العنوان المجتمع التربوي (1464)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 18-أغسطس-2001
مشاهدات 65
نشر في العدد 1464
نشر في الصفحة 54
السبت 18-أغسطس-2001
وقفة تربوية
شرق الهوى
يقول الإمام ابن القيم في فوائده: «شراب الهوى حلو لكنه يورث الشرق»...
ويقول تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف: ٧).
دائمًا: الزينة حلوة متلألئة، براقة، ذات زخارف جاذبة، وهي كما يصفها الإمام ابن القيم بشراب طعمه حلو، فمن ذا الذي لا يحب الشراب الحلو؟
ومبعث هذه الحلاوة ما جبلت النفس على حبه والتعلق به فالمرأة حببت للرجال، وكلما تعرت ظهرت زينتها، والمال من أعظم الزينة التي خلقها الله تعالى، وهو نسيب الولد. قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ﴾ (الكهف: 46).
والسلطة حلوة، وزينة عظيمة تهفو النفوس إليها، أو كما يقول ابن قدامة: «لا يزهد بالرئاسة إلا صديق».
والقصور حلوة، وزينة عظيمة، والبعض يهلك حياته كلها من أجل بناء بيت يسكن فيه، فكيف إذا كان ذلك البيت قصرًا.
والدابة حلوة، خاصة إذا كانت سيارة جديدة، وطرازًا متينًا!.
وهكذا تتعدد زينات الحياة الدنيا ويزداد حلو المذاق... لكن الخطورة في ذلك الشراب –الذي يغري الآخرين بحلاوة طعمه- أنه قد يورث الغصة، وربما يحدث الموت بسبب تلك الغصة صوت لا رجعة بعدها للاستدراك، فأين المعتبرون؟.
أبو خلاد
همسات للآخرة
سمير حلواني
همسات قليلة في عددها، عظيمة في مضمونها، لأنها مستفادة من الينابيع الإلهية، وما رجعت إليها يومًا، إلا ازددت هداية، وغلبت شيطانًا، وانتصرت على الهوى، واستعنت بها على متاعب الحياة.. أضعها بين يديك، لتزرعها في قلوب الآخرين، وتسقيها بإخلاصك وعملك.. و تقطف ثمارها يوم يقوم الناس لرب العالمين.
في الإخلاص
من رحمة الله تعالى أنه يعطي الدنيا من يُحب ويبغض، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب.
اجعل مالك وما تملك لخدمة دينك، ولا تجعل دينك خادمًا لمالك.
كن ورعًا في دين الله –سبحانه– واعمل بالاحتياط ما وجدت إلى ذلك سبيلًا.
احذر أن تكون من الذين يأكلون الدنيا بالدين... أي أن تفعل أو تقول شيئًا عن الدين... لتحصل على شيء من الدنيا تبوؤه، والعياذ بالله تعالى.
لا يكن عزك بالدينار والدولار، بل بالله سبحانه وبرسوله وبالمؤمنين.
كن غيورًا لله تعالى، وفي الدين، وإذا انتهكت المحارم –لا سمح الله- وإذا اعتدي على المسلمين وإذا عصي الله في أرضه ولا تكن غيورًا لعصبيتك الحيوانية وتبعًا لهواك.
حولك قوم من أهل الجاه و«المسؤولية» من لو أطعتهم عصيت الله، ولو عصيتهم أطعت الله تعالى. فإن اتقيت الله عز وجل عصمك من فلان ولن يعصمك فلان من الله إن لم تتقه.
في طهارة البدن والروح
اتق الله في الخلوات فالشاهد هو الحاكم.
إذا أردت أن يزيد رزقك أكثر من الصدقة.
أمتثل بالصالحين الذين مضوا، الذين كانوا مديرين عن الدنيا وهي مقبلة أشد من إقبالنا على الدنيا وهي مدبرة.
إذا وجب عليك الغسل، فلا تخرج من منزلك ولا تأكل حتى تغتسل.
كن دائمًا على طهارة أي على وضوء، لتكون من ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة: 108).
لا تتحرك بحركة إلا من الله، وإلى الله -U - ... و أعلم أنك في عين الله– سبحانه.
في هوى النفس
لا تعص الله تعالى إلا بنعمة ليست منه وأي نعمة ليست منه سبحانه وتعالى؟!
إذا اقترفت الذنوب وتابع الله عليك النعم، فاعلم أن هذا إمهال وليس إهمالًا من الله سبحانه... واستعذ بالله من أن يكون هذا استدراجًا.
