العنوان هل يصمد «اليورو» أمام الأزمة اليونانية ؟!
الكاتب هوج كورتازى
تاريخ النشر السبت 22-مايو-2010
مشاهدات 73
نشر في العدد 1903
نشر في الصفحة 36
السبت 22-مايو-2010
ترجمة: جمال خطاب
البريطانيون الذين لم ينضموا إلى العملة الأوروبية الموحدة يراقبون بشيء من الرضا تطور الأزمة الاقتصادية في اليونان وهم أيضًا سعداء لترك إنقاذ اليونان إلى بلدان أخرى لأنها تستخدم اليورو وتلجأ إلى صندوق النقد الدولي.
مبلغ الإنقاذ ومقداره 110 مليارات يورو قد يكون كافيًا لإنقاذ الاقتصاد اليوناني في الوقت الحاضر.. ولكن المراقبين يخشون ألا يكون كافيًا على المدى الطويل
الأزمة ستجعل من الصعب على دول اليورو أن تعتمد عملة موحدة وسيسمح فقط بالانضمام للاقتصادات القوية
فمبلغ الإنقاذ الذي يبلغ مقداره 110 مليارات يورو، والذي أعلن عنه مؤخرًا وقبلته الحكومة اليونانية قد يكون كافيًا لإنقاذ أو المحافظة على الاقتصاد اليوناني في الوقت الحاضر، ولكن المراقبين يخشون ألا يكون كافيًا على المدى الطويل، وأن الحكومة اليونانية قد لا تكون قادرة على الصمود أمام الاضطرابات الاجتماعية، وقد لا تتمكن من فرض تدابير التقشف التي يطالب بها القائمون على عملية الإنقاذ، وقد أثارت الأزمة أسئلة جوهرية حول جدوى العملة الموحدة، وهل يمكن أن تستمر عملة واحدة، دون تنسيق السياسات المالية النقدية؟
فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لديها عملة واحدة مع وجود سلطات كبيرة مخولة للولايات، فإن السياسة المالية والنقدية تقع على عاتق الحكومة الاتحادية والولايات والمقاطعات يمكنها الاقتراض دون أن تكون قادرة على أن تهبط أو تؤدي إلى تدهور النظام بأكمله.
أما في أوروبا، فإن السياسات المالية هي من التزامات ومسؤولية الدول الأعضاء حسب ميثاق أو معاهدة الاستقرار والنمو التي وقعوا عليها، ولكن العقوبات المنصوص عليها في المعاهدة ثبت أنها غير كافية، وقد أظهرت الدول الأكبر في المنظومة الأوروبية استعدادًا كبيرا لتجاهل تلك القواعد غير المريحة وغير الملائمة، وهذا جعل من السهل على الدول ذات الاقتصاد الأضعف أن تحذو حذوها .
يبدو أن الدرس الذي يمكن تعلمه هو أن تكون العملة الموحدة أكثر فعالية، وسوف يتعين بذل تحركات أكثر نحو اتحاد سياسي أكبر في أوروبا، وخاصة في منطقة اليورو، وهذا يمكن أن يؤدي إلى تحول الاقتصاد في أوروبا إلى اقتصاد ذي سرعتين؛ بحيث تنقسم أوروبا إلى دول تستخدم اليورو وأخرى لا تستخدمه، والبلدان في منطقة اليورو لن يكون عليها أن تدخل فقط في سياسات مالية وضريبية مشتركة، ولكن ستضطر للدخول في سياسات فعالة لإنقاذ المتعثرين، وهذا يعني مزيدًا من التنسيق على المستويين القضائي والجنائي.
ومن المرجح أن تجعل الأزمة الاقتصادية اليونانية من الصعب على الدول الأوروبية في منطقة اليورو، إن لم تكن بالفعل قد فعلت أن تعتمد عملة موحدة، وشروط الانضمام ستصبح بالتأكيد أكثر صرامة وأقل استساغة من قبل الدول، وسيسمح فقط بالانضمام للاقتصادات القوية التي تستطيع السيطرة على الفساد والتي تدفع الضرائب على النحو الواجب.
ومن النتائج الأخرى التي ترتبت على الأزمة إمكانية الطرد لدولة من منطقة اليورو، أو وضع قواعد تسمح لبلد في منطقة اليورو إلى الانسحاب من العملة الموحدة، وفي الوقت الحاضر لا توجد مثل هذه الأحكام والقوانين، وستكون هناك حاجة لإعادة التفاوض من قبل اليونان لإمكانية انسحابها من العملة الموحدة «اليورو» وإعادة تأسيس عملتها القديمة «الدراخما»، وسيكون ذلك غاية في التعقيد وذا تكلفة عالية جدا، ولكن ربما فقط تستطيع اليونان من خلال إعادة تأسيس «الدراخما» وخفض قيمة عملتها أن تقدر على تحسين قدرتها التنافسية ومن ثم الخروج من الأزمة.
إذا أعيد تقييم ديون اليونان السيادية بعملتها القديمة «الدراخما» بعد تخفيض قيمتها ، فإن هذا يعني أن اليونان لن يتخلف عن تسديد الديون السيادية، التي يمكن أن تترتب عليها آثار خطيرة بالنسبة للديون الوطنية من دول منطقة اليورو الأخرى ذات الديون المرتفعة وارتفاع معدلات البطالة فيها، مثل البرتغال وإسبانيا وحتى إيطاليا وفي نهاية المطاف، يمكن أن يكون هناك تأثير »الدومينو»، ويمكن أن يكون التصنيف الائتماني للبلدان الأوروبية الأخرى، بما في ذلك المملكة المتحدة، وهذا يمكن أن يشكل ضربة قوية للانتعاش الاقتصادي العالمي.
ويبدو أن اليونانيين كانوا يعيشون في خیال »أرض سحابة الوقواق« لفترة طويلة جدًا، فقد سمح للقطاع العام أن ينمو بنسب كبيرة جدا والمستويات الحالية للأجور، والمزايا وصلت إلى الدرجة التي لا يستطيع اقتصادهم تحملها، وقد سمح لليونانيين بالتقاعد في سن صغيرة جدًا بالرغم من أن العمر المتوقع يطول .
لكن على الرغم من أن هذه العوامل كان لها عواقب وخيمة على قدرة اليونان على خدمة ديونها العامة، إلا أن الجوانب الأكثر خطورة في الأزمة الاقتصادية اليونانية يبدو أنه يتمثل في فشل اليونانيين الأغنياء في دفع الضرائب المستحقة عليهم، والفساد المنتشر على نطاق واسع في الحياة العامة وما يسمى بالاقتصاد الأسود، والآن لا أحد يحب أن يأخذ أقل من راتبه الذي يتقاضاه أو يفقد الامتيازات الخاصة به والمعارضة اليونانية الشعبية لبرنامج التقشف الحكومي أمر مفهوم.
يتساءل الناس: لماذا يجب أن يعاني الفقراء في الوقت الذي يستطيع فيه من هم أكثر ثراء، وأصحاب العلاقات الأوسع والأكثر اتساعا والأكثر فسادا من تهريب ثرواتهم والتي لا تخضع للضريبة إلى الخارج؟ الحكومة اليونانية، إذا أريد لها أن تنجح في برنامج التقشف، يجب أن تثبت أنها عازمة على السيطرة على المتهربين من الضرائب وإجبارهم على دفع ما عليهم من ضرائب ويجب أن تتخذ تدابير حازمة لاستئصال الفساد.
بعض المراقبين يشكون في قدرة الحكومة اليونانية على التحمل، وافتقارها إلى القوة التي يمكن من خلال فرض تدابير التقشف التي لا تحظى بشعبية، ويعتقدون أن اليونان سوف تحتاج قريبًا إلى المزيد من خطط الإنقاذ والبديل هو القبول بالإفلاس. وقد اتهمت الحكومة الألمانية - وهي واحد من الأعمدة المركزية لمنطقة اليورو والمصارف الألمانية - اتهمت بالاستجابة ببطء شديد للأزمة اليونانية، والألمان الذين يبدو أن لديهم أخلاقيات وقيمًا في مجال العمل أقوى بكثير من اليونانيين هم الآن أشد من يوجه الانتقاد للمساعدات إلى اليونانيين، وينظرون إليهم كأناس أفسدتهم »الإكراميات»، والتقاعد المبكر والرفاهية المبالغ فيها .
ويجوز للصورة التي رسمها الإعلام للاقتصاد اليوناني أن تكون غير عادلة ومبالغ فيها، ولكن اليونان، على أية حال، لن تكون في موقف أصعب أبدًا مما هي عليه الآن، وستدفع ثمنًا باهظًا لو لم تقترض مبالغ كبيرة لدفع النفقات الجارية والمحافظة على نمط الحياة اليونانية والاقتصاد اليوناني.
والواقع أن العملة الموحدة تواجه اختبارًا حرجًا للغاية، وليس واضحا بعد مدى خطورة الأضرار التي لحقت وستلحق بالعملة الموحدة من الأزمة اليونانية.
لكننا مازلنا نؤكد أنه لا ينبغي أن يسمح للأزمة أن تحجب مزايا حقيقية للعملة الموحدة من قبيل زيادة التجارة وتبسيط ترتيبات وإجراءات الدفع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل