العنوان ورثة الأنبياء والدور المطلوب
الكاتب محمد إدريس أحمد
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1982
مشاهدات 66
نشر في العدد 578
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 06-يوليو-1982
▪ الحكام يتحملون مسؤولية مباشرة والشعب يشترك معهم بسبب سلبيته
▪ حين يكون العلماء قائمين بدورهم المنوط بهم لا تجد أمة لاهية عابثة..
▪ العالم لا يخشى إلا الله وحده ولا ينقاد للشهوة ولا يغريه المنصب
▪ العالم يثبت للتهديد بالسجن والاعتقال والنفي والقتل..
▪ تقاعس العالم أخطر لأنه قدوة والعالم مسؤول عن الأمة لأنه قدوة..
▪ الأمة تبحث عن العالِم العامل الثابت في وجه الباطل.
● الدرك الأسفل
لا يخفى على أحد هذا الدرك الأسفل الذي انحدرت إليه أمتنا اليوم، بسبب إعراضها عن الله وبُعدها عن كتابه ورفضها لقيادة رسوله، وها هي اليوم بسبب ذلك أصبحت في مؤخرة الأمم، وأصبحت زعيمة لدول الضعف والفقر، والخصاصة والعدم، حتى صار رأسها في الذنب، لئن كان حكامها يتحملون المسؤولية المباشرة عن هذا الواقع وكان الشعب يشترك معهم، بسبب سلبيته المفرطة التي لا يجوز أن يكون عليها المسلم، فهناك من لهم نصيب الأسد في جلب هذا الواقع المتضعضع الوحل، بسبب قعودهم عن هذا الخطب وهؤلاء هم العلماء، فلو كان العلماء يؤدون رسالتهم لكان الحال غير هذا..
● الورثة الحقيقيون
فحين يكون علماء الأمة قائمين بدورهم المنوط بهم موزعين ميراث النبي على الأمة كلها، مقدرين ثقل أمانة العلم الواقعة على عواتقهم حق قدرها، مدركين علو شأنهم عند الله، حين يكونون مستقيمين على أمره يجهرون بكلمة الحق والعدل أمام الجميع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويعلنون صراحة حكم الإسلام في كل صغيرة وكبيرة تتصل بحياة الأمة، سواء في الحكم أو في السياسة أو في الاقتصاد أو في أي شأن من الشؤون الدنيوية والأخروية، ويحاسبون أولياء الأمور ويستنكرون كل أمر يخالف الإسلام وهديه ويضاد القرآن ومنهجه، ولو فعله الرئيس والحاكم والملك في غير رهبة أو رغبة، ويتفاعلون مع واقع الأمة ومشاكلها وآلامها وهمومها ويتناولون القضايا الحية التي تشغل بال المسلمين، وتسترعي انتباههم وترتبط بمصيرهم بوجهة النظر الإسلامية..
حين يقوم العلماء بهذا الدور العظيم المشرف فإنك لا تجد من الأمة جاهلًا ولا منحرفًا ولا ضالًا، ولا تجد بينها مثل هذا العدد الهائل الذي لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخبيث من الطيب ولا الحسن من القبيح، ولا يدرك ماذا يعني انتماؤه للإسلام، ولا يرى حرجًا في أن يكون مسلمًا في الصلاة والصيام، وفي الوقت نفسه شيوعيًا أو اشتراكيًا أو انحلاليًا أو ديمقراطيًا أو قوميًا في الفكر والتصور والأخلاق، ولا يرى بأسًا في أن يعبد الله في المسجد، ثم يعبد ويخضع للشيطان وأعوانه وجنوده في السياسة والتجارة والمعاملات خارج المسجد.
● الأمة العابثة
حين يكون العلماء قائمين بدورهم -خير قيام- لا تجد أمة لاهية عابثة، جاهلة بدينها، ناسية لحقوقها، عابدة لحكامها، تخضع لأصنام من الخشب، وتهيمن على حياتهم مناهج من صنع البشر، ولا تجد أمة فقدت قيمها الربانية، وتنازلت عن حريتها الإنسانية، وتنصلت عن رسالتها السماوية، أمة صار الذل رداءها، والضعف والهوان إزارها، والاضطهاد والاستعباد مضجعها، والتسلط والاستبداد مظلتها، والظلم والغش والخداع نظامها، تغتصب بلادها وتنهب ثرواتها، وتسلب حقوقها وتسحق كرامتها وتلغى عقولها، فليس عليها إلا أن تطيع وتسمع، وتصفق في بلاهة، أمة لا تسأل أتحكم بشرع الله أَم بغيره؟ أتساس بسياسة إسلامية قرآنية نورانية أَم بغيرها؟ أتنسجم حياتهم مع تعاليم الإسلام أم لا؟ لا يهمها شيء من ذلك ما دامت تأكل ملء الماضغين، وتنام ملء الجفنين، وتضحك ملء الشدقين..