أصلح سريرتك يتكفل الله بعلانيتك.
لا يغب عن بالك أن ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: ٤٠).
بع دنياك بآخرتك تربح الدنيا والآخرة، ولا تبع الآخرة بالدنيا فتخسر الآخرة والدنيا.
قلل من الشهوات، تقنع بما عندك.
تجنب الذنوب يسهل عليك الموت، وتشتق للقاء الله تعالى.
إياك وما تختاره النفس.. إلا أن يكون شرع الله تعالى معها.
كن دومًا لنفسك لوامًا معاتبًا، ولا تسلمها لهواها.
إذا كنت على شهرة، فأنت على خطر عظيم.
لا تبارز الله سبحانه بمعصية، ولا تكن لله خصيمًا.
لا تكن خصمًا لنفسك على ربك، لتستزيده في رزقك وجاهك، ولكن كن خصيمًا لربك على نفسك...
في السلوك الفردي
ليكن لك كل يوم سجدة طويلة أو أكثر.
حاول أن تستقبل القبلة عند نومك، بأن تنام على جانبك الأيمن، ووجهك إلى القبلة الشريفة.
إذا سمعت المؤذن فقل مثلما يقول.
ليكن لك سمعت الصالحين.
عظم الله جل شأنه إذا تشرفت بذكره، كان تقول عز وجل أو سبحانه وتعالى.
انتظر وقت الصلاة وترقبه، فإذا دخل، قم إلى الصلاة تاركًا كل عمل آخر، ولا تعرف بعدها أحدًا.
سم الله عند كل أمورك: عند نومك وأكلك وشربك وفعلك.
اجعل في بيتك مكانًا مسجدًا تصلي عنده. اقرأ القرآن كل يوم، فإذا قرأت آية فأنظر أين أنت منها، وكن أنت المخاطب عند ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ أو ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
احرص على أن يكون بينك وبين الله تعالى عمل لا يعلم به إلا هو سبحانه... واكتف به شاهدًا.
هنيئًا لمن دخل إلى أهله، فإن قدم إليه طعام أكل، وإلا سكت، ولا يسأل شيئًا، ولا يطلب شيئًا.
أكثر من قول: «لا إله إلا الله» فلو أن السموات السبع وعمارهن والأرضين السبع في كفه وهو «لا إله إلا الله» في كفة مالت بهن «لا إله إلا الله».
عليك بكثرة السجود كل يوم، بسبب وبدونه. تحر دومًا أفعال وأعمال رسولك محمد r وأهل بيته –رضي الله تعالى عنهم- وتقيد بها... وكن من الذين يحيون السنة ويميتون البدعة.
إذا قمت من نومك خر لله تعالى ساجدًا شاكرًا أن أحياك بعد أن أماتك، وأرسل روحك إلى أجل مسمى وقل «الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور».
لا تسرف بالمياه ولو كنت على نهر جار أو كان الماء متوفرًا في بيتك... وفي ذلك آثار تربوية واجتماعية.
في العلاقات الاجتماعية
تنبه من حديثي النعمة وشطحاتهم.
كن واعظًا للناس بلسان فعلك لا بلسان قولك.
لا تأكل وهناك عين تنظر إليك، من غير أن يأكل صاحبها معك ولو لقمة.
أترك فضول الكلام والقيل والقال وكن من ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون:3)
لا تقهقه أبدًا، رافعًا صوتك، وعليك بالتبسم فحسب.
عاشر الناس معاشرة إن غبت حنوا إليك، وإن مت بكوا عليك.
كن بالخير موصوفًا، ولا تكتف بأن تكون للخير وصافًا.
خذ العبرة مما يقع حولك من أحداث ووقائع لا تتصنع في الكلام ونطق الحروف على غير عادة قومك.
صرح لأخيك بحبك إياه... ومهما أحبك فيما بعد، كان حبه متولدًا عن حبك إياه تذكر دومًا أن الله سبحانه: ﴿ لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ (الأحزاب: 8) فقلل من الكلام إن لم تضطر إليه، هذا مع صدقه، فكيف بغيره؟.
إياك ممن لا يجد عليك ناصرًا إلا الله تعالى.
ما زلت في مأمن من الناس، حتى تنازعهم ما في أيديهم وما هم عليه من جاه فإن فعلت، أبعضوك ومقتوك.
أوص أهلك ونساء المؤمنين بالحفاظ على حجابهن وأن يكون الجلباب واسعًا غير ملون ولا متكلف الأشكال.
أوصى نساء المؤمنين خاصة الأجيال الناشئة منهن أن لا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وأن لا يخرجن من بيوتهن إلا الضرورة وأن يغضضن من أبصارهن على كل حال.
لا تلبس ما يسمى «بالشورت» أمام الناس ولا تتجول به في الشوارع كما يفعل أهل الجاهلية هذه الأيام... فهذه عادة سيئة يكثر انتشارها ولا إيمان لمن لا حياء له، كما جاء.
لا تكثر الكلام فيما يعنيك، ولا تتكلم قط فيما لا يعنيك.. وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم؟
في المسؤولية
إذا كنت «مسؤولًا» عن قوم أو جماعة أو أمة، فأبك على نفسك من هذا البلاء، وأطلب العون والتسديد من الله U.. فإذا صفقوا لك أو وقفوا أو ارتفعت أصواتهم تعظيمًا لشأنك, فتذكر:
أن كل واحد منهم يسأل عن نفسه يوم القيامة، وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم.
أما إذا كنت أمينًا على شيء من مال المسلمين، فـأذكر:
أن الرجل إذا أسرف في ماله حجر عليه ومنع من التصرف، فكيف بمن أسرف في مال المسلمين؟!
المال الذي يأتيك تحاسب عليه، فلا تغتر به، واليوم الذي يأتيك يختزل من عمرك يومًا فلا تكن من الغافلين.
في الدعاء
إياك ودعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.
إذا دعوت ربك كن كمسكين يستطعم.
لا تنس أن خزائن الله سبحانه مملوءة لا تنفد أبدًا.
أسأل الله U العافية ما استطعت: عافية الدنيا والآخرة.
كن مع ربك سبحانه كمن أتى إلى كريم لا يرد سائلًا... وهو الله سبحانه أكرم الكرماء، فكيف يرد سائليه؟
في الجهاد
ما دام اليهودي موجودًا فلا تأمن فجأته، ولا تدع محاربته.
حافظ على سلاحك وقوتك، فقد ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ (النساء: ١٠٢).
إن كنت ذا يسر فأجعل للجهاد والمجاهدين ألة وسلاحًا أو سيارة أو محركًا أو جهاز اتصال أو مدفعًا.. ليستعمل عند الثغور.
إن الله تعالى يعلم أعداءنا، وكتب على نفسه أنه ينصر الذين آمنوا كما ينصر رسله وهو سبحانه القائل ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر:51)
اجعل نجاتك بوعد الله U ﴿حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 103).
في سفر الآخرة
إذا وقفت على المقابر، فاذكر أن فيها الشاب والهرم، والغني والفقير أين خدامهم؟ أین حجابهم؟ أین حاشيتهم؟ أين القصور من تلك القبور؟
تذكر أنه لم يبق لك أب حي، بدءًا بسيدنا آدم عليه السلام... وأنت لاحق بهم.
لا تقل: غدًا غدًا، فلعلك لا تدرك غدًا، ولا تدري متى إلى الله تصير.
قف على باب المقابر يومًا، وعد الموتى.. كيف يدخلون ولا يخرجون، وتأمل فيمن فارق الأحباب وما يحب فراقهم، ومن سكن التراب ولا يحب سكناه.
لا تنم من غير وصية، وإن كنت على صحة من جسمك.
لو كشف لك ما بقي من أجلك، لزهدت بطول أملك.
أستعد للسفر إلى الدار التي سافر إليها أبوك وأجدادك.
تذكر دومًا أن الموت أيضًا عليك كتب وأن من تشيعه اليوم، غدًا تلحق به، وكلنا إليه راجعون.
تذكر أنه لا بد لك من قرين يدفن معك وهو حي، وتدفن معه وأنت ميت، وهو عملك ليس أمامك.. إلا جنة أو النار.
كل يمضي ينقص من عمرك يومًا.... فإذا.. .. لا ينفع الندم .
إذا كنت تبحث عن حلول لمشكلاتك
بقلم: د. نجيب الرفاعي
ستجد هنا عددًا من الأفكار التي تزرع النجاح والسعادة في حياتك، ولكي تنجح في قطف ثمار هذه الأفكار لعله من المناسب أن تكرر قراءة كل فكرة مع بداية كل صباح وتجربها في حياتك. أنت وزوجك متمنيًا للجميع دوام السعادة والفرحة.
۱– هل خططت يومك بعناية؟ ماذا تريد بالتفصيل في هذا اليوم؟ أكتب ذلك على ورقة واجعل عادة كتابة «ماذا أريد أن أحققه في هذا اليوم» عادة يومية.
2- اقرأ غير المألوف وبالتحديد حين يكون عندك مشكلة تريد لها حلًا سريعًا إننا حين نقوم بذلك سوف نجعل عقلنا الباطن ينيرنا بأفكار وحلول سريعة من يدري لربما وأنت تقرأ في إحدى المجلات والقصص تجد حلًا إبداعيًا لمشكلتك من يدري؟
3- أكثر من محاولاتك الفاشلة.. فأكثرنا نجاحًا في هذه الحياة هم أكثرنا فشلًا احترس أن تقول مليت.. لا فائدة.. أنا فاشل.. هذه الكلمات أو المعتقدات لا يرددها إلا الفاشلون في الحياة.. أما الناجحون فإذا فشلوا بحثوا عن طريق آخر يوصلهم إلى السعادة.. إلى النجاح وأنت ستكون منهم بالتأكيد.. هل لديك محاولة أو تجربة مع الطرف الآخر فشلت بها؟ أسأل نفسك ما البدائل؟ أبحث وستجد بإذن الله.. يا ناجح.
٤- كن على يقين بأن الرزاق هو الله وتذكر وصية الرسول r للأعرابي «أعقلها وتوكل» أخرجه الترمذي (2517)، وابن أبي الدنيا في ((التوكل)) (11)، وأبو الشيخ في ((أمثال الحديث)) (42)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (8/390) فإن كانت لديك مشكلة مالية.. تأكد أنه بعد السعي والحركة ثم التوكل على الله ستجد أن أبواب النجاح مفتوحة أمامك.
الغنائم.. أيها النائم (٣من ٣)
أسباب النجاح وجودة الأداء تجتمع في التبكير للصبح
ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها... فما بالك بصلاة الفريضة؟
د. علي بن عمر بادحدح([1])
ويحك أيها النائم إن جوائز الدنيا وأعطيات أهلها لا تعدل شيئًا مقارنة بغنائم الفجر، ومع ذلك فإنني أعلم أنك تستعد لها في كل مرة وتفرغ لها نفسك وتبذل لأجلها جهدك، وتضحي لنيلها براحتك!.
ألست إذا كان عندك مهمة في العمل لها أثرها في مرتبك، ومرتبتك سهرت لأجلها الليل الطويل، أو ذهبت إليها في منتصف الليل أو آخره، وذلك لكي تنال منفعة عارضة لمرة واحدة فما بالك تترك المنافع العظيمة مع كل انبثاق فجر باستمرار لا انقطاع معه، وكرم وعطاء لا يتبدل ولا يتغير؟ الآن.. تكمل ذكر الغنائم:
الغنيمة العاشرة: الخير العميم
خير بلا حد، وفضل بلا سد، وحسنات بلا عد، عطاء يفوق الوصف وهبات تزيد على الضعف... تصور – أخي القارئ – أن هذه الغنيمة التي سأخبرك بها ليست من غنائم صلاة الفجر، بل هي غنيمة ركعتي السنة قبل صلاة الفجر، ولك – بعد أن تعرف الغنيمة – أن تتساءل، وتقول: إذا كان هذا لركعتي السنة، فكيف إذن بالنسبة لركعتي الفريضة؟
اقرأ معي حديث عائشة أم المؤمنين – t – عن النبي r: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» «رواه مسلم»، وفي رواية: «لهما أحب إلي من الدنيا وما فيها».
سبحان الله: «خير من الدنيا وما فيها» الدنيا بذهبها وفضتها، وجمالها ونسائها، والدنيا بكل ملذاتها وشهواتها؟
نعم... ثواب ركعتي الفجر خير من ذلك كله، ويزيد عليه، والرواية الثانية مؤيدة، ومؤكدة لهذا المعنى عندما جاء لفظها بالمقارنة بين الدنيا وركعتي الفجر، وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «لهما أحب إلي من الدنيا جميعًا»، إذن فكرر معي: فكيف بصلاة الفجر ذاتها؟.
إنها غنيمة بلا حدود، فأسع إليها، وقيدها بالقيود، فإن أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها– قالت: «لم يكن النبي r على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر» «متفق عليه».
الغنيمة الحادية عشرة: الحجة التامة
لا شك أنك تعرف أن الحج ركن من أركان الإسلام، وأن أجره عظيم يخرج به الإنسان من كل ذنوبه ويعود كما ولدته أمه، وهو فريضة في العمر مرة واحدة، وغنائم الفجر تمتد حتى تشمل الحج والعمرة وأجرهما معًا.
رأيت معي الغنيمة العظمى فيما قبل الفجر، وهذه أخرى جليلة، وهي فيما بعد الفجر، فعن أنس –t– قال: قال رسول الله r: «من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة» قال رسول الله r: «تامة تامة تامة» «رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح».
وعن أبي أمامة قال: قال رسول اللهr : «من صلى صلاة الغداة في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم قام وصلى ركعتين انقلب بأجر حجة وعمرة». «قال المنذري رواه الطبراني وإسناده جيد: الترغيب والترهيب 1/296»
واقرأ معي أيضًا حديث أبي ذر – t- عن المصطفى r: «من قال دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك كله في حرز من كل مكروه وحرس من الشيطان ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك إلا الشرك بالله تعالی».
ألا ترى كم هي عظيمة وجليلة هذه الفضائل في. أعقاب الفجر، وبعد أداء الفريضة في ذلك الوقت الذي فيه الهدوء والسكينة والنسمات الندية العليلة، لتبدأ يومك بعد الفجر بالذكر، وتنال عظيم الأجر؟
فهل تترك ذلك مع ما فيه من حياة القلب، وسمو الروح، وزكاة النفس لأجل نعاس يداعب جفنيك أو قليل من التعب يوهن جسمك؟ ولو وتأملت وعزمت لهان الأمر عليك وتيسر الأداء لك فإنما هي ساعة لا أكثر.
فيا لها من غنيمة واظب عليها، ولا تتقاعس ولا تكسل.
الغنيمة الثانية عشرة: البركة الباكرة
روى جابر عن رسول الله -r- أنه قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» «رواه الطبراني في الأوسط» والبكور أول النهار، وقد جعل الله فيه البركة وهي: النماء والزيادة، فالمبادر المبكر إلى أي عمل يجد بركة من الله تعالى في عمله، فإن توجه لطلب العلم وجد سهولة في الفهم وقدرة على التحصيل وسرعة في الاستيعاب، وإن بدأ حفظ القرآن رأى يسرًا في الحفظ، وجودة في الضبط، وإتقانًا في المراجعة والاستذكار، وإن سعى لطلب رزق وجد كثرة في الرزق وزيادة في الدخل، وإن مضى لأداء مهمة تيسرت أسبابها، وذللت صعابها.
إن وقت البكور تتوفر فيه أسباب النجاح، وجودة الأداء لأن الجسم يكون في كامل طاقته وذروة نشاطه بعد اكتمال راحته، وتمام نومه كما أن الذهن يكون صافيًا لعدم انشغاله، وهدوء باله، إضافة إلى أن وقت البكور فيه هدوء وسكينة لقلة الناس، وندرة الحركة، ويزاد على ذلك أن تلك الساعات الأولى تضيف فسحة من زمن النهار يتضاعف بها الإنتاج، وتزداد بها المنجزات.
والذين يصلون الفجر في وقتها يدركون البكور، وينالون بركته، ويجنون ما فيه من المنح الحسية والمعنوية وتلك أيضًا غنيمة فاغتنمها، ولا تكن من الخاسرين.
كيف نقضى بسنة الرسول r-- على الانهيار الأخلاقي وتفسخ المجتمعات؟
قبل ميلاد الهدى، كانت البشرية تعيش في الدركات السفلى من العيش النكد، نهارها كالليل العاتم من كثرة الظلم والهرج والمرج، وليلها ماجن بالخمور والنساء والفواحش ما ظهر منها وما بطن، هذا الوضع المتردي في الجانب الأخلاقي والسياسي والإنساني كان من بواعث ظهور المنقذ من هذه الضلالات كي يغير وجه التاريخ، ويقيم أساس الأخلاق الحميدة، ويرجع الأمور إلى نصابها، ويستل المجتمع من هذه البركة الآسنة المتعفنة، ويقوده إلى بر الأمان، ويتجه بكامل قواه إلى تصحيح التصور المشوش للإله، كي تنعم البشرية بمعرفة الله.
ولد الهدى في ١٢ ربيع الأول – وللربيع مدلولات ومعطيات كثيرة لعل من أميزها أنه فصل الحياة بالنسبة للكون أجمع، وفصل الجمال، والحركة، والنشاط والنبي r– فكان هذا الربيع بالنسبة للبشرية، وميلاده في ١٢ ربيع الأول كان فيه إشارة ضمنية برجوع الإنسانية إلى حالتها الأصلية ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (التوبة:٣٦).
بدأت الدنيا تتنفس الصعداء فرحًا جزلًا، فتبسم الكون «الشمس والقمر والنجوم والدواب والأشجار و..» وأرسلوا تبسمهم ضمنًا إلى أهل الأرض يخبرونهم بأنه آن الأوان أن تذوقوا طعم الحياة وحلاوتها:
ولد الهدى فالكائنات ضياء *** وفم الزمان تبسم وثناء
واجبنا.. ودورنا
مادام الأمر هكذا فإن علينا أن نستشعر الله من الأمور منها:
أن نستن بسنته العلية الكريمة، ونحييها في أنفسنا، ونجسدها في حياتنا اليومية، سواء كانت السنن الفردية، أو الجماعية من حيث التعامل، لأن إحياء سنته r له دليل على محبته, والاشتياق للقائه، قال عز من قائل:﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: ۲۱).
أن نعيش في ظلال القرآن، وتنهل من نبعه الصافي، ونضحي بالغالي والنفيس في سبيل توطيد دعائم شرع الله على وجه البسيطة، فنعيش بالقرآن والقرآن ومع القرآن.
الاستمرار في الجهاد، ورفع رايته, بكل أشكاله وألوانه، وألا نخاف في الله لومة لائم، فلا يوجد أكبر من الحق والعدل، وأن ننصح لإخواننا «الدين النصيحة».
أن نتمنى العيش مع الخالدة ذكراهم في قلوب ووجدان الناس, الذين عاشوا لفكرة يؤمنون بها، فخدموا الناس، وأن نتمنى أن نعيش في جوف طير خضر يطوف بالعرش كل يوم مرات ومرات.
أن نبيع أنفسنا لله. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: ۱۱۱) ونعض على هذا العقد بالنواجذ، ولا نفرط فيه بأي حال من الأحوال، عندئذ يكون بيعنا رابحًا غير خاسر، كما قال الشهيد علي عبد الفتاح:
ثم ماذا بعد هذا يا أخي
غير جوف الخضر في بيض المنابر *** إن بيعا مثل هذا ربحه
لهو نعم البيع *** بيعا غير خاسر
ألا نساوم على ثوابتنا وعقيدتنا أحدًا مهما كانت منزلته ودرجته، وإن علينا وقطعنا إربًا إربًا، ومثل بنا، ففي سبيل الله يهون كل شيء، وكل الأمور بعد رسول الله r جلل.
أن نبذل قصارى جهدنا وطاقتنا في سبيل إرجاع الحياة الإسلامية للدنيا وللبشرية كي تنعم بمعاني الحياة الطيبة، لذا فلابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن هذا الأمر كما قال أبو حامد الغزالي إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو الأمر الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساء طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وقشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الحرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد، إحياء علوم الدين (7/1186).
أن نشمر عن ساعد الجد فإن من جد وجد، وليس من سهر كمن رقد، فلا نكون ممن تضمنا الكتائب، وقلوب كل منا عن المشاركة غائب، وأن ترفع من همتنا وعزيمتنا، ونضع قول ابن الجوزي نصب أعيننا في عملنا الدعوي إذ يقول: «ابتليت الهمم العالية بعشق الفضائل، شجر المكاره يثمر المكارم، متى لاحت الفريسة قذفت الغابة السبع، إذا استقام للجواد شوط لم يحوج صاحبه إلى السوط من ضرب يوم الوغى وجه الهوى بسهم، ضرب مع الشجعان يوم القسمة بسهم، من اشتغل بالعمارة استغل الخراج، إذا طلع نجم الهمة في ظلام يوم البطالة ثم ردفه قمر العزيمة «أشرقت الأرض بنور ربه يا طالبًا للبدعة أخطأت الطريق على الراحة التعب، إن لم تكن أسدًا في العزم، ولا غزالًا في السبق فلا تتثعلب يا هذا الجد جناح النجاة، من كد كد العبيد تنعم تنعم الأحرار، من امتطى راحلة الشوق لم يشق عليه بعد السفر». قال الشاعر:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم*** وتأتي على قدر الكرام المكارم
ابن الجوزي «المدهش ص 228».
آوات محمد أمين- الخرطوم
([1]) إمام وخطيب – جدة – السعودية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل