; واحة الصوم (۲): الصوم تزكية للنفس وتضييق لمسالك الشيطان | مجلة المجتمع

العنوان واحة الصوم (۲): الصوم تزكية للنفس وتضييق لمسالك الشيطان

الكاتب منتصر محمد عفيفي

تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2005

مشاهدات 54

نشر في العدد 1673

نشر في الصفحة 50

السبت 15-أكتوبر-2005

  • يؤدي إلى رقة القلب وصفائه الذي به يتهيأ لإدراك لذة المثابرة والتأثر بالذكر.

  • علاقة قوية تربط بين الصوم والقرآن والدعاء.

  • الصوم مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كله.

تحدثنا في العدد الماضي عن مكانة الصوم عند الله تعالى وفضله على سائر العبادات، وفضل شهر رمضان على باقي الشهور وعن جزاء الصوم وفوائده، واليوم نتحدث عن العلاقة بين الصوم والقرآن والدعاء، وأسرار الصوم.

العلاقة بين الصوم والقرآن والدعاء

هناك علاقة قوية بين الصوم والقرآن وبين الصوم والدعاء، وقد ذكرنا في فضل الصيام حديث رسول الله في شفاعة القرآن والصيام للعبد. 

وفي آيات الصيام إشارة أخرى إلى تلك العلاقة بين الصيام والقرآن، حيث يقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: ١٨٥).

فهذا مدح من الله لشهر الصيام بأن اختاره لإنزال القرآن، وروى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُنزلَت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأُنزلَت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان».

وقد نزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: 1)، ثم نزل بعد ذلك مفرقًا بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونجد أن مدارسة القرآن مع استحبابها في كل وقت، إلا أنها أكثر استحبابًا في رمضان، وفي الحديث أن جبريل كان يلقاه (أي رسول الله) في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن.

فينبغي على المسلمين أن يُقبِلوا على القرآن في هذا الشهر أكثر من إقبالهم عليه في غيره من الشهور تلاوةً واستماعًا وحفظًا وتدبرًا ومدارسةً وعملًا بما فيه، كما كان من وسائل شكر الله على القرآن صوم المسلمين لهذا الشهر الذي نزل فيه القرآن.

أما عن علاقة الصوم بالدعاء، فقد ذكر الله الآية الباعثة على الدعاء: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: ١٨٦)، ذكرها الله متخللة بين أحكام الصيام عوضًا عن مشقة الصيام باستجابة الدعاء، وإرشادًا إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، وعند كل فطر؛ فالصائم أقرب الدعاة استجابة، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة»، ويقول: «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد». 

ويقول أيضًا: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة».

وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: «وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين». 

وكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر جمع أهله وولده ودعا، وكان يقول في دعائه: «اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي». 

ومن الأدعية الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومخصصة عند الفطر قوله:« ذهب الظمأ وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله» وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت».

أسرار الصوم

يقول الأستاذ سيد قطب في تفسيره: لقد كان من الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليها الجهاد في سبيل الله لتقرير منهجه في الأرض والقوامة به على البشرية وللشهادة على الناس؛ فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة، ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد، كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كله، واحتمال ضغطها وثقلها، إيثارًا لما عند الله من الرضا والمتاع، ثم يشير إلى أن هذه الأمور كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك والذي تتناثر على جوانبه الرغبات والشهوات.

فالصوم دعوة إلى ترويض النفس وتعويدها على شظف العيش وخشونة الحياة، وحرمانها أحيانًا مما تحب وتهوى حتى يسلس قيادها، ويسهل مقادها، وهو أيضًا يقوي الإرادة، ويجعل للإيمان والتقوى قوامة على الجسد وحاجاته العضوية، بل يجعل الجسد مطية الروح.

فهو إعداد للأمة التي فرض عليها، وهو أعظم مربٍّ للإرادة وكابح الجماح الأهواء.

كما أن الصوم زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، ونجد ذلك في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل إني صائم، مرتين».

وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث»، وهكذا نجد عناوين بارزة موضوعاتها هي بعض أهداف وأسرار فرضية الصيام، مثل: الصبر والحلم والبعد عن اللغو والمعاصي.

كما أن الصوم تزكية للنفس وتضييق لمسالك الشيطان ووسيلة لقهره والتغلب عليه عن طريق السيطرة على الشهوات بالتقليل من الأكل والشرب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم من العروق، فضيقوا عليه بالجوع». 

وقال أيضًا: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».

كما أن الغرض الأساسي من فرضية الصوم هو تحصيل التقوى وتهذيب النفس وتعويدها على الخير يقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). 

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، ويقول صلى الله عليه وسلم أيضًا: «رُب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع».

ومن أسرار الصوم أيضًا ما يتضمنه قول الله تعالي: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 185) حيث يشعر المؤمنون بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم وهم صائمون وبعيدون عن المعصية فيكبرون الله على هذه الهداية ويشكرونه على هذه النعمة وتعود قلوبهم إليه بهذه الطاعة.

والصوم أيضًا يجعل العبد يصل إلى درجة الملائكية، ويسمو بروحه إلى الآفاق حيث إيقاد القريحة ونفاذ البصيرة، وقد قال لقمان لابنه: «يا بني إذا امتلأت المعدة، نامت الفكرة، وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة».

كما يؤدي الصيام أيضًا إلى رقة القلب وصفائه الذي به يتهيأ لإدراك لذة المثابرة والتأثر بالذكر.

ومن أسرار الصيام أيضًا شعور الغني بحاجة الفقير، وما يتحمله الغني من الجوع والانكسار والذل في نهار رمضان يجعله أكثر إحساسًا بالفقراء، فإذا بالصدقة وزكاة الفطر مسحة حانية تتوج إحساس الغني بحاجة الفقير.

فالصوم مدرسة إيمانية تربى فيها المسلمون الأوائل تربية واعية بمقاصد الصيام وأسراره فسادوا الدنيا، وخضع لهم ملوك العالم مع ما أوصلهم الصيام إليه من

مكانة عالية عند الله العلي القدير. 

فهل نُقبِل نحن على تلك المدرسة الإيمانية الربانية ننهل من فيضها ومعينها ما نهله السابقون الأولون من المسلمين؟ وهل نؤدي حق الصوم، وتعمل بمقتضاه؟ 

وفي النهاية: أذكر حدیث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصيام جنة ما لم يخرقها، قيل: بم يخرقها؟ قال: بكذب أو غيبة». 

وقول بعض السلف: الغيبة تخرق الصيام والاستغفار يرقعه، فمن استطاع منكم ألَّا يأتي بصوم مخرق فليفعل».

وقول ابن المنكدر: «الصائم إذا اغتاب خرق، وإذا استغفر رقع».

نسأل الله تعالى أن يرزقنا صومًا مقبولًا وأن يخلص له نياتنا، وأن يرزقنا العلم والعمل، وأن يجعلنا من الرابحين في سوق رمضان، إنه ولي ذلك ومولاه والقادر عليه. 

--------------------------------

المصادر

  1. تفسير القرآن العظيم، لابن كثير.

  2. في ظلال القرآن، للأستاذ سيد قطب.

  3. مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة المقدسي.

  4. جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي.

  5. رياض الصالحين، للإمام النووي.

  6. فقه السنة، للأستاذ سيد سابق. 

  7. قوارب النجاة في حياة الدعاة، للأستاذ فتحي يكن.

  8. الإيمان أولًا فكيف نبدأ به؟ د. مجدي الهلالي. 

  9. فوائد الصيام، بحث أ. د. إبراهيم شحاته.

الرابط المختصر :