● أين العلماء المخلصون
أما حين نجد هذا وذاك، فلنا الحق أن نشك في وجود علماء الإسلام العاملين المخلصين الورعين، الذين أيد الله بهم الإسلام وأيد الإسلام بهم ورفع درجاتهم بالعلم والصلاح والتقوى، وطوع لهم القلوب بسبب ربانيتهم وتجردهم وإخلاصهم، وأنار بهم السبل وبدد بهم ظلمات الجهل، ونصرهم على الجبابرة والطغاة بعد أن علم أنهم يبلغون رسالات الله ولا يخشون أحدًا إلا الله، ولا تأخذهم فيه لومة لائم، وإن كان منهم نفر في الساحة، فهم قليلون نادرون.
● صفات العلماء
إن العالم إذا لم يخش الله في المرتبة الأولى، ولم يحطم تحت أقدامه الشهوة وحب المنصب والإغراء، ولم يصمد أمام التهديد بالسجن والاعتقال والنفي وإلحاق الضرر به والتضييق عليه، إذا لم يكن أمام ذلك كله كالطود الشامخ، ليكون قدوة للأمة في التجرد والإخلاص، وفي العمل والإنتاج وفي الشجاعة والإقدام وفي الهمة والنشاط وفي التضحية والاستبسال، وإذا لم يعتصم بالله وحده ويعتمد عليه ويستمد قوته منه وحده، فإن الله لا يقيم له وزنًا ولا يصلح به أمرًا، ولا يزيح به ظلمًا وفسادًا ولا يجعل لأقواله صدى، وهو يعيش صغيرًا ويموت صغيرًا ولا يترك أثرًا.. والأمة الإسلامية اليوم لا تشكو من قلة العلماء ولكن تشكو- مع الأسف- من قلة المخلصين العاملين المجاهدين الورعين منهم..
● الأمة تبحث عنهم
تبحث الأمة عن العالم المسلم الذي يعتز بالله وليس بسلطان الأرض، ويقول الحق ولا يخرسه الخوف، ويخاطب الأمة بلغة العصر وليس بلغة لا تفهمها ولا تتصل بحياتها ولا بأوضاعها ولا بالمشاكل التي تزخر بها مجتمعاتها، ويحل لها مشاكلها اليومية من خلال القرآن والسُنة، ويعلمها كيف يضع القرآن العلاج الشافي والدواء المناسب لجميع مشاكلها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكيف ينظم حياتها وشؤونها بكل جوانبها، منطلقًا من واقع حياتهم الحاضرة ومتفاعلًا مع أوضاع مجتمعهم الحية.
-وتبحث الأمة عن العالم العامل، الصامد أمام الباطل، الجريء في الحق، الصارخ في وجه من يظلم الأمة ويحيد بحياتهم ونظامها عن طريق الله ويوغلها في الجهالات. والذي وطن نفسه لحراسة العقيدة وعرف مكانته القيادية في الأمة، ويصون هيبة العلم ولا يجعله بضاعة رخيصة كاسدة يتسلى بها الحكام ويوجهونها أي وجهة شاءوا ويوجد الوعي الإسلامي الصحيح في أمته، و يبين لها نظرة الإسلام لما يجري حولها من أحداث حية تستقطب اهتمامهم وتستولي على ألبابهم لأنها تحتك بحياتهم. حتى يكون كل مسلم على بينة من أمره في هذا العالم المائج بالفتن، ولا يكون فريسة سهلة للدعوات الهدامة البراقة من شيوعية واشتراكية ورأسمالية وماسونية وانحلالية وقومية ذميمة نتنة، وليعرف ماذا يدبر ويحاك ضد أمته ودينه، ويكون مسلمًا جادًا ملتزمًا قولًا وعملًا وسلوكًا يرابط في ثغر من ثغور الإسلام..
-وتبحث الأمة عن العالم المسلم المجاهد الذي لا يقبل المساومة في دينه، ولا يرضخ للإغراءات والاحتواءات، ولا يقع في الشرائك المنصوبة بإتقان، ليغض البصر بعد ذلك عن الانحرافات، ويتجنب ما يهيج سخط الحكام، وإن كان يرضى الله، والذي يدعو إلى الإسلام بأسلوب مشوق جذاب ومحبب إلى النفوس فيه رقة وحنان وفيه لطف ولين وفيه موضوعية وحكمة، دون أن تكون الموضوعية «المزعومة» أحيانًا على حساب الحقائق الواقعة، والمظالم الكثيرة، والجهالات المستحكمة والأحداث المحزنة المتلاحقة في عالمنا الإسلامي، ويقدم الإسلام إلى الناس في صورته الصحيحة الأصلية المشرقة التي تقطر رحمة وعدالة ورفعة وسماحة وعزة وكرامة، وبطريقة يجدون فيها ضالتهم، وعلاجًا لواقع حياتهم دون أن تأخده في الحق لومة لائم، أو ترهبه سطوة حاكم أو يخلده ويجذبه إلى الأرض متاع زائل..
● تكاليف الأمانة
ولعل قائلًا يقول: إنك أيها الرجل تدعو العالم إلى أن يصطدم مع الأوضاع القائمة، وأن يسلم رقبته إلى الجزارين بدون ثمن؟ وأنا أقول إن العالم قد يستشهد، ولكنه حين يموت وقد أحيا نفوسًا وأيقظ أمة وزعزع أركان الفساد، وقض مضاجع الظالمين والمفسدين.. إن العامي الذي لا يعلم شيئًا يستطيع أن يأخذ بالرخصة وأن يلتزم الصمت إن خاف ويجاهد بقلبه وينكر المذكر بقلبه، ولكن حين يفعل العالم ذلك ويبحث له عن المخارج، ويلتمس لنفسه الأعذار فإن فعله هذا ينعكس على الأمة كلها فتلتمس كلها الأعذار، وتبحث عن الرخص، وتنحدر إلى الحضيض، ويخرس الجميع أمام الباطل المتبجح، حتى لا نجد من يصرخ في الظالم الكالح القبيح.. ومن هنا كان واجب العالم أن يكون القدوة في إظهار كرامة الإسلام وعظمته وهيبة العلم وعزته، إنه حين يسلك هذا الطريق الوعر الشاق قد يمتحن ويبتلى، وقد يلاقي صنوفًا من العذاب وألوانًا من الظلم والاضطهاد، وقد يباعد ويطارد ويلاحق من قِبِل أولو الطول والملأ، ولكنه حينذاك يأوي إلى الركن الركين وإلى الحصن الحصين، ويستمد العون والقوة والتأييد من الله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (سورة النحل: 128) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (سورة الحج: 38) ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الروم: 47) ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الأنفال: 19) ﴿لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ (سورة طه: 46) .
ومن أولى بهذه البشريات من العالم المؤمن التقي المجاهد الورع؟ عند ذلك ترى الأمواج ترتد عند صخره وتنحسر، وترى الأصنام البشرية والرؤوس الظالمة تتهاوی بین بدیه وتنكسر، وترى جيوش الطغاة وزبانية الفجار تتساقط حوله وتندحر، وإن عالمًا واحدًا من هذا الصنف الرباني المخلص ليزلزل الأرض تحت أقدام الطغاة، ويقض مضاجع جميع الجبابرة والأبالسة والعصاة، ويدخل الله الرعب والخوف منه في صدورهم، وهذا النوع هو الذي يصلح ليكون قدوة، ينبه العاقل ويوقظ النائم، ويشجع الخامل ويستحث الهمة في نفس العاجز المتثاقل، وهو الذي تحيا به الأمة وتعرف به سبل السلام..
● كيف تعرفهم؟
والعالم العامل الورع تعرفه بطلعته وهيبته، وتميزه بسكينته ووقاره، وتلمس إخلاصه في علمه وعمله، في كلمات نورانية تنطلق من لسانه كأنها شرارة من لهب لتلامس قلبك، فتحيي فيه الإيمان وتغرس فيه حب الجهاد، وتدفعه إلى العمل الجاد المخلص والتضحية في سبيل هذا الدين، تعرفه بأن أهل الباطل لا يحبونه ولا يقربونه ولا يستسيغون أقواله، وهو بذلك أقوى سند وركن من جميع حكام الأرض وملوكها، لأنه أمة وحده، فإذا أهان العلم واستصغره وأخضعه لأهواء الحكام فما أهونه على الله وأبغضه إليه ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الأعراف: 175-176)
فمن أحب أن يرفعه الله بالعلم والآيات الكريمة التي يحملها في صدره، فليرفع رأسه إلى السماء، ولتهفو نفسه إلى العلياء، وليرتفع من التراب والطين ولا يخلد إلى الأرض.
● مسئولية القدوة
وثمة خطورة أخرى في تقاعس العالم، وهي أن العالم قدوة ومعلم أمة، ومربي مجتمع، فإذا تساهل في السُنة مثلا تساهل الناس في الواجبات، وإذا أجترأ على الشبهات والمكروهات أقتحم الناس أبواب الحرام والمذكرات، وإذا مال إلى الدنيا قليلًا تهافت الناس وتساقطوا في مستنقع الشهوات، وتمرغوا في الحل، وانغمسوا في المتع، وتركوا وراءهم الثغور والقلاع، وإذا هادن الظالمين وركن إلى المستبدين وغض النظر عن المظالم والانحرافات ولم يستنكر أفعال الحكام المضادة للإسلام وتصرفاتهم المنافية لهدي القرآن، ظن الناس أن الصواب هو ما رأه الشيخ!! فتابعوا حكامهم في الظلم والعدل، وصفقوا لهم في المنكر والمعروف، ومضوا وراءهم في الطاعة والمعصية، وهنا تكمن الخطورة، فالعالم ليس كغيره من العامة، ولكنه مسئول عن الأمة، وهذا يوجب عليه أن يكون بعيد النظر دقيق الفهم ثاقب الفكر، مرهف الإحساس، مستقيم على الطريق، حذر المزالق، بعيد عن الشبهات، غير كاتم لحق، ولو كان فيه رأسه، غير متردد في مواجهة ولي الأمر إن أخطأ أو انحرف، حتى يكون وريث الأنبياء بحق..
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة البقرة: 159-160)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل