الأحد 01-ديسمبر-1991
الشيشان: مسلمون سُنة ذوو أصول
تركية
رغم أن هذه الجمهورية ذات الحكم الذاتي- والواقعة شمال جورجيا بين بحر
قزوين والبحر الأسود- لا يزيد عدد سكانها عن 1.3 مليون نسمة، إلا أن تمردها على
"الإمبراطورية الروسية" لا يزال المحور الرئيسي للتقارير والتحليلات
السياسية الصادرة من موسكو، باعتبار وجه الشبه بين الاتحاد الروسي والاتحاد
السوفيتي من حيث تعدد القوميات والشعوب المطالبة باستقلالها، ومن حيث اقتفاء
الرئيس الروسي لنفس خطوات الرئيس السوفيتي في معالجته لقضايا القوميات والشعوب
معًا، مما أدى في النهاية إلى تفكك عرى الاتحاد السوفيتي وانهياره.
صعود جوهر دودايف وتحديه لموسكو
بدأت أحداث جمهورية "الشيشان والأنجوش"- التي تقع على مسافة
1500 كيلومتر جنوب موسكو، ويشكل المسلمون غالبية سكانها- إثر انقلاب أغسطس الماضي
الشهير. وحيث سارعت قيادات الجمهورية الشيوعية إلى إعلان تأييدها لهذه المحاولة
الانقلابية الفاشلة، فما كان من جوهر دودايف- وهو جنرال سابق كان قائدًا
لفرقة طيران في شارتو بأستونيا، ثم نُقل إلى العاصمة الشيشانية عقب استقلال
أستونيا، ثم استقال وتزعم الحركة القومية المحلية- إلى أن قاد شعبه مطالبًا بتنحية
القيادات الشيوعية عن الحكم في البلاد، وتم له بالفعل ما أراد. ثم نُظمت بعد ذلك
انتخابات رئاسية في 27 من شهر أكتوبر الماضي فاز فيها الجنرال المتقاعد بسدة
الرئاسة، وحيث أقسم على القرآن لأول مرة منذ أن ضمت روسيا هذه الجمهورية قسرًا
إليها بعد أن غزتها قوات قيصرية عام 1859. وتعهد بأن يدافع عن استقلال الجمهورية،
وقال إنه تولى هذا المنصب بمشيئة الله والشعب، واستقبلته الجماهير بهتاف
"الله أكبر".
ويبدو أن ذلك قد أزعج القيادة الروسية كثيرًا، فأعلنت عدم اعترافها
بهذه الانتخابات، واعتبرها البرلمان الروسي غير قانونية ومزورة، وسارع يلتسن
إلى إعلان حالة الطوارئ على الجمهورية صباح الجمعة 9 من نوفمبر الجاري، وقرر حظر
التجول والاجتماعات العامة لمدة شهر. وكان هذا الموقف في حد ذاته دعمًا للرئيس
المنتخب، الذي التفّت حوله الجماهير، وسارع بدوره إلى إلغاء حالة الطوارئ التي
أعلنها يلتسن، وأعلن بدلًا منها الأحكام العرفية، ودعا إلى التعبئة العامة؛ حيث
استجابت له طوائف الشعب المختلفة، فاحتشد عشرات الآلاف في شوارع العاصمة مسلحين
بالبنادق، وأعلن عن تشكيل أول كتيبة نسائية في هذه الجمهورية، حتى المعتقلين قاموا
بتكوين فرقة خاصة بهم، وتعهدوا بالعودة إلى السجن عقب استقرار الأوضاع.
هزيمة يلتسن السياسية ودعم القوقاز
للشيشان
ورغم ذلك فقد سارع يلتسن بإرسال ألف من قواته الخاصة إلى المطار
العسكري للعاصمة "غروزني"، فقامت قوات الحرس الوطني التابعة للجمهورية
بمحاصرتهم، وخرج ألوف المتظاهرين- كما ذكرت وكالة ناس- إلى شوارع غروزني وحولوها
إلى قلعة مسلحة.
ثم أصيب يلتسن بأكبر هزيمة سياسية له حين أعلن البرلمان الروسي رفضه
لإقرار مرسوم الرئيس يلتسن حول فرض حالة الطوارئ وحظر التجول، وطالب باللجوء إلى
الأساليب السلمية، وأقر البرلمان تشكيل وفد برلماني لإجراء مباحثات مع ممثلي القوى
السياسية في الجمهورية، والتوصل إلى تسوية سياسية للنزاع. واضطر يلتسن لأن يتجرع
مرارة الهزيمة في صمت، بل أُرغم على أن يعلن رضوخه لقرار البرلمان، وانسحبت القوات
الخاصة التي أرسلها إلى الجمهورية المسلمة. فيما تزامن ذلك مع دعم ممثلي
الجمهوريات المجاورة: أذربيجان، وجورجيا، ولاتفيا، وليتوانيا، بل إن بعضهم
شارك في مراسم تنصيب الرئيس الشيشاني. كما اجتمع في 8 من نوفمبر وفود تمثل 13
قومية وشعبًا يسكنون منطقة جبال القوقاز؛ حيث أعلنوا تأييدهم للجمهورية المستقلة،
وأعلنوا "أن سكان القوقاز كانوا يعتبرون الاتحاد السوفيتي وطنًا لهم، إلا أنه
نتيجة لتفكك عرى الاتحاد فإن روسيا لا تملك حق وراثته، ولنا مثلها حق تقرير
المصير."
تناقض موقف يلتسن
وقد أجمع المراقبون أن يلتسن قد ارتكب في هذا الموقف خطأً فادحًا تمثل
في أربع خطوات اتخذها ربما تؤدي في النهاية إلى حسم مستقبله السياسي بشكل أو بآخر،
وهي: عدم اعترافه بالانتخابات الرئاسية التي أجرتها الجمهورية هناك، ثم إعلانه
حالة الطوارئ، فإرساله قواته الخاصة، ثم أخيرًا إصداره لأوامر الاعتقال لرئيس
الجمهورية المنتخب.
فقد بدا يلتسن متناقضًا تمامًا مع دعاويه ومساعيه السابقة في تأييد
العديد من الحركات المعارضة التي رفعت لواء الانفصال عن الاتحاد السوفيتي، وبدا
أكثر تناقضًا في موقفه الرافض لاستقلال هذه الجمهورية المسلمة، وهو الذي أبدى
مرونة عديدة تجاه مطالب الألمان السوفيت، حتى إنه قال لهم: "إن مشكلة إعادة
الاستقلال للألمان السوفيت جزء لا يتجزأ من المسيرة السياسية لروسيا." كما
نال هذا الموقف من الشكل الديمقراطي الذي يحاول يلتسن أن يدعيه لنفسه، وأن يجتذب
به تأييد الغرب له، خاصة بعد أن سعى للحصول على سلطات إضافية، وتعيينه لنفسه
رئيسًا للوزراء بجانب منصبه كرئيس للدولة، بحجة تخطي المرحلة الصعبة التي تعيشها
روسيا، والانتقال إلى مرحلة اقتصاد السوق. وتشير التقارير الصادرة من موسكو إلى أن
هذا الموقف بالإضافة إلى الأحوال الاقتصادية- الآخذة في التدهور بشكل كبير- نالتا
من شعبية يلتسن، خاصة في ظل تولي الجنرال ألكسندر روتسكوي منصب نائبه، وهو
المعروف بعدم توافقه مع الدعاوى الديمقراطية، وميله إلى العنف، وقد شارك الرجل
بنفسه في معارك أفغانستان وأسقط المجاهدون طائرته مرتين.
ومن المعروف أن سكان هذه الجمهورية الساعية للاستقلال من المسلمين
السنة ذوي الأصول التركية، ويتألفون من عرقين هما الأنجوش والشيشان، حيث
يمثل الأنجوش سدس السكان فيما يشكل الشيشان ثلثيهم. وكان كل من الشعبين يعيش على
أرضه المستقلة إلى أن قام ستالين بنفي أبنائهما عام 1940 إلى كازاخستان
وآسيا الوسطى عقابًا على ما اعتبره تعاونًا مع المحتلين الألمان. ثم أعادهم إلى
أرضهم مرة أخرى خروشوف، حيث اكتشفوا لدى عودتهم أن أفضل أراضي بلادهم قد آل
إلى الروس والأوكرانيين الذين استوطنوا بلادهم. ويبلغ مساحة هذه الجمهورية 19300
كيلومتر مربع، أي ضعف مساحة لبنان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل