العنوان هل يكون الإسلاميون الأجرأ في الاعتراف بحقوق الشعب الكردي؟
الكاتب هشيار الكردي
تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2001
مشاهدات 52
نشر في العدد 1467
نشر في الصفحة 38
السبت 08-سبتمبر-2001
- بينما كانت الحركات الإسلامية تدعم الأقليات والشعوب المسلمة الواقعة في نزاعات مع طرف غير مسلم كانت تلتزم الصمت وربما تعادي قضايا شعوب مضطهدة لمجرد أن الطرف المقابل الهاضم لحقها طرف مسلم.
- اتخذ التيار الإسلامي موقفًا عدائيًّا من أي ظاهرة قومية حتى وجد الخطاب الإسلامي نفسه في خانة المدافع عن الدولة وحدودها التي صنعها المستعمر.
عقد بألمانيا مؤخرًا بدعوة من المركز الإسلامي بمدينة «آخن» مؤتمر الحوار الإسلامي الكردي- العربي، الذي اعتبر المؤتمر الإسلامي الثاني من نوعه الذي يُخصص لبحث «القضية الكردية»، بعد مؤتمر «كولن» بألمانيا أيضًا عام 1990م، ويثير عقد هذا المؤتمر، بعد مرور (۱۱) عامًا على المؤتمر الأول بمدينة «كولن» ، وبعد مرور (۳) سنوات على انعقاد مؤتمر «الحوار الكردي العربي» بالقاهرة، وفي الوقت الذي تقوم فيه، في كردستان العراق منذ عام ۱۹۹۱م، تجربة إدارية وسياسية وحضارية مهمة بالنسبة للشعب الكردي.. أقول: إن هذا المؤتمر يثير- في ظل هذه الأجواء- العديد من الأسئلة التي تنتظر إجابات حاسمة وصريحة:
فهل لايزال العالم العربي الإسلامي يحتاج إلى مؤتمرات أخرى لتفهم القضية الكردية وما الذي تغير خلال هذه السنوات الإحدى عشرة في النظرة الإسلامية العربية، تجاه قضية الشعب الكردي؟ وهل نستطيع أن نخمن أن هذا التصدي العربي الإسلامي، لتفهم القضية، يعني فيما يعنيه أنها تحولت إلى قضية «شعبية»، بعد أن كانت مبعدة عن ضمير الأمة وتعاطفها لأسباب تاريخية معروفة؟ وهل يعني هذا التبني أو التفهم الإسلامي العربي للقضية، أن أبواب الحل أمامها أصبحت مفتوحة أكثر من ذي قبل .. وما الذي يحمله الإسلاميون العرب من حلول للقضية؟ وهل تجاوزوا مرحلة التعاطف إلى مرحلة الفعل؟.. وهل سنشهد انتقالًا من مرحلة الشعارات والكلام والعواطف، إلى مرحلة الطروحات العملية والواقعية؟ وهل سيكونالإسلاميون العرب هم الأجرأ في الاعتراف بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره بما يحمله ذلك من دلالات إيجابية، نظرًا لما للتيار الإسلامي من ثقل جماهيري. ولما يحوزه من ثقة، وما يتمتع به من عمق في وجدان الجماهير المسلمة!...
إن مثل هذه الأسئلة وغيرها تغدو مشروعة وفي محلها، وخاصة إذا التفتنا إلى المقررات التي خرج بها هذا المؤتمر[1]. إذ نستطيع أن نقول: إنه الأجرأ بين كل المؤتمرات التي عقدت حول القضية التي كان أطرافها عربًا، في الإقرار بصراحة ووضوح بحق الشعب الكردي في تقرير المصير، وفي دعم اختيار الكرد في کردستان العراق للصيغة «الفيدرالية» كإطار سياسي للتعامل مع المركز، حفاظًا على وحدةالعراق.. وهذا هو ما يحملنا على الاستبشار بأن الإسلاميين- لكونهم طليعة الأمة وحاملي ميزان العدالة الإسلامية- سيكونون الأجرأ والأقدر على التحدث بصوت عال وبلا مواربة عن حقوق الشعب الكردي ذلك أن المرجعية الإسلامية التي يستندون إليها تجعلهم الأقرب إلى إنصاف المظلومين والإقرار بحقوقهم- أيًّا كانوا-... فكيف إذا كانوا شعبًا كالشعب الكردي المسلم، ساهم بفاعلية وإخلاص في بناء صرح الحضارة الإسلامية، وأنجب قادة ومفكرين وعلماء لا تزال الأمة تفخر بهم، بينما هو اليوم قد غدا أضيع من الأيتام على مائدة اللئام، حتى وصفه أحد المفكرين المسلمين واطلق عليه اسم «يتامى المسلمين»، في حين وصفه آخر بأنه «شعب الله المحتار» وذلك لتمزق بلاده بين أكثر من ٥ دول كلها إسلامية- ولعدم حصوله لا على استقلاله السياسي- وهو يكاد يكون أكبر أمة أو قومية على وجه الأرض، لم تحصل على استقلالها السياسي بعد ولا حتى على حقوقها الثقافية!....
فهل نكون قد أسرفنا في التفاؤل، إذا ذهبنا إلى أن الإسلاميين هم من سيعيد التوازن إلى هذا الميزان المختل؟! ولماذا نجد التضارب في المواقف والتصريحات بين الإسلاميين تجاه قضية الشعب الكردي؟ وأين كانوا طوال نصف القرن الماضي-على الأقل- والشعب الكردي يتعرض لأنواع من المظالم والمجازر والتصفيات الجماعية وحملات الإبادة العرقية؟ لا شك أن بعد- أو إبعاد- «الإسلاميين» عن الساحة السياسية والإعلامية، فضلًا عن انشغالهم بتضميد جراحاتهم، لتلاحق المحن والأزمات عليهم كان له الأثر الكبير في عدم- أو ضعف- اهتمامهم بقضية الشعب الكردي وعدم وضوح مواقفهم أو تناقضها أحيانًا.. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإننا يجب ألا ننسى . عاملًا آخرًا كان له دور كبير في تكوين ذلك الموقف، ذلك هو التباس القضية وتعقدها والظروف والملابسات التي أحاطت بها، ومن ذلك: الخطاب القومي المتعصب الذي كانت الحكومات العراقية- أو الإيرانية والتركية- تتعامل على أساسه مع القضية بما كان يصور من حركة الشعب الكردي لنيل حقوقه، وكأنها مؤامرة استعمارية لتمزيق وحدة العراق والأمة العربية- وكذلك الحال بالنسبة للأجزاء الأخرى من كردستان- .. وكان انتشار الفكر الاشتراكي الثوري بين الحركات الكردية، وسيادة الخطاب الماركسي في أدبياتها، قد سهل على هذه الحكومات المعادية لتطلعات الشعب الكردي، تشويه صورته ومحاصرته جماهيريًّا، بل وحتى اتهام تلك الحركات بالكفر والمروق من الدين عن العمالة للأجنبي والتآمر على وحدة البلاد.. كما أن ضعف اهتمام الحركات الكردية بالبعد العربي الإسلامي، بسبب خلفيتها الفكرية أولًا وظروف الحرب الباردة ثانيًّا، قد ساهم هو الآخر في إبقاء القضية الكردية غير واضحة المعالم، وهو ما حرمها بالتالي من تعاطف الجماهير العربية والإسلامية. فكل هذه الملابسات كان لها دور كبير في أن تظل قضية الشعب الكردي ملتبسة أمام الحركات الإسلامية، كما أنها منعت من تكوين رؤية واضحة وموضوعية عن القضية، وهو ما مرر بالتالي أهداف الحكومات القومية المتعصبة ضد الحركة التحررية الكردية، وسهل لها أمر محاصرتها وضربها.
الموقف من الظاهرة القومية:
جانب ثالث، كان له أثر بارز في تشكيل رؤية ومواقف التيار الإسلامي عامة، ففضلًا عن الملابسات التي أشرنا إليها، كان هناك الموقف الفكري للحركات والتيارات الإسلامية من «الظاهرة القومية» و«النضال القومي» وهو موقف ظل محكومًا- حتى وقت قريب- بخلفية عدائية ترى في هذه الظاهرة مشروعًا استعماريًّا معاديًّا لآمال الأمة في الوحدة والنهضة، وبقي الخطاب الإسلامي يردد ذلك حتى وجد نفسه في خانة المدافعين عن «الدولة القطرية» وحدودها الدولية التي وضعها المستعمر، ووقف- بالتالي- في خندق واحد مع الأنظمة القومية التي تكرس التجزئة والتقسيم باسم الدفاع عن وحدة الأمة وهكذا ظل موقف الحركات الإسلامية متسمًا بالتردد والحذر من كل ما يمس حدود «الدولة القومية»، بحجة عدم الانجرار إلى مزيد من التقسيم والتجزئة، وظل هذا الموقف ثابتًا ولو على حساب شعوب مستضعفة تتعرض للمظالموالانتهاكات، كما هي قضية الشعب الكردي.
ولقد كان الكثير من الحركات الإسلامية يقع في مواقف يمكنا إدراجها ضمن ما يسمى بسياسة «الكيل بمكيالين»، حيث كانوا يدافعون بحرارة عن قضايا الأقليات والشعوب المسلمة، التي لها إشكاليات ونزاعات وقضايا عالقة مع جهة أو طرف غير مسلم «كما هو الحال في فلسطين، وكشمير، والشيشان والبوسنة وغيرها» ولكنهم كانوا يلتزمون الصمت أو يعادون- أحيانًا- قضايا أقليات وشعوب أخرى مضطهدة، لمجرد أن الطرف المقابل لها الهاضم لحقوقها، هو طرف «مسلم» كما هو الحال بالنسبة للقضية الكردية مثلًا. وهذا موقف يخالف التوجيهات القرآنية العديد قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: ۸). ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: ١٥٢) ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ﴾ (المائدة: ٢)
ومن هنا نجد أن هذا المؤتمر يؤشر تحولًا مهمًّا لدى التيار الإسلامي، ممثلًا ببعض رموزه من القضية الكردية خاصة، ومن الظاهرة القومية ومجمل التطورات السياسية في المنطقة، وهو ما يشير إلى نضج في الرؤية السياسية والفكرية وواقعية ووضوح أكبر في التعامل مع القضايا الشائكة على الساحة.
ومن هنا أيضًا تتضح أهمية الدور الذييمكن أن تلعبه الحركات الإسلامية الكردية في هذا الميدان، حيث يمكنها أن تكون جسرًا بين قضية شعبها وبين بقية الشعوب الإسلامية والحركات والتيارات الإسلامية فيها .. ذلك أن وحدة الخطاب الذي يجمع بينها يسهل عملية التفاهم والتواصل فيما بينها.. كما أن حسن مرافعة هذه الحركات الإسلامية الكردية عن قضية شعبها، سيكون له أطيب الأثر في نزع غلالة الغموض، وإزالة أسباب الشك، وتبديد دواعي التردد لدى الكثير من هذه الحركات تجاه تأييد قضية الشعب الكردي[2]
وأخيرًا، فإن الشعب الكردي يحق له أن يعلق الآمال على دعم ومساندة إخوته وأشقائه له في الإقرار بحقوقه وتفهم قضيته وتجاوز مرحلة الكلام والعواطف إلى مرحلة الأفعال. وإذا كان مثل ذلك لم يحصل حتى الآن إلا بطرق عرضية، وعلى استحياء، فان مثل هذه المؤتمرات تستطيع أن تمهد الطريق لبلورة رأي عام مساند ومتعاطف ومتفهم لقضية الشعب الكردي المظلوم وهو ما نأمل أن تتواصل بشأنه مثل هذه اللقاءات والمؤتمرات.. وتلك أيضًا إحدى توصيات هذا المؤتمر المهم والناجح حيث أقر إنشاء «لجنة دائمة» لمتابعة أعماله ومقرراته، ولإدامة مثل هذه المؤتمرات.
[1] -خرج المؤتمر بتوصيات مهمة عديدة منها: أن القضية الكردية هي :
قضية «أرض» و «شعب» حرم من حقوقه الوطنية والقومية والإنسانية ومنها: إدانة كل الجرائم التي اتخذت بحق شعب الكردي من الجينوسايد والترحيل وتغيير الهوية وهدم القرى والمدن.. الخ ومنها أيضًا الاعتراف بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره، ودعم مطالبه ومكتسباته بما في ذلك «إعلان الفدرالية».. وهذه كلها مقررات مهمة تؤشر على تغير نوعي في الخطاب الإسلامي تجاه قضية الشعب الكردي.
[2] - لم قال الحركات الإسلامية الكردية جهدًا في التعريف بقضية شعبها، وعلى كل المستويات، فخلال العقد الماضي عقدت مؤتمرين كبيرين للتعريف بالقضية، وأخرهما هذا الذي نتحدث عنه في هذا المقال، والذي كان خطوة كبيرة إلى الأمام إذا ما قورن بالمؤتمر الأول، كما أن رموز وقيادات العمل الإسلامي في كردستان لم تدع فرصة للتعريف بقضية شعبها. سواء عن طريق زياراتها ولقاءاتها المباشرة أو تصريحاتها للصحافة والإعلام، أو عن طريق ممثلياتها في الخارج، فضلًا عن إصدار الأدبيات والدوريات المعالجة القضية والتعريف بها، ولا شك أن الجهود التي بذلتها قيادة «الاتحاد الإسلامي الكردستاني» منذ إعلانه عام ١٩٩٤م- قد كان لها الأثر الطيب في تشكيل وتفعيل رأي إسلامي متعاطف ومتفهم لقضية شعب کردستان بين الشعوب والحركات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل