العنوان وزراء التعليم العرب يتعهدون بإصلاحات في حضور السفير الأمريكي.. «إعلان القاهرة» يشدد على تطوير المناهج
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر الجمعة 25-يونيو-2004
مشاهدات 59
نشر في العدد 1606
نشر في الصفحة 28
الجمعة 25-يونيو-2004
في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط الأمريكية على العالم العربي للقيام بإصلاحات في مناهج التعليم بدعوى أنها بيئة خصبة لنمو التطرف الديني وتحث على كراهية الغرب وأمريكا، عقد بالقاهرة في الفترة من أول يونيو وحتى ٣ يونيو ٢٠٠٤ مؤتمر «التعليم للجميع.. الرؤية العربية للمستقبل» حضره ١٢ فقط من وزراء التربية والتعليم العرب، ووفود تمثل العشر دول الأخرى.
وقد شارك في المؤتمر - الذي أثار توقيته تساؤلات كثيرة خصوصًا أنه جاء قبل أسبوع واحد من قمة الثماني الصناعية الأخيرة التي ناقشت مسألة الإصلاحات في العالم العربي والإسلامي- المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والمدير العام المساعد لليونسكو، وممثلة اليونيسف بالقاهرة، فضلًا عن مدير مكتب التربية العربي لدول الخليج، وأصدر المؤتمر في ختام أعماله وثيقةً بعنوان «إعلان القاهرة»، ولوحظ حرص الوزراء العرب على تأكيد رفضهم للتدخل الأجنبي في تطوير المناهج والمقررات التعليمية في الدول العربية بعدما وجهت لهم تساؤلات حول غرض المؤتمر الحقيقي.
وكانت مفاجأة المؤتمر حضور السفير الأمريكي بالقاهرة ديفيد وولش لوقائع الجلسة الافتتاحية للمؤتمر ومتابعة السفارة الأمريكية لجلساته، الأمر الذي أثار تساؤلات كثيرة حول علاقة السفير بالمؤتمر وما إذا كان حضوره مرتبطًا بما يثار عن مطالب أمريكية بتعديل المناهج، وهو ما أثار استياء الحاضرين وسبَّب حرجًا للوزراء العرب.
ولا شك أن ذلك الحضور يمثل نوعًا من المراقبة للشؤون الداخلية العربية، وهو أمر يتنافى مع سيادتها وحريتها في اتخاذ القرارات والتوجهات.
وقد دفع حضور السفير الأمريكي بعض الوزراء العرب لإنكار نية الوزارات العربية تغيير المناهج بشدة استجابة للمطالب الأمريكية، حيث قلل الدكتور حسين كامل بهاء الدين -وزير التربية والتعليم المصري- من أهمية حضور السفير الأمريكي، وشدد على أن الإعلان الصادر عن المؤتمر رفض أي تدخل خارجي في المعاني الأخلاقية التي يلتزم بها المجتمع تصريحًا أو تلميحًا، رغم أنه هو نفسه أدخل مادة جديدة تسمى «الأخلاق» في مناهج التعليم المصرية، وصرح في ١٦ مارس الماضي ٢٠٠٤ بأن المادة الجديدة «الأخلاق» تهدف أساسًا إلى التشجيع على «قبول الآخر» و«تحض على قيم التقدم والأخلاق الحميدة والتعاون والصدق والتراحم مع الناس»!
وقال الوزير المصري إن أسس التطوير تقوم على قيم يشارك فيها العالم كله، ولا تقوم على أساس الهيمنة، وإذا وجدت تلك الضغوط فإنها يجب أن تقاوم، ولن يمنعنا أحد من التطوير في الإطار الوطني، وأكد الوزير المصري أن الوزارة تتعاون مع خبراء أجانب، دون أن يثير ذلك أي حساسية، وطالب بالانفتاح على الفكر العالمي.
وحول أسباب «تدشين، معظم الدول العربية لمشروعات إصلاح تعليمية في هذا الوقت بالذات، أكد بهاء الدين أن التطوير بدأ منذ فترة طويلة، وأن هناك تجارب ناجحة في هذا المجال، مشيرًا إلى حاجة الدول العربية المُلحة لتطوير تربوي نابع من الذات، يجسد القيم الأخلاقية التي يجب الحرص عليها، ويبني على التراث الذي يحترم الحرمات ويصون المقدسات.
وكان علي سعد - وزير التعليم السوري - أكثر وضوحًا في شرح تأثير الانتهاكات الأمريكية الأخيرة في العراق وفلسطين على رفض المطالب الأمريكية، حيث قال إن: «المنْتَج الأمريكي لم يعُد جذّابًا للتقليد بعد الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي أظهرها الأمريكيون في كل مكان».
