; هوّني عليك.. يا أمّتي | مجلة المجتمع

العنوان هوّني عليك.. يا أمّتي

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2003

مشاهدات 60

نشر في العدد 1547

نشر في الصفحة 28

السبت 19-أبريل-2003

يجتاحنا الهم والغم.. وتتقطع نباط القلوب حسرة وألمًا على ما حدث ويحدث في العراق.. وهذا أقل ما يجب فعله حتى نشعر بأننا مسلمون ننتمي إلى أمة واحدة.

 لكن.. يجب ألا نقع صرعى اللحظة..

علينا أن نتجاوز الزمن ونجتاز المسافات.. وننبش تحت الركام لاستخراج بعض الحقائق التي سحقت تحت القصف.

من هُزم في العراق؟

هل هُزمت الأمة العربية الإسلامية في معركة العراق؟ أرى أن الإجابة بنعم فيها قدر من المبالغة، وجلد الذات، فالأمة لم تدخل تلك المعركة ولم تكن طرفًا فيها وإن كانت أكثر المتأثرين بنتائجها.

المعركة كانت بين طرفين جائرين ظالمين، وربما لم تكن هناك معركة أصلًا إذا أخذنا بالشواهد التي تدلل على خيانة نظام البعث العراقي وتواطئه مع الغرب لإفساح المجال له للعودة إلى المنطقة وهي شواهد كثيرة وتبدو منطقية، فما معنى استخفاف النظام العراقي بالقوة الأمريكية العالية التقنية وزعمه أنه سيحاربها وأنه قادر على الانتصار عليها ببعض الأسلحة الصدئة التي لم يتم تجديدها منذ أكثر من ١٢ سنة، وفي غياب أي غطاء جوي أو حائط صواريخ هذا اليقين وتلك الثقة في النصر لا يتوافران إلا لفئة معينة من المؤمنين لم تكن هي الحاكمة في العراق ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (آل عمران:173).

إن نتيجة الحرب كانت محسومة قبل أن تبدأ. فتركُ البلاد كلها مفتوحة واللجوء إلى تكتيك التحصن بالمدن- إن كان هناك تكتيك وتحصن- لم يكن ليؤدي أبدًا إلى كسب معركة، وأقصى ما يؤدي إليه هو إطالة أمد الحرب الأيام «وحتى هذا لم يحدث» فالمدن يمكن أن تحاصر بسهولة وتقطع عنها الإمدادات.

حزب البعث خاصم عقيدة الأمة.. وزج بالعراق في أزمتين سابقتين حرب مع إيران، واحتلال للكويت، وكبد الأمة خسائر بشرية ومادية جسيمة دون أن يكون للأمة رأي ولا مشورة فيما فعل، وهو لا يتذكر الأمة إلا بعد أن تقع الواقعة، فيصرخ مستنجدًا: أغيثوني فإنني أحارب من أجلكم!.

بعد هزيمة يونيو ١٩٦٧ قال الشيخ محمد متولي الشعراوي- يرحمه الله- إنه سجد لله شاكرًا على ما حدث.. وهي حالة أجد نفسي غير قادر على تصورها.. أن يسجد الشيخ لله شكرًا على الهزيمة التي لا تزال الأمة تدفع ثمنها حتى اليوم وكان رد الشيخ في ذلك «إنه سجد لله شكرًا على هزيمة المنهج الذي مثله عبد الناصر» في ذلك الحين وهو منهج مخالف للإسلام. ولو انتصر عبد الناصر لأخذته العزة بالإثم ولحدثت فتنة عظيمة للمسلمين في دينهم أما مع الهزيمة فقد حدث العكس.. وكل المراقبين للصحوة الإسلامية الحالية يؤرخون الهزيمة ١٩٦٧ باعتبارها أحد الأسباب الرئيسة للصحوة الإسلامية، فالعودة للدين تكون قوية عقب الهزات الكبيرة التي تصيب المرء والمجتمع.. ونأمل أن يحدث شيء من ذلك في العراق وفي سائر بلدان عالمنا العربي والإسلامي إن شاء الله.

 

الظلم ظلمات

لقد مارس النظام البعثي في العراق ألوانًا من الظلم لا يمكن أن تكون بحال مجلبة للنصر.. فالنصر يتحقق بشروط لم يتوافر للنظام العراقي واحد منها، وكما قالوا إن الدولة الظالمة تزول وإن كانت مؤمنة والدولة العادلة تبقى ولو كانت كافرة، ولا يعني ذلك أن من حاربوا صدام عادلون ولكنها سنة الله في تقليب الأمور ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ(آل عمران: ١٤٠).

ولا يقف الأمر عند الظلم وحده، فهناك تعطيل شرع الله والحكم بغير ما أنزل الله، والانحراف في العقيدة والتعامل بالربا وانتشار أنواع من الفساد والموبقات.. كلها مما يغضب الله سبحانه وتعالى.

 لقد زعم صدام أن لديه ستة ملايين مقاتل.. وظن أنه- بهم- قادر على تحقيق النصر، وفي لحظة تبخرت تلك الملايين فلم تغن عنه شيئًا وضاقت عليه الأرض بما رحبت واختفى في الجحور هو وجنده لأن القتال لم يكن عن عقيدة وإيمان.. ورأينا بعض من وزع عليهم صدام السلاح ليواجهوا به الغزاة يستخدمونه في السطو والسلب والنهب وهم يدوسون على صور صدام بأقدامهم، لأن الحاكم لم يأت من ضمير الأمة ولم يكن مرآة للشعب.. لا اختيار ولا حرية ولا رضا! أين هذا مما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عوف بن مالك؟ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خيار أئمتكم من تحبونهم ويحبونكم وتُصلون عليهم، ويُصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم».

كان صدام يحتقر الشعب العراقي ولا يهمه أن يزج بمئات الألوف من شبابه في محرقة الحروب الأولى والثانية والثالثة، فيما هو يتنعم مع ولديه.. لذلك حين انكسر الرابط بين الحاكم والمحكوم الذي لم يكن سوى الخوف من السلطة وبطشها انفلت العيار حتى تجاوز الحد.. ورأينا عراقيين يرحبون بالمحتلين وهنا نقول: لئن هُزم العراق في معركة غير متكافئة فلا ينبغي أن يُهزم العراقيون في معركة الولاء والبراء.. والحب في الله والبغض في الله ولا يستبدلوا عدوًّا بآخر وظالمًا بثان.

انطلقت بعض الحناجر تقول: هل تريدون أن تكونوا عراقيين أكثر من العراقيين؟ ألا ترون أن العراقيين يرحبون بالقوات الأمريكية والبريطانية باعتبارها قوات صديقة محررة، فكيف تصفونها بالعداوة والاحتلال؟

لقد سبق أن قيل مثل ذلك عن القضية الفلسطينية، وقال البعض: أتريدون أن تكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين؟ إذا قبل الفلسطينيون بتسليم أرضهم للصهاينة والرضا بالقليل منها فما شأنكم؟

وفي الحالتين نقول: إن تلك القلة التي سلمت بالهزيمة ورضيت بها لأسباب كثيرة لا تعبر عن الكثرة الساحقة من الشعبين الفلسطيني والعراقي، ونقول: فارق بين الغضب على حكم مستبد والفرح لزوال حكمه والرضا بالاحتلال، ونقول: إن أمر بلاد المسلمين شأن إسلامي عام يخص المسلمين كافة، ونقول: إن من تستغرقه التفاصيل، ويتأثر بالأحداث مباشرة ستكون له نظرة قد بجانبها الصواب وهي تختلف عن نظرة من يرقب الأحداث عن بعد وفي التحليل السياسي كلما كان المحلل أقل ما يمكن تأثرًا مباشرًا بالأحداث، كان رأيه أقرب للصواب وكما يقال إن نظرة الطائر الذي يحلق من عل يمكن أن توضح الصورة أفضل من نظرة من يقف على الأرض.

 

الهدم شرط للبناء

في غالب الأحوال، يكون الهدم شرطًا للبناء الجديد على أسس جديدة، وسقوط نظام البعث العراقي برموزه وتاريخه الملطخ بالدم سيوقف انتشار التيارات السياسية المشابهة وسيمهد- إن شاء الله- لبناء جديد. ومن قصر نظره على حالة الهدم وحدها فسيصيبه الذعر ويركبه الهم ولو أتاح لنفسه فرصة للتخيل واستشراف المستقبل لأبصر البناء الجديد الذي سيقام محل ذلك البناء المتصدع الخرب قبل قرابة ثمانين عامًا ابتليت الأمة بزوال الخلافة. كان الحدث زلزالًا ضخمًا هز أرجاء العالم الإسلامي.. لكن قراءة لواقع ذلك الزمان كانت تقود إلى استنتاج أن ما حدث كان أمرًا حتميًا بعد أن تصدع بنيان الخلافة وبعد أن سقط معظم بلدانها تحت الاحتلال والاستعمار الأوروبي. وقد فعل مصطفى كمال ما فعل في تركيا لصرفها عن الإسلام. فهل نجح بالتأكيد لم ينجح.. ولا تزال تركيا بلدًا مسلمًا.. وفي بعض قطاعاتها ووعي مفكريها بل وعامتها من الحيوية والرغبة للعمل للإسلامأضعاف ما في بلدان أخرى لم تتعرض لمثلالمؤامرة الكمالية.

 الأمة لا تموت... بل الإنسانية لا تموت، بينما الأشخاص يموتون، والأنظمة تزول وتأتي وتلك سنة الله في خلقه والانتصار لا يكون في ميدان الماديات وحدها.. بل في الميدان المعنوي.

إن حجم التقديس الذي صُنع لصدام حسين وعدد التماثيل والصور التي زرعت له في كل شبر من أرض العراق قد أوجد حالة من التأله التي تسببت في خراب النفوس والعقائد.. فهل نبكي بعد ذلك على دمار البنية التحتية المادية؟!

الحدث جلل... والصدمة مروعة... والأمة مدعوة لاستخلاص الدروس والعبر هل كان لازمًا أن تسقط بغداد في صفر عام ١٤٢٤ للهجرة كما سقطت في محرم عام ٦٥٦ للهجرة. لتبدأ النهضة الجديدة والصحوة العظيمة التي ترد هجمة التتار والصليبيين؟

 لعله كذلك، ونأمل أن تأتي النهضة الشاملة والصحوة العظيمة إن شاء الله.. وفي التاريخ عظة وعِبْرة.

 

يوم 9 أبريل في التاريخ 

يقال إن التاريخ يعيد نفسه، ولا تخلو هذه المقولة من بعض الصدق وإن كنا نتحفظ أصلًا على التاريخ الميلادي، ولكن لنر ماذا حدث في مثل يوم سقوط بغداد:

١٩٠٤: وفاة الملكة إيزابيلا الثانية ملكة إسبانيا حكمت إسبانيا بين عامي ١٨٣٣ و١٨٦٨، وتميز عهدها بالاضطراب وعدم الاستقرار، وخُلعت عن العرش.

۱۹۲۳: تعیین مصطفى كمال رئيسًا لتركيا. ألغي عام ١٩٢٤ نظام الخلافة، وأبعد الخليفة وأسرته من البلاد، وألغى وزارتي الأوقاف والمحاكم الشرعية، وحول المدارس الدينية إلى مدنية، وأعلن أن تركيا دولة علمانية على الطراز الأوروبي، وأغلق كثيرًا من المساجد، وجعل الآذان باللغة التركية، واستخدم الأبجدية اللاتينية في كتابة اللغة التركية بدلًا من الأبجدية العربية.

 ١٩٤٠: ألمانيا النازية تجتاح النرويج والدانمارك خلال الحرب العالمية الثانية.

١٩٤٨: عصابتا شتيرن والأرجون الصهيونيتان تنفذان مذبحة مروعة في قرية دير ياسين العربية القريبة من القدس في فلسطين تسفر عن ذبح ٢٥٤ مدنيًا فلسطينيًا على الأقل من النساء والشيوخ والأطفال وتدمير أكثر من ۱5 بيتًا بالمتفجرات وتنفيذ عمليات نهب واسعة. والقيادة السياسية الصهيونية تكرم مرتكبي المذبحة.

١٩٦٣: الولايات المتحدة تكرم رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل (١٨٧٤- ١٩٦٥) بمنحه المواطنة الفخرية، ليكون أول أجنبي يحصل عليها. قاد بلاده بالتحالف مع الأمريكيين إلى النصر على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.

الرابط المختصر :