العنوان والدي السلطان عبد الحميد 1842م- 1918م.. (حياته- أعماله- خلعه- سجنه)
الكاتب عائشه عثمان أوغلو
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1987
مشاهدات 58
نشر في العدد 815
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 28-أبريل-1987
▪ تأليف: الأميرة عائشة ابنة السلطان عبد الحميد
▪ ترجمة: الدكتور إبراهيم الداقوقي
▪ تقديم وتعليق الأستاذ سيف مرزوق الشملان
▪ في أيام المحيا تقف جميع نساء القصر على شكل دائري وهن يكبرن ويقرأن الآيات القرآنية
▪ أعياد «المحيا» في القصر
كان يقرأ المولد النبوي الشريف أيام المحيا، ويتم هذا بإعداد القاعة الكبرى في قصر «المابين»، ويكون ذلك برفع المقاعد وفرش السجاد ووضع المنادر فوق السجاد.
ويأتي كبار الموظفين لتهنئة السلطان بهذه المناسبة، وكان والدي يطلب من بعض هؤلاء البقاء حتى المساء، وكان والدي بمصاحبة «ترانكز باشا» يقوم باستقبال الأمراء والحكام والسلاطين. ثم يأتي دور إمام جامع الحميدية والمؤذنين لتهنئة السلطان، وكذلك الفرقة الموسيقية الخاصة بالقصر، وبعد الانتهاء من التهنئة والتبريكات يجلس والدي في المكان المخصص له، ويطلب من بقية الحضور الجلوس، فيجلس كل في المكان المخصص له أيضًا.
وفي نهاية الممر المؤدي إلى البهو يتم وضع الحواجز المشبكة، توضع وراءها بعض الفرش «المنادر» المخصصة لنا فتجلس جميع نساء القصر هناك، وقد تحضر بعض السلطانات من خارج القصر مثل بنات السلطان عزيز والسلطان مراد، وكذلك بعض العمات إن رغبن في ذلك، ويتم توزيع بعض أنواع الحلويات فتقدم أولًا إلى والدي ثم إلى بقية الحضور ثم إلينا.
وعند الانتهاء من قراءة المولد النبوي الشريف وتوزيع الحلويات يقف والدي فيقف جميع الحضور، ويقدمون آيات التحية والتهنئة مرة ثانية ثم ينصرفون، ولكنهم قبل الانصراف يستلمون سلالًا صغيرةً مليئة بالحلويات، وهذه الحلويات من صنع حجي بكر أفندي- أشهر صانع حلويات حتى الوقت الحاضر.
وبعد الانتهاء من قراءة المولد النبوي الشريف، كان والدي ينتقل إلى البهو الكبير في قسم الحريم، فيقوم الكتاب بوظيفة التشريفات، وكنا نحن نقبل يديه ويجري ذلك حسب الأعمار، وكان الخازندار في الأخير دائمًا.
وكان والدي يجلس مع والدته ونجلس نحن حواليه ونتكلم في مختلف المواضيع ثم توزع علينا الحلويات وأنواع الشربات وعصير الفواكه، وعندما ينهض والدي إشارة للانصراف كنا ننهض نحن أيضًا فنتمنى له عامًا سعيدًا وننصرف.
وكان والدي في بعض الأحيان يبقى مع والدته مدة أطول، وكان والدي يستقبلها دائمًا أمام الباب ويمد ذراعه لتتكئ عليها ثم يسير بجانبها حتى تجلس فيجلس إلى جانبها وعندما تود الانصراف يذهب معها حتى الباب فيقبل يدها قائلًا: «في أمان الله يا والدتي العزيزة»، فتجيبه: «عُش كثيرًا يا بطلي»، وكانت تسأل الخدم عن صحتهم فيدعون لها بالصحة وبطول العمر، وعندما يذهب والدي إلى جناحه الخاص كان الخدم والكتاب يقفون على شكل صفين طويلين لتهنئته.
وفي الصباح كانت تجري مراسم الاحتفالات الدينية، ويتم توزيع الحلويات- الخاصة بالمناسبة- والمرطبات، ولهذا اليوم خاصية كبيرة وهي مجيء المحفل الشريف إلى القصر.
وكان شيخ دار السعداء يمسك بيده عصا مصنوعة من العاج ومطعمة بالذهب، ويقف في المقدمة فتقف وراءه جميع نساء القصر فيبدأون بالمشي على شكل دائري وهم يكبرون ويتلون الآيات القرآنية، ثم يضعون المحفل الشريف في حديقة قصر الحريم.
وكانت جميع نساء القصر والخدم يقومون بزيارة هذا المحفل الشريف، فكانت كل سلطانة وكل امرأة موجودة في القصر تهدي نوعًا من الأقمشة الغالية، وكانت اثنتان من جواري القصر الماهرات يقمن بتزيين هذا المحفل بطريقة خاصة.
وكان هؤلاء تدربن منذ صغرهن لتزيين المحفل بحيث إن كل جيل ينقل مهارته ومعرفته إلى جيل آخر، ثم تأخذ نساء القصر هذا المحفل إلى دار «شيخ دار السعادة» فيبقى هناك حتى اليوم التالي، وفي هذا اليوم تبدأ مراسم الزكاة.
وكان لكل سلطانة وامرأة شخص في مكة المكرمة عليها أن ترسل له الهدايا والنقود في كيس من الجلد.. وكانت هذه الأكياس تُشد بالخيط شدًا محكمًا ويتم فتحها بالختم السلطاني، ويكتب فوقها «تذهب وتعود بالسلامة» ثم تسلم هذه الأكياس إلى شيخ دار السعادة ويرسلها بدوره إلى مكة المكرمة، وكان يوجد في مكة المكرمة شخص مسؤول عن إرسال الهدايا لأصحاب هذه الأكياس.
وكان المسؤول عني شيخ كريم يسمى «سيد شيب زاده عبد القادر أفندي» وفي السنة الثانية من نفس اليوم يأتي المبشرون من مكة المكرمة فتتسلم كل سلطانة وكل امرأة آيات الشكر والهدايا من صاحبها الشيخ الموجود في مكة المكرمة، وكانت هذه الهدايا عبارة عن خواتم من العقيق أو المسابح أو القلائد والعطور وأشياء أخرى، وكانت هذه الهدايا تسرنا كثيرًا بالرغم من بساطتها ورخص ثمنها.
وكان على «أمين السر» أن يستلم المحفل الشريف والهدايا، وبهذه المناسبة يجري احتفال خاص في منطقة قصر «يلدز»، وكان السلطان يراقب هذا الاحتفال بمصاحبة بقية الأمراء والباشوات، فكان يوضع المحفل الشريف فوق جمل مزين بالأشرطة الملونة، ثم يمرون من أمام باب القصر فيقرع بعض الزنوج على الطبول دقات خاصة، ويرقصون «حركات بهلوانية» وكان هذا الاحتفال يسرنا كثيرًا، وعندما يتم نقل المحفل الشريف إلى منطقة «اسكدار» تسمع صوت إطلاقة المدافع علامة وصول المحفل الشريف إلى منطقة «اسكدار».
▪ أعراس السلاطين
إن مناسبات الأعراس الأولى التي حدثت في عهد حكم والدي هي زواج شقيقاته الأربعة وهي كل من: السلطانة بهيجة والسلطانة سنيحة والسلطانة مديحة والسلطانة نائلة، وقد تم زواجهن في أولى أيام حكمه، وقد تم تجهيزهن من قبل السلطان عزيز، ولكنه لم يستطع أن يزوجهن فتزوجن في عهد والدي.
ثم تم زواج بنات السلطان عزيز الثلاثة، وهن السلطانة صالحة والسلطانة ناظمة والسلطانة أسماء، وقد جهزهن والدي مع السلطانة زكية.
وكان والدي يحب ابنته السلطانة نعيمة كثيرًا ويسميها «الابنة المتوجة» وقد تم زواجها في عهده وبصورة منفردة.
وتم كذلك زواج بنات السلطان مراد في عهده وهن خديجة وفهيمة، وكذلك أصغر بنات السلطان عزيز، ثم زواج أصغر بنات السلطان مراد وهي السلطانة فاطمة، وكذلك زواج ابنة عمنا كمال الدين أفندي السلطانة منيرة، ومن هذا تعلم بأنه تم في عهد والدي تجهيز وزواج خمس عشرة سلطانة.
وأول مناسبة زواج رأيتها كانت زواج أختي «من أبي» السلطانة نعيمة- التي كان يدعوها ابنتي المتوجه- ولقد كنت آنذاك في التاسعة من عمري.. وقد تم بناء قصر لها في منطقة أورطا كوى، وقد تم إحضار جهازها إلى قصر «المابين» فذهبت العائلة لمشاهدته، وقبل العرس بأسبوع ذهب الخازندار مع جماعته إلى القصر، وبدأ بتأثيث القصر.
وقد وجه والدي الدعوة لجميع الوكلاء والأعيان لحضور الوليمة الخاصة بهذه المناسبة، وقد أشرف على زواجها شيخ الإسلام، وزوجها هو كمال الدين أفندي الابن الثاني لغازي عثمان باشا، وقد وصلت عدة هدايا للسلطانة نعيمة بمناسبة زواجها، وقد وزع والدي بعض الهدايا التذكارية للذين حضروا مراسم زواج السلطانة نعيمة، وبالمقابل أهدى والدي إلى زوجة غازي عثمان باشا نيشان «المجيدية»، وكان الابن الأكبر لغازي عثمان باشا المدعو نور الدين باشا زوج السلطانة زكية.
وقبل مراسم الزواج دعا والدي السلطانة نعيمة إليه وضمها إليه، ودعا لها بالحياة السعيدة، ولم تكن العادة أن ترتدي العروس ملابس العرس عندما تترك قصر والدها، لذا ذهبت السلطانة نعيمة بملابسها الاعتيادية، فنحرت بعد ذهابها الأضحية ووزعت على الفقراء.
ثم خرجت جميع العربات الخاصة بالحريم، وذهبت إلى قصر السلطانة نعيمة، وكان الوالدة الأم في المقدمة، وكانت أبواب القصر مفتوحة والمكان مكتظ بالمدعوين، أما السلطانة نعيمة فكانت ترتدي ثوبًا طويلًا مصنوعًا من المخمل الأبيض مطرزًا بخيوط ذهبية، وقد وضعت التاج على رأسها والميداليات الخاصة على صدرها وهي تستقبل المدعوين وتقوم بواجبات الضيافة.
وكانت السلطانة بثوبها الأبيض تمثل الحنان والمحبة، وقد جمعتنا حولها بكل لطف ورقة، وكنت أنا والسلطانة شادية والسلطانة رفيعة والسلطانة نامقة «ابنة سليم أفندي» نجلس حواليها، وكان الثوب الذي ترتديه السلطانة مفصلًا حسب التقاليد المتبعة في ذلك الوقت، كان طويلًا والتنورة- القسم الأسفل- متكونة من أربع قطع، وأطراف الثوب تصل إلى الأرض، وكانت تضع على كتفيها نوعًا من الفرو الأبيض الغالي يصل حتى أطراف ثوبها، وأطرافه مطرزة باللؤلؤ والخيوط الذهبية، وكانت أزرار الثوب من الألماس وتتمنطق بحزام من الذهب مطعمًا بالأحجار الكريمة، وكان الثوب أبيض اللون مع العلم بأن العادة كانت جارية على أن يكون ثوب الزواج أحمر اللون، ولكن بإصرار السلطانة نعيمة ورغبتها في أن يكون ثوبها أبيض اللون وتم لها ما أرادت.
وكانت تجلس إلى جانب أختي السلطانة زكية ابنة الخديوي إسماعيل باشا، وكانت ترتدي ثوبًا طويلًا من اللون الأبيض، وكانت النساء تدخل وتخرج والحركة مستمرة.
وكانت زوجتا السلطان مراد تجلسان مع السلطانة الوالدة الأم، وتجلس معهن عمتي السلطانة جميلة.
وأخيرًا جاء العريس «الزوج» مع والده غازي عثمان باشا إلى باب القصر فسلم الوالد ابنه إلى رئيسة المربيات، فدخل العريس إلى جناح الحريم بين الدعوات وقراءة الصلوات والآيات القرآنية، ثم دخل إلى البهو الكبير وكانت السلطانة نعيمة تجلس في صدر البهو على كرسي كبير صنع خصيصًا لهذه المناسبة.
فوقف أمام العروس وطلب منها أن ترافقه فرفضت، فأعاد الطلب فرفضت، وكان العريس في هذه الأثناء يرتجف من الخجل لأن كل أنظار الحريم كانت متجهة إليه، فأخبروا السلطانة الوالدة برفض العروس، فحضرت وقالت: «هيا يا ابنتي قومي ولا تجعلي العريس ينتظر أكثر»، فنهضت العروس، فسمعنا هتافات «ما شاء الله.. ما شاء الله» وعزفت الموسيقى نشيد الحميدية، وأخيرًا ظهرت العروس والعريس على السلالم، وكانا يتقدمان خطوة خطوة نظرًا للزحام الشديد المحيط بهما، وحسب العادات الجارية كان العريس يمسك في إحدى يديها ورئيسة المربيات في اليد الأخرى، وكانا ستًا من الجواري يرفعن ذيل الثوب الطويل وكان السير صعبًا جدًا بالنسبة للعروس بسبب الزحام بالإضافة إلى ثقل ملابسها وثقل التاج فوق رأسها.
وهكذا وصلوا إلى غرفة العروس، وكنا نحن الصغار قد وقفنا على منضدة لكي نرى ما يجري بوضوح، ثم خرج العريس ومد يديه إلى جيوبه، وأخرج حفنة من النقود الذهبية ورماها فوق الحضور فسادت الضوضاء وبدأ المجودون بالتقاط هذه القطع الذهبية، ثم صاح أحد المصاحبين: «وهذه من طرف السلطان عبد الحميد» فرمى القطع الذهبية فارتفعت أصوات الصراخ مرة أخرى ثم ألقيت قطع أخرى باسم الوالدة الأم.
وأخيرًا انتهى كل ذلك، فذهبنا إلى غرفة العروس فباركنا لها هذا الزواج وقبلنا يديها وتمنينا لها حياة سعيدة.
وكانت أختي السلطانة نعيمة جميلة جدًا، كانت ذات بشرة بيضاء شفافة، شهلاء العينين ذات أهداب طويلة- كانت حواجبها وتقاطيعها تشبه والدي، وقد بدت جميلة جدًا بثوب العرس الأبيض، وكانت تجلس على كرسي أبيض مزين بالجواهر ومطعم بالذهب وقد صنع لها بصورة خاصة، وكانت الغرفة بيضاء أيضًا والأثاث جميعه أبيض مطعم بالذهب، وقد أجلستنا نحن الصغار على جانبيها، وكنا ننظر إليها ونحن مأخوذون بجمالها ورقتها.
وكانت الوليمة على وشك أن تبدأ، وقد مدت موائد الطعام في البهو الكبير وفي الصالون الواسع، وكان الجميع يأكل والموسيقى تعزف ألحانًا جميلة راقصة، واستمر الحال حتى فترة المساء، فتفرق جميع الضيوف وبقينا نحن أهل القصر.
كان علينا أن نقبل أيدي السلطانة الأم ويد العروس ثم نذهب، جاء بعدها غازي عثمان باشا «والد العريس» وقاد ابنه إلى باب قصر الحريم، فقبل يدي السلطانة الوالدة الأم وأيادي بقية السلطانات الكبيرات في العمر ثم دخل إلى غرفة العروس، وكانت هناك سجادة للصلاة فاتجه نحو السجادة مباشرة وبدأ في الصلاة، وكانت أختي واقفة تنظر، وكانت عماتي ينظرن إليهما وهن يتضاحكن ويتفاخرن، ثم أقفلت رئيسة المربيات الباب قائلة «بالسعادة والأفراح دائمًا وبرعاية الله» فتضاحكت عماتي ودعون لهما بالسعادة ثم تفرقنا وذهبت كل سلطانة إلى بيتها.
هكذا كانت تجري مراسم الزواج في ذلك الوقت، وعندما يتم زواج عدة سلطانات في وقت واحد كانت الوالدة الأم تمثل السلطان.. وبعد مراسم الزواج تكون الزيارة حسب ترتيب العمر والقدم في الزواج، فمثلًا في مناسبة الزواج الثاني الذي تم في عهد والدي وهو زواج 4 سلطانات، فقد تمت زيارتهن حسب أعمارهن، فذهبنا أولًا إلى قصر السلطانة صالحة ثم السلطانة ناظمة ثم السلطانة زكية وأخيرة السلطانة أسماء.
وقد تم زواج ثلاثة سلطانات في عهد السلطان عبد العزيز وهي شقيقة السلطان عزيز «السلطانة عطية» زوجة فتحي باشا وبنات فتحي باشا، وهن كل من السلطانة سنية والسلطانة فريدة، ثم زواج ابنة عمة والدي السلطانة عادلة وزوجها «محمد علي باشا» ثم زواج السلطانة خيرية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل