العنوان هل باتت بنجلاديش مرشّحة للانضمام إلى قائمة الدول المتوترة؟
الكاتب ميديالينك
تاريخ النشر السبت 03-يوليو-2010
مشاهدات 65
نشر في العدد 1909
نشر في الصفحة 34
السبت 03-يوليو-2010
مواجهات عنيفة أسفرت عن قتل واعتقال المئات من الإسلاميين
بعد انفصال بنجلاديش عن باكستان عام ١٩٧١م قاد "مجيب الرحمن" حملة اضطهاد واسعة ضد الإسلاميين وعلماء الدين ..
.. أعلن حظر "الجماعة الإسلامية" ثم وضع دستورا للبلاد يهمّش الدين في مقابل تمجيد الأفكار العلمانية!
الجنرال "ضياء الرحمن" قاد انقلابا عسكريا ناجحا وقام بتغيير الدستور ووضع البسملة في مقدمته وأعطى حرية كاملة للعمل الدعوي
بعد وصول "حسينة واجد" إلى سُدّة الحكم شرعت في إعادة علمنة الدستور والتصدي لجميع مظاهر التدين في المجتمع
مراقبون: سياسة الحكومة الحالية ستؤدي إلى فوضى عارمة ومزيد من التوتر وقد تفجر حرباً أهلية في البلاد
قد تكون بنجلاديش مرشّحة بدورها للعيش في مرحلة قادمة توصف بالمتوترة والعنيفة.. هذا ما أصبح المراقبون في المنطقة يتحدّثون عنه، بعد الإجراءات التي شرعت فيها الحكومة في هذا البلد، وردود الفعل من قبل علماء الدين والجماعات الإسلامية المختلفة، إلى جانب أحزاب قومية ووطنية وضباط الجيش السابقين.
ومعروف أنه قبل انفصال بنجلاديش عن باكستان في عام ۱۹۷۱م، كان زعيم البنجال "مجيب الرحمن" يقود حركة احتجاجية ضد البنجابيين والبشتون الذين كانوا يسيطرون على شطري باكستان الغربية والشرقية يومها، وتمكن من كسب ولاء البنجال؛ الغالبية العظمى في باكستان الشرقية، وقاد بهم حركة احتجاجية أفضت إلى فوزهم أولا بالانتخابات في باكستان، ثم استمرت الاحتجاجات إلى أن أعلن "مجيب الرحمن" الانفصال عن باكستان بدعم هندي مباشر، بعد أن تم أسر أكثر من 90 ألف جندي باكستاني.
اضطهاد الإسلاميين
وكان "مجيب الرحمن" قد تلاعب- مثل غيره - بالمشاعر الدينية للبنجال، ووعدهم بأنه سيؤسّس لهم دولة إسلامية، ويبعدهم عن السيطرة الهندوسية، لكن تعهداته تغيّرت وانحرف عما وعد به السكان المحليين، وراح - منذ تأسيسه دولة بنجلاديش- يقود حملة من الاضطهاد والعنف ضد الإسلاميين وعلماء الدين وقرر القضاء على الحماسة الدينية التي كان الشارع البنجالي يشتعل بها بكل الوسائل.
وقرر بعد سيطرته على الحكم منع تأسيس أحزاب سياسية على أساس الدين، وأعلن حظر الجماعة الإسلامية في بنجلاديش، وأغلق المئات من المدارس الدينية، وقام بتقريب الأحزاب العلمانية ومنظمات المجتمع المدني المناهضة للدين إليه، وتعيينها في مناصب حكومية حساسة.
وكان هدفه إبعاد بنجلاديش عن التعاليم الإسلامية والانضمام بها إلى معسكر الهند والدول العلمانية، وحتى يكمل المسرحية السياسية شرع في إنشاء دستور علماني يهمش الدين في الدولة، ويمجد الأفكار العلمانية الصريحة.
تعديل الأوضاع
ولم يمهل الجيش "مجيب الرحمن" كثيرا إذ أطاح به بدعم باكستاني وقاد الانقلاب العسكري الجنرال "ضياء الرحمن" وراح يغيّر من أوضاع بنجلاديش، حيث أصدر عفوا عن القيادات الإسلامية فيها ورفع الحظر عن الجماعة الإسلامية وجماعات دينية أخرى، وسمح ببناء المدارس الدينية، وألغى حظر الأحزاب الدينية في البلاد وأعادها إلى النشاط.
وكان الانقلاب العسكري قد رافقته عملية دموية ضد أسرة "مجيب الرحمن" المتهمة بتقسيم باكستان إلى دولتين، وتحقيق حلم الهند في ألا تنافسها دولة في المنطقة؛ حيث تم إعدام أسرة "مجيب الرحمن" بأكملها، ولم ينج منها سوى اثنتين من بناته كانتا خارج ،البلاد، إحداهما "حسينة واجد" التي كان لها دور مهم بعد مقتل والدها في قيادة جماعته وحزبه السياسي.
وقام الجنرال "ضياء الرحمن" بتغيير الدستور، وأضاف إليه بنودا إسلامية لم تكن موجودة فيه في السابق، ووضع البسملة في مقدمة الدستور، وسمح بمختلف النشاطات الدينية في بلاده.
خطر قادم !
ومنذ حلول عام ٢٠٠٩م، تبدو الأوضاع قاتمة - كما يقول المراقبون- وتدعو إلى القلق من مستقبل الديمقراطية والاستقرار السياسي والأمني في بنجلاديش بعد أن وصلت ابنة "مجيب الرحمن" إلى سدة الحكم، وراحت تعيد السيناريو السابق نفسه، أي إعادة علمنة دستور بنجلاديش وقوانينها، ومواجهة الجماعات الدينية وفي مقدمتها الجماعة الإسلامية.
وبعد وصولها إلى الحكم قبل نحو عامين، شرعت في تقريب الأحزاب العلمانية مرة أخرى، وتعيين أعضاء من المنظمات الغربية المناهضة للإسلام والعاملة في حقل إفساد أخلاق المجتمع - من منظمات نصرانية وتبشيرية ونسوية - في مناصب جد حساسة في المجتمع، وهدفها إضعاف دور التيارات الدينية وتأثير الدين في المجتمع ومحاولة تحقيق مجتمع يقوم على أسس علمانية بحتة.
ويرى عدد من المراقبين والزعماء السياسيين في بنجلاديش - من أحزاب وطنية ودينية وحتى عسكريين سابقين - أن الخطر هنا أن "حسينة واجد" التي تقود الحكومة اليوم أعلنت صراحة عزمها العودة بالبلاد إلى دستور والدها الصادر في عام ۱۹۷۲م، والذي كان هدفه الرئيس هو التصدي للدين وللإسلاميين ولجميع مظاهر التدين في المجتمع وتجفيفها.
وراحت تستغل قوتها في البرلمان وحصولها على نسبة تمكنها من تغيير دستور البلاد، وإعادته إلى ما كان عليه في عام ١٩٧٢م. ويقول الخبراء: إنها إن قررت فعلا العودة إلى الدستور السابق ؛ فإنها قد تعرّض أمن البلاد واستقرارها إلى فوضى عارمة، وستفجر حرباً أهلية داخل بلاد ليست في حاجة إلى مزيد من التوتر والقلاقل ؛ إذ إن بنجلاديش عاشت سنوات طويلة من عدم الاستقرار، لكنها تمكنت في عام ٢٠٠٤م وما بعده من تحقيق استقرار سياسياً وأمنياً ملحوظاً، وتمكنت أيضاً من الخروج من صفة دول الفساد التي لازمتها طويلا والدول الأكثر سوءا في العالم.
علمنة الدستور
ويوضّح الخبراء أن دستور عام ۱۹۷۲م، الذي تخطط "حسينة واجد" للعودة إليه والتصويت عليه برلمانيا، يتضمن ما يلي:
- حكر العمل السياسي على الأحزاب العلمانية فقط ومنع تأسيس أي حزب على أساس الدين، وهو ما يعني حظر الجماعات الدينية ومن بينها الجماعة الإسلامية، وجمعية أهل الحديث، وجمعية علماء بنجلاديش؛ إذ إنها جميعها أحزاب سياسية قائمة على الدين.
- إلغاء جميع البنود الإسلامية من الدستور، ومنع استخدام أي مصطلح إسلامي مثل "البسملة"، أو الاستدلال بآيات من القرآن والحديث في دستور البلاد.
- إلغاء فكرة العقائد الإسلامية، ومنع إقامة محاكم شرعية موازية للمحاكم المدنية في البلاد، وعدم السماح بأي نوع من المحاكم التي تستمد قوانينها من الدين الإسلامي.
- عدم السماح بأي نوع من التبجيل للدين أياً كان في بنجلاديش.
- إلغاء جميع الأحزاب الدينية في البلاد وفرض الحظر على زعمائها، وعدم السماح لهم بأي نشاط في البلاد.
- الدعوة إلى التقرب من الغرب والابتعاد عن العالم الإسلامي من خلال سلسلة من التدابير والإجراءات.
- إلغاء جميع المواد الإسلامية من مناهج التعليم في مختلف المراحل، وإغلاق المدارس الدينية بناء على هذا المبدأ، وعدم السماح لها بأي نشاط في البلاد، وهذا يعني أن أكثر من عشرة آلاف مدرسة دينية منتشرة في ربوع البلاد، ستكون مهددة بالغلق والحظر بعد الموافقة على إعادة الدستور السابق إلى البلاد.
رضوخ لضغوط خارجية!
ويشير الخبراء إلى أن حكومة "حسينة واجد" لم تنتظر تصديق البرلمان على العودة إلى الدستور السابق، بل شرعت قبل حدوث ذلك إلى غلق المئات من المدارس الدينية في أرجاء مختلفة من البلاد بدعوة أنها مراكز للإرهاب وللتنظيمات الجهادية المتشددة، ومنعت أية علاقة لما تبقى منها بمؤسسات عربية وإسلامية خارج البلاد، تقوم بدعم عدد من المدارس الدينية أو مدارس للأيتام، أو حتى منظمات إسلامية تعمل جاهدة في مجال الإغاثة، حيث باتت ملاحقة بموجب القانون الجديد وتقع ضمن المؤسسات المشكوك فيها .
أما المنظمات الغربية ومنظمات التنصير وحتى المنظمات الهندية؛ فلا يقع عليها أي حظر، وليست ضمن المنظمات المشكوك في سلوكها، بل ما تقوم به کله صحيح ولفائدة السكان في بنجلاديش!
ويرى عدد من المراقبين أن ما يحدث يدل على أن هناك رضوخا واضحا من قبل الحكومة لكل من المنظمات الغربية والهندية في آن واحد، وأن الحكومة تلقت أموالا كثيرة مقابل شروط قدمتها هذه المنظمات والجهات وما أملته عليها في مواجهة الإسلاميين وعلماء الدين وإبعاد المجتمع البنجالي عن الأفكار الدينية والتمسك بأخلاق دينه، وما يرتبط بها من مظاهر المحافظة المتمثلة في الحجاب واللحى وغيرها من مظاهر التدين.
وكانت الحكومة منذ وصولها إلى الحكم قد شرعت في مواجهة الإسلاميين من خلال اعتقال النشطاء فيهم، وفرضت حظرا على المنظمات الجهادية السابقة، ومنها حركة الجهاد الإسلامي العالمي بقيادة "مولانا عبد القدوس" وحركة المجاهدين البنجال.
ورغم أن هذه المنظمات لم تكن تنشط سوى في القتال داخل منطقة كشمير ومنطقة بورما اللتين تعاني فيهما الأقلية المسلمة اضطهادا كبيرا على يد الحكومة البوذية العسكرية، إلا أن هذه الأنشطة لم تشفع لهم بعد أن ضغطت الهند والحكومة العسكرية في ميانمار على مسلمي بورما، الذين لجؤوا أيام القتل الجماعي الذي واجهوه في الماضي للعيش كمهاجرين في بنجلاديش.
خطأ فادح
لكن التطورات الجديدة، وحرص حكومة "حسينة واجد" على منع أي جهادي في البلاد يقاتل من أجل كشمير لإعادتها إلى باكستان، أو يقاتل في ميانمار؛ جعلتها تدخل معهم في مواجهات عنيفة؛ حيث قتل واعتقل المئات منهم في فترة الحكومة الحالية.
ويؤكد عدد من الخبراء أن البيانات التي أطلقها ووزعها الجهاديون في بنجلاديش الداعية إلى الجهاد ضد الحكومة البنجالية- التي يصفونها بالعلمانية والموالية للكفار- قد يشعل مواجهة داخلية، كما أن إعلان الحكومة عن الشروع في العمل بدستور عام ١٩٧٢م المعروف بأنه أعد خصيصا للقضاء على الدين ومؤسساته في هذا البلد المسلم (۹۰ % من السكان مسلمون) قد يؤدي إلى تدهور الأوضاع بشكل أكبر؛ إذ إن الجميع سيجدون أنفسهم في خندق واحد للدفاع عن بنجلاديش المسلمة وحماية هويتها الدينية وبقاء مؤسساتها الإسلامية.
ويقول الخبراء: إن "هناك جهات تدفع الحكومة الحالية إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع الإسلاميين بمختلف طوائفهم وأحزابهم وجماعاتهم، وستكون النتيجة دخول ثقافة العنف المسلح التي إن ابتليت بها دولة فلن تخرج منها ،سالمة وستتضرر بشكل لا يعرف أحد عواقبه".
ويرون أن الحكومة سترتكب خطأ فادحاً اليوم إذا أصرت على تشديد رقابتها للدين في مجتمع غالبيته من المسلمين، وأن محاولتها خوض مواجهة مع المنظمات الدينية والجهاديين السابقين؛ قد يحوّل بنجلاديش إلى أفغانستان أو باكستان جديدة، وسيعطي فرصة لعناصر تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان" وغيرها النقل تجاربها إلى هذا البلد بعد أفغانستان والعراق والصومال.
ويشير المراقبون إلى أن حكومة "حسينة واجد" تريد الثأر لوالدها والانتقام ممن وقفوا ضده، وترى الإسلاميين حليفا مهما في القضاء على والدها وإنهاء مشروع دولته.. وهو الأمر الذي جعلها حريصة منذ وصولها إلى الحكم على مواجهتهم واتهامهم بالضلوع في قتل جميع أفراد أسرتها إذ إنها - بعد إلقاء القبض على عدد من ضباط الجيش المتورطين في قتل أسرتها عام ۱۹۷۳م (حسب زعمها) وتقديمهم للمحاكمة رغم تجاوز أعمارهم الثمانين عاما، وتنفيذ حكم الإعدام فيهم - راحت تتهم قيادات في الجماعة الإسلامية وعددا من علماء الدين بالتورط أيضا في هذه الإبادة، وبدأت تتحدث عن ضرورة مواجهتهم المصير نفسه.
رغبة الانتقام
ويرى الخبراء أن "حسينة واجد" تملكها رغبة الانتقام فقط، وتريد أن تستغل فرصة حكمها لرد الصاع صاعين دون التفكير في أن أي صدام مع الإسلام وعلماء الدين سيكلفها الكثير وسيدخل البلاد في متاهات لا أول لها ولا آخر.
ويشيرون إلى أن هناك سيناريوهين ينتظران بنجلاديش، هما: إما الدخول في مواجهة شبيهة بما تعيشها باكستان مع "طالبان" وغيرها وتعيشها دول إسلامية أخرى، وإما أن يؤدي تدهور الوضع إلى عودة الجيش للحكم من جديد وسيطرته على مقاليد الأمور؛ لمنع دخول البلاد في حالة من الفوضى العارمة.
مخطط تغيير الدستور الحالي يستهدف:
- إلغاء المصطلحات الإسلامية من نصوصه
- حظر الأحزاب الدينية القائمة حالياً
- قصر العمل السياسي على الأحزاب العلمانية
- إلغاء المواد الإسلامية من مناهج التعليم
- الابتعاد عن العالم الإسلامي والتقرب من الغرب
- منع إقامة محاكم شرعية موازية للمحاكم المدنية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل