعكوف»
وهو شعار النازية الجديدة.
موقف الشرطة والسلطات الألمانية
أما حال الشرطة فهو سلبي عاجز، بل وفي بعض الأحيان منحاز بجور، فقبل
ثلاثة أشهر وفي حادثة مماثلة، تعرضت فيها شقة أحد الأتراك ومسجد مجاور لقذائف
قنابل حارقة، لم تحرك الشرطة ساكناً، بل اتهمت الأتراك أنفسهم بإشعال النار. هذا
وقد عرضت الشرطة في قضية حرق الأتراك الأخيرة أربعة من الرسوم التقريبية لأشكال
الجناة المشتبه بهم، بيد أنها- أي الشرطة- لم تلبث أن سحبت تلك الصور بعد أن أدلى
رايهر بأسمائهم كمشاركين له في الجريمة، ملقين بذلك اللوم على رايهر وحده، على
الرغم من أن محاميه نفسه قال في تصريح له بأن موكله قد ذكر بأنه ما زال هناك اثنان
من المشاركين معه طلقاء لم يقبض عليهم بعد.
البعض يقول إن الشرطة أرادت من هذا الاستثناء أن تبين أن ما حدث كان
نتيجة عمل فردي، وليس نتيجة ظاهرة منظمة، إلا أنه وتحت الضغط الإعلامي للقضية،
قامت الشرطة مؤخراً بإلقاء القبض على ثلاثة من الشباب يشتبه في تورطهم في حادث
الاعتداء.
من جانب آخر، صرح رئيس هيئة الاستخبارات الداخلية «مكتب الحماية
الدستوري» في برود شدید، أو بنوع من اللامبالاة، بأن ما حدث لا يعدو كونه فعل
مجموعة من الشباب الطائش، ولهذا طالب دايتيل فوجل- المتحدث الرسمي للحكومة- الناس
بألا يظنوا أن الشرطة قادرة على حماية الأجانب، فالجرائم ضدهم واردة مهما كانت
ترتيباتنا الأمنية قوية، غير أن وزير الداخلية «رودولف سيسترز» عاد فاعترف أن
جريمة حرق الأتراك الأخيرة تحمل في طياتها رائحة الظلم والعنصرية، كما ذكر أحد
المهاجرين من إيطاليا- والذي يسكن في نفس المنطقة- أن الحادث يعتبر منظماً وليس
عشوائياً، ولكن يبقى السؤال: من المسؤول الحقيقي عن تنظيمه؟ فعلى الرغم من التعاطف
الواسع من الشعب الألماني إزاء حادث سولنجن، إلا أن ردود فعل المستشار الألماني
هيلموت كول جاءت مناقضة تماماً، فقد رفض كول نصيحة كل من حزب المعارضة، وحزبه
المسيحي الديمقراطي لحضور صلاة الجنازة في مسجد مدينة كولون، وذلك بحجة انشغاله
بتصريح يجب إذاعته فوراً في التلفزيون، وقد علل المسؤول الحكومي دايتيل فوجل سبب
الرفض بأن كول يكره السفر للتعزية، وفي رسالة تلفزيونية وجهها كول إلى الجماعات
التركية المتطرفة، قال بأنها قد تتعرض إلى الاعتقال والترحيل؛ لأنها تحرض الجماهير
على ممارسة العنف على حد قوله.
حقوق المهاجرين بين الظلم والإجحاف
كانت ألمانيا موطناً لعائلة «جنك» على ما يربو من ربع قرن، فلقد تمت
دعوتهم من بلادهم تحت ما يسمى بضيوف العمل، وساهموا في بناء ما دمرته الحرب
العالمية الثانية، حتى صارت ألمانيا دولة صناعية كبرى، فكانت النتيجة إرسال خمسة
من أفراد عائلة واحدة إلى بلادهم في أكفان مغطاة بالعلم التركي.
هذا وتعتبر عائلة «جنك» واحدة من مليون ضيف عمل في ألمانيا، أغلبيتهم
من الجيل التركي الثاني والثالث ممن عاشوا في ألمانيا، فهم بذلك أكثر ارتباطاً
بألمانيا من تركيا، ولكن على الرغم من كل هذا فهم لا يستحقون سوى الشيء البسيط من
حقوقهم، فهم لا يستحقون الجنسية الألمانية مثلاً، وقد حاولت الحكومة الألمانية
مراراً حض هؤلاء الناس على العودة إلى أرضهم تركيا، إلا أنه وكما يصعب على من كان
من أصل ألماني وسكن الاتحاد السوفيتي «سابقاً» وأوروبا الشرقية العودة إلى
ألمانيا، فإنه وبالمقابل يصعب على هؤلاء الأتراك العودة إلى تركيا، ولهذا بدأت
ألمانيا وكخطوة أولى منها بعد مأساة سولنجن النظر في إمكانية منح هؤلاء المهاجرين
جنسية مزدوجة.
ومع كل هذه التطورات التي فجرتها حوادث محلية، يتعين على دول السوق
الأوروبية المشتركة جميعها- وليست ألمانيا وحدها- النظر في موضوع حقوق الإنسان،
فالقانون يعاني من النقص إما لأنه يحرم المواطنين والمقيمين من غير البيض حقوقهم
الاجتماعية والثقافية، أو لأنه يعاني من العنصرية في التطبيق بغير حيادية، فلقد
اتبعت ألمانيا سياسة الباب المفتوح تجاه المهاجرين لمدة 40 سنة لأسباب اقتصادية،
أدت في النهاية إلى وجود عدد كبير منهم لا عمل له، ولهذا ضيق البرلمان الألماني-
بيومين قبل جريمة سولنجن- أسباب اللجوء، وأوصد أبوابه أمام تدفق المهاجرين، ويأتي
هذا الإجراء ضمن خطة شمولية وضعتها المجموعة الأوروبية لتضييق الخناق على
المهاجرين، وهم إن كانوا محقين في ذلك «لأسباب مختلفة»، إلا أنهم يتبعون سبلاً
عنصرية ظالمة، وهذا هو الشيء غير المقبول أساساً.
واقع المهاجرين في فرنسا وبريطانيا
فرنسا أيضاً- بما فيها من جالية مسلمة كبيرة- فرضت قيوداً جديدة على
قوانين الهجرة لمنع العائلات مثلاً من الالتحاق بأقاربهم الطلبة الدارسين في
فرنسا، والزوجة الثانية من الالتحاق بزوجها، وسيجد مواطنو دول شمال أفريقيا صعوبة
كبيرة أكثر من غيرهم في الحصول على الجنسية الفرنسية، كما أن مواليد الأجانب في
فرنسا لن يستطيعوا الحصول على الجنسية إلا عندما يبلغون سن السادسة عشر، بل وقد
يرفض طلبهم للحصول عليها.
من هنا فإن التوجه الأوروبي الحالي هو تعديل قوانين الهجرة والإقامة؛
بحيث تصبح أوروبا «بيضاء» ومسيحية في نفس الوقت، وعلى الرغم من أن القوانين
الموضوعة يجب أن تخدم الوضع العام، إلا أن المسلمين سيكونون أكثر ضحاياها،
فبريطانيا مثلاً قدمت عرضاً باستضافة 1000 لاجئ بوسنوي، و3000 من أفراد عائلاتهم،
إلا أنها في الواقع لم تستضف سوى 238 بوسنوي مع مجرد 334 من عائلاتهم، بحجة سوء
الحالة الاقتصادية.
منذ 23 سنة مضت وسيل المهاجرين إلى بريطانيا قد توقف، ولذا فقد بات
الحديث في موضوع الهجرة كالحديث في موضوع ميت، وفتح مجال النقاش فيه الآن- إن لم
يكن غريباً- فإنه يعد خطيراً، فقبل حوالي أسبوعين صرح أحد نواب البرلمان
البريطاني- وهو حفيد رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشرشل- عن إيقاف تدفق
المهاجرين للمحافظة على ثقافة الشعب البريطاني، على حد تعبيره (راجع المجتمع العدد
1053).
يمثل المهاجرون في بريطانيا ما نسبته 5 % فقط من سكان بريطانيا، ولا
يسمح إلا للأطفال غير البالغين باللحاق بأهلهم ممن يحملون الجنسية البريطانية، لذا
فهم المهددون الحقيقيون بضياع تقاليد حياتهم الاجتماعية، وليس الشعب البريطاني.
غير أن الأمور غير ذلك في نظر النائب تشرشل الذي سخر في تصريحه من مقولة رئيس
الوزراء جون ميجور من أن انجلترا ستبقى دوماً حرة، وقال بأننا بدلاً من رؤية
الأهالي تذهب إلى الكنيسة صبيحة يوم الأحد، قد نرى قريباً المؤذن وهو يدعو المصلين
إلى الصلاة في مسجد على الشارع الرئيسي- على حد وصفه- ومن هنا فمثل هذه التصريحات
«العنصرية» مصوبة على المسلمين بالأخص أكثر منها على المهاجرين بصورة عامة، فمع أن
تصريحات تشرشل الأخيرة تعرضت للعديد من الانتقادات من جانب الصحافة البريطانية،
ووزير الداخلية شخصياً إلى وصفها بأنها مضرة على الروابط الإنسانية، إلا أن تشرشل
زعم أن تصريحه جاء بإيعاز جهات كبيرة مسؤولة في الحكومة البريطانية، وقد يكون زعمه
هذا إلى حد ما صحيحاً.
انظر أيضا:
مخاوف من صعود الفاشية.. ميلوني تتصدر سباق الانتخابات في إيطاليا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل