العنوان وثائق- مذكرات رضا نور: حادثة باطوم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1982
مشاهدات 59
نشر في العدد 562
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 23-فبراير-1982
آه لو لم يعف أنور عن مصطفى كمال ذات يوم:
ثم عاد أنور وتحدث عن مصطفى كمال، واضح أنه حاقد كثيرًا عليه، قال لي: عندما تعود قل له: إنه كان يشتغل بالسياسة يوميًا، كان يريد أن يفسد في الجيش ويجعله يتمرد، وكنت أعفو عنه، وأخبروني (ذات يوم) والحرب العالمية (الأولى) في أشد أيامها ضراوة- أنه يحرض الجيش على التمرد؛ استدعيته، قلت له: ألن تبعد عن العمل بالسياسة؟ السياسة لا تأتلف مع العسكرية، سأحيلك الآن على التقاعد أو سأطردك، ومعنى هذا أنك انتهيت، أو تقسم بشرفك أنك لن تعمل بالسياسة مرة أخرى، وإلا فحياتك في يدي، فأقسم بشرفه، وانكفأ على قدمي (يريد تقبيلها) للتعبير عن اعترافه بالجميل؛ فعفوت عنه.
إذا كان مصطفى كمال عديم الخلق فأنت (يا أنور) أيضًا كذلك؛ فذات يوم -وكنتم في جمعية الاتحاد والترقي تعملون بالسياسة مع كونكم ضباطًا- أغرقتم البلاد بهذا في المصائب، وأنهيتم عليها، ثم أن ناظم باشا كان قد استدعى أنور عندما كان هذا ضابطًا، وقبل انقلاب الجمعية على عبد الحميد، وقال له يا أنور ابتعد عن السياسة، وجعله يقسم أن يبتعد عنها، وعفى عنه، بل ورقاه إلى درجة أرفع، ثم ماذا حدث؟ استمر أنور في العمل بالسياسة، ولم يمض شهر على هذا العفو عنه إلا وكان الاتحاديون قد هاجموا رياسة الوزراء (الباب العالي)، وقتلوا ناظم باشا نفسه، وإذا وقع أنور الآن في يد مصطفى كمال سيعمل معه نفس الشيء (يقتله)، وبالطبع لم أستطع أن أقول لأنور هذا الكلام.
لكني تحدثت معه عن مسألة التنظيمات التي يعملها، ومسألة الثورة التي يريد أن يحرض للقيام بها، قلت له: آه! احذروا، لا تقيموا الثورة. هذا العمل كان من الممكن أن يقول قبل عام من الآن. الروس الآن قبضوا على أشكال الفساد الداخلي، وأنهوا الحرب الخارجية.
أيها المسلمون احذروا من الثورة على الروس الآن:
أصبحت جيوشهم تعرف عملها جيدًا، يقضون عليكم، افرضوا أنكم انتصرتم، ثم انتهت ذخائركم فمن أين تجدونها؟ في الحرب التالية تنتهون، ثم أن الروس يقيمون المشانق للأتراك يذبحونهم، ويخربون بيوتهم، ويقبضون على ذريتهم، لا فائدة في هذا العمل، ولا أمل، لا تفعل هذا، إني مصر على ذلك أرجوك رجاءً كبيرًا لا تفعل هذا، انتظروا الوقت المناسب؛ فمن المحتمل أن تظهر فرصة في المستقبل.
أقنعته وافق على صحة كلامي، لكنه لم يعد بعدم القيام بالثورة، ونفذ ما يريده في هذا الخصوص بعد ذلك.
مصطفى كمال يتهمني بتحريض الألبانيين على الثورة:
وعند عودتي إلى أنقرة سلمت الأمانة التي حملها لي بتوصيلها إلى مصطفى كمال، وذلك عندما جلسنا معًا نحن الاثنين في مطعم الأناضول، استمع مصطفى كمال لي باهتمام ودقة، احمر وجهه، وغضب، وتحولت عين من عينيه إلى الشمال، والأخرى إلى اليمين، ثم أخذ ينظر إلى الأمام فقط، ولم يستطع النظر إلى وجهي، كما أنه لم يرفض هذا الكلام.
وعندما انتهى كلامي وقف وانصرف، رأيت أنه خجل، ولم يكن يجب أن أعرف هذا، وأنا في الحقيقة قبلت أن أوصل هذا لمصطفى كمال بكل ممنونية لأضعه على وجهه به، ولذلك أخذ في خطابه الرسمي يشنع بي قائلًا: «إن رضا نور كان يحرض الألبانيين على الثورة، وأنور ماذا يقول؟ أنا حرضت جزءًا من الأتراك (في روسيا) على الثورة على ظالميهم أيام السلم، أما مصطفى كمال ورغم كونه ضابطًا، كان يحرض الجيش أثناء الحرب، والجيش كان أمانة في يده، أخذ يحرضه على التمرد في ذلك الوقت العصيب، من أجل وصوله (أي مصطفى كمال) إلى ما يبغيه ويطمع فيه من منصب وموقع، وقفنا نحن ولم يوافق -ولما جاء الوقت لتأديبه جثى على الأقدام بذلة؛ ولذا تم العفو عنه.
حادثة باطوم:
في هذه الأثناء كان خليل باشا عم أنور يريد الذهاب إلى طرابزون بحجة مرضه، نصحه علي فؤاد بألا يفعل، والذهاب ليس طيبًا، كما أن مصطفى كمال يمكن أن يزعجك، لكن خليل مُصِّرٌ، وأخيرًا قال له علي فؤاد إذن على الأقل نكتب لأنقرة، ونرى جوابها وافق خليل، ولكن لم يأت جواب من أنقرة بعد عشرة أيام أو خمسة عشر يومًا، وإذا بخليل يسافر دون أن يقول لأحد، وفي الغالب كانت هذه المسألة مقدمة للتجمع الذي حصل في باطوم وحركة العبور إلى طرابروي، وكانت هذه تحدث بالاشتراك مع روسيا.
مصطفى كمال يصدر أمرًا باحتلال جيشنا بكل من باطوم، وأردهان، وأرادوين، ويقيم حفلًا في أنقرة على شرف الاستيلاء على باطوم، يصل نبأ هذا الحفل إلى موسكو، أخبرنا الروس بهذا، ونحن في موسكو جيوشنا على وشك الالتحام مع الجيوش الروسية، والأهم في هذا الوقت بالنسبة لنا هو الحصول على معونة من الروس لمواجهة اليونانيين الذين يحتلون أراضينا في الأناضول، وانتهى الأمر بأن الجيوش الروسية ضيقت على جيشنا في باطوم فاضطر إلى تركها.
ولو أن مصطفى كمال يبرز في خطابه أن الاستيلاء على باطوم يعتبر انتصارًا له، فان هذه حماقة؛ لأنه انسحب منها بشكل ذليل، وهذه واحدة من أخطائه أيضًا، دخل الجيش الروسي باطوم جبرًا، والحاصل أن العار لحق بنا في مسالة باطوم هذه.
يقول مصطفى كمال في خطابه إننا أخلينا باطوم بموجب معاهدة موسكو، احتلالنا لها كان خطأ، ولا يقول إننا أجبرنا على الانسحاب، كم هو كذاب هذا الرجل؟ كما أنه يكذب علانية، لم تكن معاهدة موسكو في ذلك الوقت قد عقدت بعد، إن سبب تخلية جشينا لباطوم هو بداية دخول الجيوش الروسية في صدام مع قواتنا، وهذا جنون كاد أن يفسد عقد معاهدتنا مع موسكو، وقد أسهمت هذه المعاهدة بفوائد جليلة في ضمان العون والمساعدة لهذه الدولة، وكانت كل هذه الفوائد ستمحى ماذا كنا سنعمل في ذلك الوقت؟ لا أدري وأني أعرف كم عانينا في موسكو من الجري وراء توقيع هذه المعاهدة.
على كل حال فقد خرجوا من باطوم، وفي هذا سرور للروس ولنا، ولازال هذا العائق، استطعنا أن نصل لعمل المعاهدة، وها نحن ذا سنوقعها، فكر الروس تفكيرًا جيدًا، قالوا: «احتل الإنكليز إستانبول في ١٦ مارس، فلتكن معاهدة موسكو في نفس التاريخ، فلننتظر يومين اثنين، وتوقع المعاهدة (في ١٦ مارس بالضبط)، وبذلك يكون قد مضى على احتلال الإنكليز لإستانبول عام كامل، وافقنا، ونفذنا، ووقعنا معاهدة موسكو.
سمعنا ونحن في برتوجراد أن اليونانيين قاموا بهجوم جديد ضد قواتنا في (الأناضول)، وصلنا موسكو خبر أسود: هزمنا انظر للكارثة، وبعد عدة أيام من هذه الفترة السيئة، فهمنا أننا انتصرنا؛ فسعدنا كلنا وسررنا.
ثم بعد ذلك ونحن في أنقرة علمنا أن الخبر الذي وصلنا بهزيمتنا كان صحيحًا، كان اليونانيون ارتكبوا خطأ بأن قدموا إلى منطقة أينونو الأولى بقوة أقل عددًا من قواتنا، وفي هذه المرة يعني في موقعة أينونو وصلوا بقوات هامة، واستمرت الموقعة سبعة أو ثمانية أيام، وظلوا يهزموننا باستمرار، يعترف مصطفى كمال بهذا في خطابه (ص ٣٦١)، ثم يقول في أن عصمت باشا قام في النهاية بالهجوم، وهزم العدو، عصمت باشا يرسل برقية يقول فيها «ها هو ذا الموقف كما أراه من تل «متريس تبه» العدو ينسحب انسحابًا غير منتظم نتيجة الهجوم الذي قامت به مجموعة الجناح الأيمن، ترك العدو ميدان القتال الذي ملأه بآلاف من قتلاه» إنه لشيء يثير الدهشة، إن جيشنا يظل طيلة أسبوع في هزائم، ينتصر ويبعثر بهجوم واحد في ظرف خمس أو ست ساعات، جيشًا ظل منتصرًا منذ أسبوع، استمعت لأقوال الضباط الذين كانوا موجودين أثناء الحرب، قالوا «إن عصمت ظل ينهزم دومًا، وفي اليوم الأخير وبعد أن ظن أنه انهزم تمامًا، أصدر أمرًا بالانسحاب العام مع أن العدو رغم انتصاراته التي أخذ يحرزها طيلة الأسبوع، ورغم أنه صب نيرانه من عدة مواقع، إلا أنه لم يبيدها تمامًا، ولما وجد أنه لن يستطيع إبادتها، تعب وسأم وخاف، وبدأ في العودة، ولذلك كان الموقف هكذا، عصمت ينسحب بقواته، والعدو ينسحب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل