; ورثة للأنبياء أم ورثة للشياطين؟ | مجلة المجتمع

العنوان ورثة للأنبياء أم ورثة للشياطين؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1998

مشاهدات 54

نشر في العدد 1312

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 11-أغسطس-1998

قد يمنح العلم حصانة للعقول، كما تمنح الأمصال وقاية للأجساد، وقد تمنع المعرفة الإنسان من الانحدار، كما تمنع العيون صاحبها من السقوط والانكسار، وهذا لا يتأتى إلا بأمرين اثنين: الأول: عمل يوافق العلم، وفعل يواكب المعرفة، وكل ما خالف ذلك، فهو انحراف يؤدي إلى انحدار وضياع وصدق الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2).

الثاني: إيمان يصاحب العمل، وتقوى تصلح المعرفة، وتأخذ بالزمام، وتنير الطريق الوعر، وصدق الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (مريم: 96) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (يونس: 9) ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97) فاعلم أن العلم والعمل، والإيمان والتقوى ملاك الفلاح والنجاح والرشاد، فمن حمل ذلك واتصف به فهو صاحب البصر والبصيرة، الذي تنجلي به كل فتنة  عمياء، ومحنة ظلماء، وصدق الله: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: 43)، بما لهم من قدم الصدق، وحصانة العلم، ونور الإيمان، وصدق الخَشْيَة، وصدق الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28)، فهم ورثة الأنبياء، وحملة المشاعل، ودعاة الرسالات. 

أما إذا فاصل العمل الإيمان، وبعدت المعرفة عن التقوى، كان الهلاك والدمار، والسقوط والانكسار، وانقلب هؤلاء إلى ورثة الشياطين والأبالسة، وصدق الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الأعراف: 175) ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (الأعراف: 176).

قال الإمام الشاطبي-ر ضوان الله عليه- في هذا الصنف: وهذا يعطينا في ميزان الشريعة مؤشرًا صارخًا على شيئين اثنين: 

الأول: أن هؤلاء لم ينتفعوا بعلمهم، لأن العلم المعتبر: هو الملجئ إلى العمل الصالح، لأن العالم لا بد وأن يكون محفوظًا بعلمه من الافتراء والسوء وعمل الآثام، والعلم وحده بدون عمل، غير كاف، وقد استدل العلماء على ذلك بقوله تعالى في علماء بني إسرائيل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل: 14) وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 146)، فثبت أن هؤلاء لم ينتفعوا بعلمهم، وقد ثبتت لهم المعاصي والمخالفات الكبيرة مع العلم. 

الثاني: ذم هؤلاء العلماء واعتبار فسادهم وإثمهم، أفدح وأكبر من آثام غيرهم، وقد سماهم الشرع علماء السوء، وما جاء في ذمهم من الآثار كثير ومستفيض، من ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه» وفي القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 174) ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (البقرة: 175)، وحديث الذين أول من تُسعر بهم النار يوم القيامة. 

هذا وقد علل الشاطبي- رضي الله عنه- فساد العلماء بأمور يعدد منها ما يلي: 

أولًا: مجرد العناد، فقد يخالف فيه مقتضى الطبع الجبلي، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل: 14)، وأشباه ذلك كثير، والغالب على هذا الوجه ألا يقع إلا لغلبة الهوى من حب دنيا، أو جاه، أو غير ذلك، بحيث يكون وصف الهوى قد غمر القلب حتى لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا. 

ثانيًا: الفلتات الناشئة عن الغفلات التي لا ينجو منها البشر، فقد يصير العالم بدخول الغفلة غير عالم، فقد لا تبصر العين، ولا تسمع الأذن، لغلبة فكر أو غفلة أو غيرها، فترتفع في الحال منفعة العين والأذن في حال الإصابة، ومع ذلك لا يُقال إنه غير مجبول على السمع والإبصار، فمَا نحن فيه كذلك. 

ثالثًا: كونه ليس من أهل هذه المرتبة، فلم يصر العلم له وصفًا، أو كالوصف، مع عدة من أهلها، وهذا يرجع إلى اعتقاد العالم في نفسه، أو اعتقاد غيره فيه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (القصص: 50)، وفي الحديث: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء، فيرفع العلم معهم، ويبقى من الناس رؤوس جهال يفتنونهم بغير علم، فيضلون ويضلون» فهؤلاء وقعوا في المخالفة بسبب ظن الجهل علمًا، فليسوا من الراسخين في العلم ولا ممن صار لهم كالوصف، وعند ذلك لاحظ لهم في العلم فلا اعتراض بهم، وفي الحديث: «سيأتي على أمتي زمان يكثر القراء، ويقل الفقهاء، ويقبض العلم، ويكثر الهرج» إلى أن قال: «ثم يأتي من بعد ذلك زمان يقرأ القرآن رجال من أمتي لا يجاوز تراقيهم، ثم يأتي من بعد ذلك زمان يجادل المنافق المشرك بمثل ما يقول». 

وعن علي- رضي الله عنه- قال: «يا حملة العلم اعملوا به، فإن العالم من علم ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف علمهم عملهم، ويقعدون حلقًا يباهي بعضهم بعضًا، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم إلى الله عز وجل» وعن ابن مسعود قال: «كونوا للعلم رعاة، ولا تكونوا له رواة» وقال الثوري: «العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا» وعن ابن مسعود: «ليس العلم عن كثرة الحديث، إنما العلم خَشْيَة الله». 

وأظننا بعد سماعنا هذا البيان عن الشاطبي وغيره، المؤيد بالآيات والأحاديث وأقوال العلماء، لا يبقى لنا قول ولا بيان في حال هؤلاء العلماء الذين ارتضوا السير في الطريق السوء من غمط الناس، وإشاعة قالة السوء في العلماء العاملين بالافتراء والأكاذيب، والتلصص العلمي والعقدي، ودفع لبعض الصغار من هواة الظهور، وراغبي الكسب الحرام ليكتبوا لهو الحديث، ويضلوا عن سبيل الله بغير علم، ولا فهم، ولا بصيرة، ويلوكوا في أعراض دعاة وعلماء وهبوا أنفسهم لدعوة الله ونصرة دينه، وتحملوا واحتسبوا عند الله ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم من ضر، وإن كان لنا كلمة نقولها في آذانهم، ونبلغها إلى ضمائرهم: «كونوا ورثة للأنبياء ولا تكونوا ورثة للشياطين» فإن الفرق كبير، والبون شاسع، نسأل الله أن يوفق وأن يعين.. آمين. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 339

76

الثلاثاء 01-مارس-1977

من شذرات القلم

نشر في العدد 421

64

الثلاثاء 28-نوفمبر-1978

الأسرة (العدد 421)