; وحدة اليمن، ورقة الصراع بين الحزب الحاكـم والمعارضة | مجلة المجتمع

العنوان وحدة اليمن، ورقة الصراع بين الحزب الحاكـم والمعارضة

الكاتب عادل أمين

تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2008

مشاهدات 47

نشر في العدد 1798

نشر في الصفحة 24

السبت 19-أبريل-2008

حملة انتخابية استباقية يقودها الرئيس وتوقعات بتأجيلها

  • السلطة تلعب بورقة الوحدة لإجهاض مشروع أحزاب «اللقاء المشترك» للتحالف مع قوى جنوبية ضد الحزب الحاكم.
  • وتحاول تصوير ما يحدث في الجنوب على أنه مؤامرة على الوحدة اليمنية.
  • رشاوى انتخابية مبكرة المحافظات مختلفة قبل الانتخابات وهجوم ناري ضد «المشترك».
  • يبدو أن ملف «الحوثيين» لم يكن هو ما يقلق السلطة ولهذا ظل مفتوحاً طيلة أربعة أعوام لكنه اليوم يغلق للتفرغ لتحالف الأحزاب «المشترك» العدو الأكثر خطورة.

يبدو أن اليمن على موعد مع صيف ساخن بين «حزب المؤتمر» الحاكم وزعيمه الرئيس عليّ عبد الله صالح، وأحزاب المعارضة «اللقاء المشترك» على خلفية تصاعد النفوذ في الجنوب اليمني تحديدًا والصدام حول تعديلات قانون الانتخابات استعدادًا للانتخابات البرلمانية عام ٢٠٠٩م.

فمن مفارقات معارك اليمن السياسية أن خطابات قادة حزب المؤتمر الحاكم الأخيرة سارت جميعها نحو التصعيد مع أحزاب «اللقاء المشترك» المعارضة، وعلى العكس اتجهت الأوضاع السياسية والعسكرية نحو التهدئة مع جماعة «الحوثيين» التي دخلت في قتال مسلح مع الحكومة!

الأسباب التي وقفت وراء مسارعة السلطات وتلهفها لإغلاق ملف الحوثيين بأي ثمن تبدو كثيرة، ولم تمانع السلطة في أن يقبض الحوثيون ثمن جلوسهم معها ومفاوضتهم لها أيًّا كانت النتائج، المهم أن يجلسوا، وسيحصلوا على ما يرضيهم من تعويضات مغرية وتنازلات أكثر إغراء!

الأزمات «وقود» النظام! ويبدو أن ملف «الحوثيين» لم يكن هو ما يقلق السلطة ولهذا ظل مفتوحًا طيلة أربعة أعوام، لكنه اليوم يغلق لا بدوافع وطنية، ولا لأن مصالح الوطن العليا اقتضت ذلك، ولكن لأن مصلحة الحزب الحاكم تقتضي اليوم -وفي هذه المرحلة تحديدًا- التفرغ للعدو الأكثر خطورة من الحوثيين ومن دعاة الانفصال، وهو تحالف الأحزاب «المشترك».

وبكل تأكيد ستعود السلطة إلى فتح ملف الحوثيين من جديد عندما تستدعي مصلحة النظام ذلك، فالأزمات والمشكلات -على ما يبدو- هي الوقود الذي يحتاجه النظام للاستمرار في إدارة حكمه بالصراعات. 

فحزب المؤتمر الحاكم أغلق الأبواب أمام أحزاب «المشترك»، وسد كل منافذ الحوار معه فيما يخص الخلافات حول قوانين الانتخابات الجديدة، بل إن أمين عام «المؤتمر» اتهم أحزاب «اللقاء المشترك» بأنها لیست جادة في الحوار وتبحث عن العراقيل وليس عن الحلول، وهدد بأن المؤتمر لن يظل مكتوف الأيدي وسيمضي في طرح التعديلات الانتخابية على مجلس النواب، أي أنه سيمرر في نهاية المطاف ما يشاء بشأن تشكيل اللجنة العليا للانتخابات ومبادرة الرئيس. 

واللجنة العامة للمؤتمر ناقشت هي الأخرى خطة التحرك السياسية والتنظيمية للحزب خلال المرحلة القادمة، ووضعت الخطة العملية لمواجهة أحزاب اللقاء المشترك، خصوصًا في المحافظات الجنوبية.

 ثم جاء خطاب الرئيس صالح في «الحسينية» بمحافظة «الحديدة» يوم 8 مارس الماضي ليضع النقاط على الحروف، وليرسم مسار العلاقة الجديدة بين السلطة وأحزاب «المشترك»، فخطاب الرئيس -الذي هاجم فيه وبقسوة أحزاب اللقاء المشترك- أعاد إلى الأذهان خطاباته النارية ضد المشترك أثناء حملته الانتخابية عام ٢٠٠٦م، واستدعى أجواء المنافسة الانتخابية المتوترة آنذاك.

معركة انتخابية مبكرة:

وهو بذلك يدشن حملة جديدة ومعركة انتخابية مبكرة في مواجهة أحزاب اللقاء المشترك وفقًا لخطة اللجنة العامة المقررة مؤخرًا، بل إن خطاب الرئيس الثاني في محافظة «حجة» يوم ١٢ مارس يعد دليلًا آخر على أنه بدأ بالفعل يقود حمله انتخابية مبكرة، إذ تحدث فيه عن توجيه الحكومة باعتماد أربعين مليار ريال لربط مديريات المحافظة بشبكة الطرق، كما تحدث عن البدء في إنشاء «جامعة حجة» بحسب وعوده الانتخابية السابقة، ولم ينس في آخر حديثه أن يُذكر أبناء «حجة» بأنه دائمًا ما يقابل الوفاء بالوفاء، في إشارة منه إلى نتائج الانتخابات المحلية الماضية التي اكتسحها حزب المؤتمر الحاكم!

وبالطبع لن يكتفي الرئيس بما قاله في محافظتي «الحديدة» و«حجة» بل سيواصل حملته الانتخابية في عدد من المحافظات الأخرى الشمالية منها والجنوبية، في محاولة منه لإعادة الثقة لدى الشارع اليمني بوعوده الانتخابية التي أطلقها بغزارة في انتخابات ٢٠٠٦م ولم تنفذ، إذ يبدو أن ما يقوم به الرئيس حاليًا يمكن تصنيفه في سياق العمل الاستباقي الذي يحاول قطع الطريق على أحزاب اللقاء المشترك في المحافظات الشمالية تحديدًا، بعدما صار «المشترك» أشد تجذرًا في المحافظات الجنوبية بفعل عشرات المهرجانات الجماهيرية التي أقامها هناك، حتى لقد صار حامل لواء القضية الجنوبية.

وخطاب الرئيس صالح في محافظة «الحديدة» يمكن النظر إليه أيضاً من زاوية أخرى، فالرئيس تعهد بأن يرسل -عبر ذلك الخطاب المتشنج- رسالة واضحة لأحزاب المشترك بأن قرارًا قد اتخذ بإغلاق باب الحوار معها، فلم يعد الرئيس ولا المؤتمر يحرصان أو يهتمان بعودة الحوار مع المشترك، وعلى هذا الأخير ألا يفكر أو يحاول طرق باب الرئيس لأي سبب كان فالرئيس والمؤتمر شيء واحد -هذا ما يريد قوله- وبالتالي: «ما دمتم فشلتم في حواراتكم مع الحزب الحاكم ووصلتم إلى طريق مسدود بل وإلى أزمة سياسية في البلاد فلا داعي لأن تحاولوا معي، فلن تجدوا عندي شيئًا مختلفًا عما وجدتموه لدى المؤتمر»!

«قميص عثمان»!

ومن الواضح أن الحزب الحاكم حسم أمره وقرر مواجهة «المشترك» على الأصعدة كافة السياسية منها والإعلامية، بل والميدانية، فهنالك قناعات متأصلة لديه بأن المشترك عدو ومنافس أكثر منه شريك وعلى ضوء ذلك وجد أن لا مناص من مواجهته عاجلًا أم آجلًا، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة في أبريل ۲۰۰۹م.

فقد كان عام ۲۰۰۷م هو عام «المتقاعدين الجنوبيين» بامتياز بعد أن لحق «المشترك» بهم، وتقاسم الساحة الجنوبية معهم أربك حسابات السلطة وخلط الأوراق عليها، وقد عبرت قيادات جنوبية من حزب المؤتمر عن قلقها وخوفها من استمرار وقوع الساحة الجنوبية بأيدي «المشترك» في ظل غياب تام للحزب الحاكم، وخشيت من أن يؤدي ذلك إلى نجاح «المشترك» في ملء الفراغ الذي يتركه المؤتمر في المحافظات الجنوبية، خاصة بعد أن صارت القضية الجنوبية هي شعار المرحلة بالنسبة لـ: «المشترك» باعتبارها المدخل والبوابة للإصلاح الوطني الشامل في البلاد، وعلى هذا الأساس، طالبت تلك القيادات المحلية قيادات حزبها بسرعة التدخل قبل أن يفقد الحزب الحاكم وجوده وتأثيره وينفرد «المشترك» بالساحة الجنوبية.

 وقد تدخل الحزب الحاكم فعلًا وقرر عدم السماح لـ: «المشترك» بالاستمرار في إقامة مهرجاناته الحاشدة في المحافظات الجنوبية واستطاع أن يفشل مهرجانه في محافظة «الضالع» في أغرب صورة وأعجب مشهد اعتبره معارضون أسوأ حالات السقوط المربع لنظام قيل: إنه يتحالف مع دعاة الانفصال ورافضي الوحدة وأصحاب الشعارات ليواجه أحزابًا رفعت شعار «الاعتراف بالقضية الجنوبية ومحاربة الفساد طريقنا لحماية الوحدة اليمنية».

فالوحدة التي يزايد عليها الحزب الحاكم -كما يقول معارضوه- ويرفعها ك«قميص» عثمان في وجه خصومه ويتشدق بحمايتها الوحدة أو الموت يسمح هو بل ويتواطأ على أن تداس بأقدام أولئك الغوغاء الذين جلبهم الإفساد مهرجان «المشترك» فداسوا علم البلاد بأقدامهم وقاموا بإحراقه، وأطلقوا شعارات انفصالية ترفض الوحدة وتميز بين أبناء الوطن الواحد.

والأغرب أن الإعلام الرسمي «إعلام الحزب الحاكم» احتفى بذلك العمل الشائن الذي عطل فعالية المشترك وروج له، ولم يلتفت أحد للإساءات التي تعرضت لها الوحدة وعلم البلاد، أو للشرخ الوطني الذي حدث بين اليمنيين، أو لسمعة البلاد إقليميًا ودوليًا، ولا لقتل الناس في الساحات وإسالة الدماء، فالمهم أن يفشل المشترك في إقامة مهرجانه، ويحدث الافتراق بينه وبين جماهير المتقاعدين، ويتحول التحالف بين الجانبين إلى عداء مستحكم وصراع على من يكسب الساحة الجنوبية!

ورقة (سلاح) الوحدة: ويرى د. ياسين سعيد نعمان -الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني- أنه بصرف النظر عما إذا كان هدف السلطة من وراء ذلك هو تخريب النضال السلمي الديمقراطي وضريه في العمق، وتهيئة الظروف لقوى السلطة للسير في هذا الطريق من خلال أدوات من ذوي السلوك المتطرف ممن يتم تأهيلهم لهذا الغرض، أو ممن لا رصيد لهم سوى التحريض وتخريب نضال الجماهير، فإن أحد أهم أهداف السلطة من كل ذلك هو اللعب بورقة الوحدة ذاتها.

ويضيف قائلًا: «السلطة أفلست وخسرت كل أوراقها، وفشلت في الوفاء بكل وعودها الانتخابية، ولم تعد قادرة على مخاطبة المواطن إلا من خلال ورقة واحدة هي ورقة الوحدة، لذا فهي تسعى بكل جهدها لتصوير ما يحدث في الجنوب على أنه مؤامرة تستهدف إجهاض الوحدة اليمنية، وأن المشترك ساهم بطريقته في تغذية تلك النزعات الانفصالية من خلال تبني القضية الجنوبية».

وبمعنى آخر، فإن الهدف النهائي من كل ما يجري -أوما يراد له أن يجري- هو وضع «المشترك» وحركة المتقاعدين والقضية الجنوبية برمتها في سلة الانفصال، حينها يهب الحزب الحاكم معلنًا صرخته المدوية: «الوحدة أو الموت»! 

فالحزب الحاكم -والرئيس على وجه التحديد- يريد أن يلعب دور البطل في حماية الوحدة الوطنية في المرحلة المقبلة التي هي مرحلة إعداد وتهيئة للانتخابات النيابية القادمة، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال صناعة أعداء للوحدة، واستثمار الموجودين في ذلك الجناح المتطرف في قيادة المتقاعدين وتوظيفه لخدمة هذا الغرض.

تأجيل الانتخابات.. هدف:

وإذا وجد الحزب الحاكم الظروف غير ملائمة أو غير مشجعة له ليكسب الانتخابات القادمة، وخصوصًا في ظل تزايد السخط الشعبي في الشارع الجنوبي وتزايد احتمالات مقاطعته للانتخابات، فمن المتوقع أن يعمل على تأجيل الانتخابات، وهذا سوف يؤدي إلى زيادة غليان المحافظات الجنوبية وافتعال مشكلات، وربما مصادمات ومواجهات بين أحزاب المشترك، وتيار المتقاعدين، وخلق أجواء غير آمنة وغير مستقرة، وكالعادة أيضًا سيتم الاستعانة به تنظيم القاعدة لتنفيذ بعض العمليات هنا أو هناك، كما حدث قبيل انتخابات سبتمبر ٢٠٠٦م «حدثت تفجيرات «صافر» و«الضبة» في١٥/ ٩ وجرت الانتخابات في ٢٠/ ٩»!

ولعله ليس من المصادفة أن يتم الإعلان عن هروب أو ظهور عناصر من «القاعدة» كلما حل موعد انتخابات جديدة! فانتخابات سبتمبر ۲۰۰٦م سبقها هروب مجموعة الـ٢٣ من عناصر القاعدة من سجن الأمن السياسي بالعاصمة صنعاء في مطلع فبراير من العام نفسه، أما الانتخابات القادمة في أبريل ۲۰۰۹م، فها نحن نرى الآن ظهور بعض قادة «القاعدة» ممن هربوا من سجن الأمن السياسي، وعلى رأسهم جمال البدوي، وجبر البناء، وأخيرًا قاسم الريمي، ولا ندري: من سيظهر مستقبلًا، ومن سيحتفظ بهذه الأوراق ويحاول اللعب بها مع الآخرين، ويقوم بإخراجها عند الحاجة؟!

[1] * مدير تحرير صحيفة «العاصمة» اليمنية.

الرابط المختصر :