; واجب المسلمين تجاه الانتفاضة | مجلة المجتمع

العنوان واجب المسلمين تجاه الانتفاضة

الكاتب د. عمر سليمان الأشقر

تاريخ النشر الثلاثاء 08-مارس-1988

مشاهدات 73

نشر في العدد 857

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 08-مارس-1988

إن واجب المسلمين تجاه إخوانهم الذين ثاروا على أرض الإسراء والمعراج على طغيان أعداء الله وأعداء دينه اليهود لا يحتاج إلى شرح وتفصيل لو كان في المسلمين حياة، ولكن المسلمين موتى ساكنون سكون أصحاب القبور، لا تهزهم النكبات، ولا تؤثر فيهم المصائب التي حق لها أن تفجر طاقاتهم وتُعيدهم إلى صوابهم. إن واجبنا أن نهبَّ لنصرة إخواننا من مشرق العالم الإسلامي وغربه، واجبنا أن نرفع راية الجهاد، ونُنادي بأعلى أصواتنا حي على الجهاد.

ونردد على مسامع المسلمين قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (البقرة:190)، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ (التوبة:123)، ونلوم المتقاعسين عن القتال الذين يأبون الجهاد ونحن نرتل قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (النساء:75). ونقول للذين يقعدون عن القتال ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (التوبة:38)، ونتوعدهم بوعيد الله ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ (التوبة:39). إن واجبنا الذي تمليه عقيدتنا وإسلامنا وأخوتنا تجاه إخواننا في الأرض المباركة وتجاه الأقصى الجريح الحزين، وتجاه مسرى رسول الله أن يُعلن حكام المسلمين الجهاد في سبيل الله، وأن يُعلن علماء المسلمين ودعاتهم الجهاد في سبيل الله وأن تنطلق الجيوش الإسلامية مكبرة مهللة ملبية نداء الله، نداء الجهاد لتنال إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.

وواجب المسلمين أن يوقفوا الحروب الثائرة بين المسلمين، والتي تستنزف قوتهم، وتهدر طاقاتهم، وتذهب أموالهم، لتُوجّه إلى العدو المتربص هناك فوق قبور الفاتحين من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتحوا تلك الديار، وسالت دماؤهم الطاهرة فوق ثرى تلك الأرض الطيبة.

أيها المسلمون: لمن تعدون السلاح؟ ولمن تبنون الجيوش؟

أيها المسلمون: أليس في صدوركم نخوة الرجال، وعزة الأطفال؟! أين أنتم من أجدادكم وسلفكم الذين كان أنين المظلومين وصرخات المعذبين ودموع الثكالى، وبكاء اليتامى تمنعهم الرقاد، وتملك عليهم أوقاتهم في ليلهم ونهارهم!!

ألا تشاهدون يا من ورثتم ميراث خير أمة أُخرجت للناس ما تفعله يهود بأخواتكم المسلمات، وأطفالكم وشيبكم وشبانكم؟!

ألم تشاهدوا المرأة يجرها العلج من قرونها، والعصي تهوي على رأس الطفل ويده فتُكسر وتُجرح وتُقتل؟!

ألم تشاهدوا السلاح وهو يُوجّه من قبل الظالمين إلى صدور أبنائكم وأهلكم الذين لا يملكون من السلاح إلا الحجارة؟!

ألم تسمعوا بكاء المآذن في فلسطين!! ألم تسمعوا صوت الأقصى باكيًا حزينًا!! ينادي أهله وذويه!! أبِكم صمم؟ أم في قلوبكم وبصائركم عمى؟!!

لو كان لدي صوت أُسمع به أهل القبور لأطلقته فيكم لعله يُحيي منكم موات القلوب، ولو كان لدي ماء الحياة لأرسلته عليكم لعله يجعلكم تنفضون عنكم هذا السبات الذي أنتم فيه.

ألم يأن لكم أيها المسلمون أن تفيقوا؟ ألم يأن لكم أن تتركوا الخلاف الذي قطع أوصالكم وقسم دياركم وجزّأ بلادكم؟ ألم يأن لكم أن تجتمعوا على كلمة سواء؟ وماذا جمعتم من خلال الفرقة والخصام إلا الصاب والعلقم؟

هل ستذهب صرختي هذه في وادٍ عميق ليس له قرار، فلا يرجع إليَّ منها شيء، حتى الصدى فإنه في وديان المسلمين قد لا يعود، ولا تتجاوب به الأرجاء!

أيها المسلمون: لقد غُزيتم في عقر داركم، وأُخذت منكم أرض الإسراء وهي من بلادكم بمثابة القلب من الجسد، والذهب من المتاع، وإن الله سائلكم عن تفريطكم في حقه تبارك وتعالى وحق دينه، وعن تفريطكم في بلاد المسلمين ودماء المسلمين وأعراض المسلمين. سيأتي يوم يسألكم عن ذلك كله، حكامًا ومحكومين، أغنياء وفقراء، أفرادًا وجماعات. فماذا أعددتم جوابًا، وماذا تقولون لله حين يسألكم؟

إن الانتفاضة أظهرت الوجه الحقيقي للشعب المسلم في فلسطين، لقد هبَّ الشعب رافعًا راية الإسلام، وعلا النشيد هناك من المساجد والمآذن مرددًا: الله أكبر، وماجت ساحات الأقصى بجموع المهللين المكبرين، لا تخاف مسدسًا ولا مدفعًا، عادت الهوية الإسلامية التي رام الأعداء والأصدقاء مسخها تحت المبادئ المختلفة وباسم الشعارات المختلفة.

عاد الوجه الحقيقي بعد أن سقطت الأقنعة المزيفة التي ركبها الضالون على وجوه أبناء فلسطين، لقد بدأ النور يطل مرة أخرى من الوجوه المتوضئة، والعيون المترعة بالآمال التي زرعها الإسلام في أعماق القلوب، والأفواه التي تردد النشيد الخالد نشيد الجهاد الذي حملناه عن آبائنا عبر القرون.

لقد عادت للقضية الفلسطينية أصالتها، ورُفع الركام والضباب ليرى الناس حقيقة القضية، إن قضية فلسطين قضيتكم أنتم أيها المسلمون أينما كنتم وحيثما حللتم، وليست قضية الشرق الأوسط، ولا قضية أهل فلسطين وحدهم، ولا قضية العرب وحدهم.

وحلها عندكم، لا في هيئة الأمم ولا مجلس الأمن، ولا في مؤتمر دولي، ولا في صلح منفرد، ولا في صلح جماعي، حلها عندكم بالجهاد في سبيل الله، وطرد الذين دنسوا أرضها وأذلوا شعبها، وانتهكوا حرماتها، وعبثوا بأقصاها ومقدساتها.

فإن كنتم لا تستطيعون أن تجيبوا إخوانكم، ولا تستطيعون تلبية داعي الجهاد، فسيأتي الله بقوم غيركم يُعيدون على أرض فلسطين أحاديث خالد بن الوليد وبطولات صلاح الدين، يُزلزلون الأرض من تحت أقدام الذين علوا في الأرض علوًّا كبيرًا.

إن واجبكم أيها المسلمون أن تجاهدوا في سبيل الله لإعادة فلسطين وإجابة الذين ثاروا من أهلها على الظلم والطغيان، واجب الأغنياء أن يبذلوا، وواجب الأبطال أن يجاهدوا وواجب الدعاة أن يُعيدوا الروح إلى النفوس، وواجب المفكرين أن تنبض قلوبهم بالإسلام، واجب الجميع أن يشتركوا في ملحمة كبرى تُعيد القوس إلى باريها والسهم إلى نابله، وتُعيد هذه الأمة إلى المكانة التي فقدتها، والأصالة التي خسرتها، وتُبعد هذا الخبث الذي أحاط بها؟

اللهم إني لا أملك إلا كلمة أقولها، وحجة أوضحها، ودعاء أرفعه إليك، اللهم خذ بنواصي المسلمين إليك، وأحيِ قلوبهم بالإيمان بك، وأنر بصائرهم بنور كتابك، وأمددهم بروح من عندك، اللهم ارفع فيهم راية الجهاد، تُعز بها أهل طاعتك وتُذل بها أهل معصيتك.

اللهم أيد أولئك الذين ثاروا على الظلم في أرض الإسراء، وكن نصيرهم إذ عزّ النصير، وكن معينهم إذ عزّ المعين، اللهم إنا نجعلك في نحور الظالمين، ونحتمي بك من شرورهم، اللهم إن طغيان أعدائك اليهود قد علا، وظلمهم قد عمّ، وباطلهم قد استحكم، وآن لباطلهم أن يزول، ولطغيانهم أن يتحول ولظلمهم أن يُدمّر. اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وارفع مقتك وغضبك عنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وانصرنا وانصر بنا، إليك المشتكى، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بك.

الرابط المختصر :