ولم ينف الوزير السوري أن «هناك من يرغب في أن يجعل النظام التعليمي العربي جزءًا من المشروع الأمريكي: لأن النظام التربوي هو الذي ينتج كوادر المقاومة».
إعلان القاهرة يدعو للإصلاح
ورغم هذا النفي لشبهة أن يكون المؤتمر هدفه تبني الدعاوى الأمريكية للإصلاح وضمنها تغيير مناهج التعليم، فقد أكد «إعلان القاهرة» «ضرورة استمرار التطوير والتحديث التربوي النابع من العقيدة والقيم والهوية استجابة للمتطلبات القومية. وضرورة أن يشمل الإصلاح العالم كله، وأن يؤدي في النهاية إلى سيادة السلام العادل والشامل، وفق قرارات الشرعية الدولية، واحترام حقوق الإنسان في كل مكان».
وأكد البيان - الذي استهدف تكوين رؤية عربية مشتركة لتطوير التعليم وجودته- أن عملية التحديث يجب أن تأتي «من الداخل»، مع الاستعداد لتبني اختبارات إنسانية ناجحة من العالم».
ولوحظ أن ورقة إعلان القاهرة تطرقت مباشرة للانتهاكات التي تحدث في فلسطين والعراق والتهديدات ضد سورية، وربطت هذا بعملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط، مما يعيد للأذهان الصفقة التي سبق أن تحدثت عنها دول عربية، بمعنى ربط قيام العرب بأي إصلاحات -ولو في مجال التعليم- بحل مشكلة فلسطين، وهو توجه سعى قادة عرب لنفيه فيما بعد، ولكن قمة تونس العربية الأخيرة أكدته.
والغريب أن المؤتمر - رغم ربطه التطوير والإصلاح بحل قضية الشرق الأوسط - تجاهل في مداولاته تمامًا ما يحدث في فلسطين والعراق، والممارسات الصهيونية والأمريكية ضد المؤسسات التربوية فيهما، مما دفع بصري صالح مدير عام وزارة التعليم الفلسطيني للتركيز في كلمته على المأساة التي يتعرّض لها الطلاب في فلسطين، قائلًا إن مليونًا ومائتي ألف طالب يدرسون في ٢١٠ مدارس، فضلًا عن ١٢٠ ألف جامعي يدرسون في ١١ جامعة تحت ظروف غاية في القهر والإذلال.
وقال إن هناك ٤٠٠ طالب فلسطيني استُشهدوا دفاعًا عن أرضهم، بينما أصيب أكثر من ٨٠٠ من زملائهم، وطالب الجهات الدولية بضرورة توفير الحماية الكاملة للطلاب الفلسطينيين خلال الدراسة.
ومعروف أن هناك توجهًا عالميًّا لما يسمى «التعليم للجميع» أقره مؤتمر جوميتيان للتعليم للجميع عام ١٩٩٠، وأن هذا المؤتمر العربي الأخير يعتبر استمرارًا للتعاون الإقليمي بين الدول العربية ومنظمات الأمم المتحدة التي ما زالت تعلن عزمها على الوفاء بأهداف العلامات المرجعية المختلفة للتنمية الألفية، والتي كانت بدايتها عام ٢٠٠٥ ويعقبها ٢٠١٥،٢٠١٠ وأخيرًا ٢٠٢٠، والأمم المتحدة مستمرة في عمل منتديات لتبادل الأفكار الجديدة للوصول إلى رؤية عربية.
وقد طرحت مطالب غربية للدول العربية لتقديم تصورها الخاص عن عملية التطوير ضمن هذا التوجه العالمي، بيد أن أحداث ١١ سبتمبر وما تبعها من عداء بين الغرب والعالم الإسلامي دفعت باتجاه الضغط الأمريكي والغربي على العرب والمسلمين لتغيير مناهج التعليم.
حملة علمانية في الجزائر لإلغاء قانون الأحوال الشخصية
الجزائر كغيرها من البلاد العربية والإسلامية تتعرض لحملة شرسة من أجل علمنة وتغريب مناهجها ومنظوماتها التربوية والأسرية في سياق الحملة العالمية الأمريكية سيما بعد أحداث ١١سبتمبر، وعرابو هذا المسار في الجزائر وفي أغلب البلاد العربية -نقصد مسار العلمنة والتغريب- تمثله التيارات العلمانية الاستئصالية التي درجت على أسلوب الوقوف ضد ثوابت الأمة الدينية ومقومات شخصيتها.
ورغم أن المجتمع الجزائري رفض باستمرار هذه المشاريع المستوردة إلا أن أبناء فرنسا في الجزائر -أبناء فافا بالتعبير الجزائري - من المستلبين حضاريًّا يواصلون حملتهم المسعورة لتجريد الأمة من هويتها العربية والإسلامية.
وتتفاعل هذه الأيام بشكل لافت قضية تعديل قانون الأسرة «الأحوال الشخصية» المستمد في عمومه من الشريعة الإسلامية، خاصة بعد أن شكل رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة لجنة وطنية لاقتراح تعديل للقانون، وحسب مصادرنا فإن بعض رموز البلاء في الجزائر من العلمانيين التغريبيين الذين لا يعرفون في تعديل القانون إلا تجريده من الروح الإسلامية يحاولون تحقيق هدفهم. هذه الشخصيات التي لا تزال إلى اليوم تنطلق من منطلقات دخيلة عن المجتمع الجزائري، ومع أن الطبقة السياسية والثقافية والدينية مع تعديل قانون الأسرة في بعض مواده حسب ما وصل إليه الاجتهاد الفقهي المتكيف مع التحولات الاجتماعية والسياسية، إلا أن شلة من الجمعيات والشخصيات اللائكية -العلمانية- ذات النفوذ الإداري والإعلامي داخل دواليب السلطة تطرح احتمالات إلغاء قانون الأسرة الشرعي وتعويضه بقانون مدني، لأنه «قانون رجعي إرهابي يجسد الإرهاب والتمييز ضد المرأة» وخشيت أن تقول إنه مستمد من الشريعة الإسلامية لأنها تعرف موقف الجزائريين من هذه المسألة، وطُرحت إعلاميًّا وفي الكواليس جملة من التعديلات تتعلق بـ:
- قضية الولي - تزويج المرأة لنفسها من دون ولي.
- قضية مسكن الزوجية حيال الطلاق.
- التعددية الزوجية.
- تساوي الميراث.
والملاحظ كتوجه جديد لهذا التيار في فرض مشاريعه، وبعد أن كانت الأوساط المتغربة تدعو إلى إلغاء القانون لأنه مستمد من الشريعة الإسلامية، أنها راحت هذه المرة تلعب دور المفتي والفقيه المجتهد، حيث ركبت -باجتزاء- فتوى الإمام العلامة أبي حنيفة النعمان في قضية جواز تزويج المرأة نفسها من دون حضور الولي ليصلوا في النهاية إلى تشريع «عدم اشتراط الولي في عقد الزواج»، وهو ما رفضه المجتمع الجزائري بكل أطيافه، وفي أول رد فعل دعا رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الشيخ عبد الرحمن شيبان، اللجنة الوطنية المكلفة بإعادة صياغة قانون الأسرة الجزائري إلى الالتزام بالشروط والضوابط التي وضعها الإمام أبو حنيفة عند إفتائه بجواز إبرام عقد الزواج دون حضور الولي، وأكد أن مذهب أبي حنيفة هو أحد المذاهب الإسلامية المعروفة والمشهورة، وإذا اقتضى الأمر الخروج من مذهب الإمام مالك المعتمد في الجزائر طيلة قرون خلت في مسألة الولي في عقد الزواج مراعاة لمصلحة ثابتة أو راجحة والأخذ بمذهب أبي حنيفة، فلا حرج في ذلك، لكن يجب أن يؤخذ كاملًا دونما تحريف أو تصريف وإلا كان تحايلًا على الشريعة الإسلامية وتوظيفًا غير نزيه لمذهب أبي حنيفة لأغراض أيديولوجية.
ونؤكد في هذا التقرير أنه لا تزال حماقات التغريبيين متواصلة، رغم رفض المجتمع الجزائري مشاريعهم في سائر الاستحقاقات الانتخابية وآخرها الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إلا أنهم لن يهدأ لهم بال حتى يحققوا رغبة أعداء الأمة في العلمنة والتغريب وسلخ الأمة عن ثوابتها ومقومات شخصيتها، وفي المقابل تقف الأحزاب السياسية الوطنية منها والإسلامية ورجال البرلمان ومختلف شرائح وفئات الشعب بالمرصاد لهذه المحاولات تحت شعار «نحن مع التعديل والإثراء وضد العلمنة والإلغاء». والشكر لله أن كان رئيس الجمهورية مع هذا الشعار حين صرح قائلًا: إن ديننا واضح.. والشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل