; قراءة في فقه الشهادة (2من3). وقفات استشهادية | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في فقه الشهادة (2من3). وقفات استشهادية

الكاتب مركز الدراسات الإسلامية

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1996

مشاهدات 81

نشر في العدد 1200

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 21-مايو-1996

  • المجاهد الذي يزج بنفسه في قتال في سبيل الله فيقتل وهدفه الانتصار لدين الله لا يُعد قاتلًا لنفسه. وإنما هو شهيد
  • في غزوة مؤتة تسابق قادة الجيش المسلم الثلاثة على الموت واحدًا تلو الآخر. وأبو عبيد الله بن مسعود والمثنى نفذا أروع عملية استشهادية في ملحمة «الجسر»
  • إذا كان الجهاد ذروة سنام الإسلام. فإن العمليات الاستشهادية التي نفذها صحابة رسول الله ﷺ ومن تبعهم تمثل ذروة سنام الجهاد
  • المتأمل لسيرة النبي ﷺ ومعاركه ثم مسيرة المسلمين الجهادية على مدار التاريخ يمكنه التمييز بين ثلاثة مستويات من القتال

إن من المهم هنا أن نركز بصورة خاصة على واجب القتال في سبيل الله حين يتخذ شكل المعارك والعمليات الاستشهادية، وذلك بسبب أهمية هذا الشكل وضرورته والحاجة إليه، أما المقصود بالعمليات الاستشهادية في حالات القتال التي يدخل فيها المجاهد، أو قلة من المجاهدين في اشتباك مع العدو يتم بالثبات حتى الاستشهاد من أجل إنزال أكبر قدر من الخسائر بقواته العسكرية، أو تلك العمليات التي لا يمكن القيام بها أو تحقيق الهدف منها ما لم يدخل المجاهد، أو قلة من المجاهدين في غزوة عاصفة منقضة على قوات العدو ويحسم فيها القتال خلال لحظات يتم فيها التفجير بما لا يسمح للعدو بفرصة لإبطاله، أو إفشاله، أو تجنب الخسائر منه، كما لا يمكن أن تتم النتائج المرجوة ضد الهدف المحدد إلا من خلال هذا التفجير الذي يضطر فيه المجاهد أن يثبت في تلك اللحظة فلا يولي الأدبار، ولا يفكر في فرار، فيستشهد في هذا الاقتحام من أجل إنجاح عملية كبرى فيها نصرة للدين والجهاد، وفيها إنزال أكبر الخسائر في العدو الكافر، وفيها تحطيم لمعنويات قواته العسكرية، وبث الرعب في صفوفها.

وقد يخطر على بال البعض أحيانًا أن يقارن بين هذا الطراز من القتال في سبيل الله وبين قتل النفس التي حرم الله ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾( النساء: :29)، وأن المجاهدين الذين يسلكون هذا الدرب للشهادة إنما يلقون بأيديهم إلى التهلكة، أن مثل هذا الفهم هو من الخطورة بمكان، بحيث يستدعي أن نقف بين يدي فقه الجهاد، لنستجلي الصورة من خلال ما ورد فيه من نصوص عن الله ورسوله، وما جاء فيه من سيرة عملية لجهاد النبي ﷺ وجهاد صحابته من بعده، بل جهاد الأمة الإسلامية بأسرها على مدار تاريخها الحافل.

ورد عن الحافظ ابن كثير في تفسيره لآية قتل النفس أن المقصود بذلك هو عن طريق ارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل، أو بالانتحار سمًّا أو طعنًا، أو جرحًا، أو رميا من حالق أو شجًّا بحديدة.. إلخ، «مختصر تفسير ابن كثير، المجلد الأول، ص ۱۷۹، طبعة7 سنة ١٤٠٢هـ»، أن هذه المعاني تقودنا بداية إلى أحد أهم جوانب المسألة ألا وهو جانب النية فالنية في الجهاد مسألة معتبرة ورد فيها العديد من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تحض على إخلاصها لله سبحانه وتعالى، بل والأكثر من ذلك أن الله تبارك وتعالى رتب ثمرة الجهاد في اعتبار من يقتل من المجاهدين شهيدًا مقبولًا عند الله من عدمه على مسألة النية والأحاديث التي وردت في هذا المجال كثيرة محورها قول الرسولﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». ثم حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم أن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. «الحديث».

 إذن فالنية هنا لها كلمة الفصل، وإن عدل الله سبحانه الذي اقتضى إثباتها على الإنسان سلبًا. بمعنى أن يرد عليه يوم القيامة ما حسبه أهل الدنيا جهادًا وشهادة، لعدم صدق نيته، فيسحب على وجهه ويلقى في النار، لا يعقل أن يحرمه من ثمرتها إيجابًا، بمعنى أن يقبل منه يوم القيامة ما حسبه أهل الدنيا «قتلًا للنفس»، كشهادة يرقى بها أعلى درجات الجنة، وذلك لحضور النية وصدقها. 

وعليه، فللمجاهد الذي يزج بنفسه في قتال في سبيل الله، فيقتل وهدفه الميداني قتل العدو والانتصار لدين الله استجابة لأوامره سبحانه وتعالى، لا سأمًا من الحياة أو تخلصًا منها «الانتحار» كيف يمكن أن يحكم على فعله هذا بأنه قتل للنفس أو تهلكة؟ 

«فقتل النفس» كوصف لهذا الفعل لا محل له على الإطلاق ما دام انتفى شرط «الرغبة في التخلص من الحياة» الذي رتب العلماء على وجوده كون الفعل قتلًا للنفس.

شكل العملية الجهادية

أما الجانب الآخر للمسألة فهو شكل العملية الجهادية التي يقاتل بها المجاهد العدو، حيث ترد شكوك البعض حول العمليات الاستشهادية أيضًا في كونها تعني موتًا محققًا وأن من يقذف بنفسه فيها إنما يلقي بها في الهلاك.

إن إزالة مثل هذه الشكوك يستدعي التأمل ويعمق لفلسفة الجهاد في الإسلام، وما تتضمنه من معاني ذات صلة بهذا الأمر، فمن حيث المبدأ فإن الدعوة إلى الجهاد إنما تتضمن وبكل بساطة ووضوح الدعوة إلى التضحية بالنفس، وبذلها رخيصة في سبيل. الله، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾( التوبة: 111)، فهذه الآية تبين لنا أن استجابة المؤمن لهذا العرض المقدم من قبل الله إنما تعني قبوله لصفقة يوقع فيها منذ اللحظة الأولى على «قتله في سبيل الله»، والتنازل عن حياته ودنياه، وقد باعها لله ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ ويبدو ذلك واضحًا في الآية، حيث اعتبر الله سبحانه قتل المؤمنين للأعداء. واستشهادهم هم على أيديهم في قوله: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ثمرة لهذه الصفقة المنعقدة على موضوع الجهاد والقتال ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذا، وقد جاء تأكيد هذه المعاني في كثير من الآيات القرآنية التي تحدث فيها القرآن الكريم عن القتل أو الموت باعتبارهما ملازمين أو مصاحبين للجهاد في سبيل الله.

وقد استنكر على البعض قعودهم عن الجهاد خوفًا من الموت، بتأكيده أن الموت سيطولهم أينما كانوا، وكأنه يقول لهم: تعالوا إلى هذا الموت. لا مجرد أن يقول تعالوا إلى هذا القتال-فيقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (الجمعة: 18)، ويقول: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ (الأحزاب: 16)، ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾( الأنفال: 9) لذا نجد أن رسول الله ﷺ يتمنى هذا القتل في سبيل الله، فيقول فيما أخرجه البخاري: «والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل». وكذلك كان حال صحابته رضوان الله عليهم، فقد روي أن عبد الله بن جحش دعا ربه فقال: اللهم أقسم عليك أن ألقى العدو غدا، فيقتلوني، ثم يبقروا بطني، ويجدعوا أنفي وأذاني، ثم تسألني: بم ذاك؟ فأقول فيك، قبر الله بقسمه، وشوهد أخر النهار وأنفه وأذنه معلقان في خيطان «عبد الله بن المبارك. الجهاد-ص ۷۳، ٧٤، والكندهلوي-حياة الصحابة-جـ1 ص ٥٢٥، نقله عنهما د. محمد نعيم ياسين في «أثر الإسلام في تكوين الشخصية الجهادية». ص٥١-دار الأرقم-ط1-١٤٠٤هـ». 

وكان خالد بن الوليد-رضي الله عنه. يقول: «ما من ليلة يهدى إلى فيها عروس أنا لها محب، أو أبشر فيها بغلام أحب إلى من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد في سرية أصبح فيها العدو «المرجع السابق». 

من هذه المعاني نخلص إلى أن كل قتال للعدو إنما يحمل في طياته احتمال وقوع القتل للمجاهدين أو استشهادهم بل هو كانوا يتمنوه كما رأينا، ولكن يبقى الفارق بين عملية جهادية وأخرى في درجة تأكد هذا الاحتمال وتحققه، والذي هو في العمليات الاستشهادية والتفجيرية واقع دونما شك، وهو كما أوضحنا سابقا محور السؤال ومثار الشك مع تسليمنا في كل الحالات بقضاء الله وقدره ﴿اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾( الأعراف: 14)

ثلاثة مستويات من القتال

من هنا فإننا نقول بأن المتأمل السيرة النبي ﷺ ومعاركه التي خاضها هو وصحابته من أجل إعلاء راية هذا الدين: ثم مسيرة المسلمين الجهادية على مدار التاريخ إلى يومنا هذا يمكنه أن يميز بين ثلاثة مستويات من القتال للعدو من حيث ضراوة المواجهة، ودرجة التأكد في احتمال وقوع القتل في صفوف المجاهدين:

 الأول: هو تلك الحالة التي يستوي فيها احتمال القتل أو النجاة، فإما أن يرزق المجاهد شهادة أو كرامة، يقول خالد بن الوليد رضي الله عنه: «ما أدري من أي يومين أفر، يوم أراد الله أن يهدي لي فيه شهادة، أو من يوم أراد أن يهدي لي فيه كرامة». 

فإذا ما استثنينا موازين القوى المادية وكثرة العدد والعدة والتي لم تكن يومًا في صالح جيش المسلمين إبان معارك النبي ومعظم معارك الإسلام من بعده، فإن هذه الحالة يمكن أن تشير إلى لقاء العدو دونما تخصيص بضراوة القتال أو قيام أفراد الجيش بعمليات استثنائية تزداد فيها درجة احتمال وقوع القتل والاستشهاد. 

والثاني: هي تلك الحالة التي يزداد فيها احتمال وقوع القتل عندما يكون التفاوت في موازين القوى صارخًا فيلقي المجاهدون بأنفسهم طعمًا لآلات الحرب دونما حساب لموت أو حياة. وخير مثال على ذلك ما حدث في معركة مؤتة، وما أسفر عنها من استشهاد القادة الثلاثة الذين تسابقوا على الموت واحدًا تلو الآخر، وقد كان رسول الله ﷺ خير مثال للمجاهدين في مثل هذه الحالات، حيث كان دائمًا أقرب المقاتلين إلى العدو، وأن أشجعهم من كان يحاذيه لحظة من لحظات القتال، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه «كنا إذا اشتد الخطب واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ﷺ. وقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ، وهو أقربنا إلى العدو»، «محمود شيت خطاب الرسول القائد، ص ٤٣١، الطبعة الثالثة دار العلم»، وكتب السيرة حافلة بتلك الوقائع التي سطرها الصحابة رضوان الله عليهم، فكانوا بشجاعتهم وتضحيتهم مضرب الأمثال.

ففيما روى البخاري أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر رضي الله عنه عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله: غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء «يعني أصحابه»، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء «يعني المشركين»، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله أن اصنع ما صنع، قال أنس بن مالك، فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته بينانه، فقال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾( الأحزاب: 23) 

أما الحالة الثالثة: فهي التي يصبح فيها القتال أمرًا واقعًا لا محالة، فتغدو العملية الجهادية عملية استشهادية يلقي فيها المجاهد بنفسه إلى الموت وكله ثقة أنه ينطلق إلى الجنة. وقد ميزنا بين هذه الصورة وسابقها لأنها تمثل في نظرنا الصورة التي تبحث فيها، حيث الحالات الخاصة التي قد تستدعي فيها الظروف أن يقوم فرد أو نفر قليل من المجاهدين بأعمال استشهادية ينقذون بها الجيش بأكمله أو الشعب المسلم، أو يكون لها من الأثر ما يحطم خطط العدو ومعنوياته، ويزيد من بأس المسلمين ومعنوياتهم. أو يسمح بفتح ثغرة تزعزع جيش العدو، وهو أمر يؤدي ومن ثم إلى التقليل من خسائر المسلمين وزيادة خسائر عدوهم، والأمثلة على ذلك أيضًا كثيرة، وتزخر بها كتب التاريخ وسير المجاهدين فمنها قصة البراء بن مالك في موقعة اليمامة الذي ألقى به المسلمون إلى الحديقة التي احتمى بها المشركون ليفتح بابها للمسلمين كي يدخلوها عليهم، جاء في «الكامل» لابن الأثير، أن البراء صاح في الناس يومها وقال: إلى أيها الناس، أنا البراء بن مالك إلى، إلى، وقاتل قتالًا شديدًا، فلما دخلت بنو حنيفة الحديقة قال البراء: يا معشر المسلمين القوني عليهم في الحديقة، فقالوا: لا نفعل، فقال: والله لتطرحنني عليهم فيها، فاحتمل حتى أشرف على الجدار فاقتحمها عليهم، وقاتل على بابها وفتحه للمسلمين، ودخلوا عليهم فاقتتلوا أشد قتال «الكامل لابن الأثير، الجزء الثاني، ص ٢٤٠، إدارة الطباعة المنبرية١٣٤٩هـ»

لم يكن البراء يومها يملك حزامًا ناسفًا يلقي بنفسه به على باب الحديقة فيفجره، فما كان منه إلا أن اختار البديل الذي يحمل نفس المعني تفجير نفسه. حين اختار أن يلقي بنفسه طعمًا سائغًا للسيوف، وإلا ما الذي حمل الصحابة رضوان الله عليهم أن يردوا طلبه للوهلة الأولى؟ «فقالوا: لا تفعل»، إنه الإشفاق على أخيهم من هذا الموت المحقق، ولكن إشفاقهم هذا لم يكن ليرقى لأن يقف أمام الواجب بضرورة اقتحامها، فما كان منهم وهم كبار الصحابة وفيهم كبار القراء. وأمناء الوحي إلا أن حملوه وألقوا به للسيوف.

موقعة ملحمة الجسر

ومن البراء بن مالك في اليمامة إلى أبي عبيد الله بن مسعود والمثنى وغيرهم في موقعة وملحمة الجسر الخالدة، حين ألقي أبو عبيد الله بنفسه وسط فيلة الفرس التي أعجزت المسلمين وقد تبعه سيل من ألم اهدين في واحدة من أروع العمليات الاستشهادية التي شهدها تاريخ المعارك الإسلامية، والتي يقول ابن الأثير في وصفها وضاقت الأرض بأهلها واقتتلوا، فلما نظرت الخيول إلى الفيلة. وإن شيئًا منكرًا لم تكن رأت مثله، فجعل المسلمون إذا حملوا عليهم «على الفرس»، لم تقدم عليهم خيولهم، وإذا حملت الفرس على المسلمين بالفيلة والجلاجل فرقت-خيولهم وكراديسهم ورموهم بالنشاب واشتد الأمر بالمسلمين، فترجل أبو عبيد والناس ثم: مشوا إليهم، ثم صافحوهم بالسيوف فجعلت الفيلة لا تحمل على جماعة إلا دفعتهم، فنادى أبو عبيد احتوشوا الفيلة، واقطعوا بطانها. وأقبلوا عنها أهلها، ووثب هو على الفيل الأبيض. فقطع بطانة ووقع على الذين عليه وفعل القوم مثل ذلك فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله، وقتلوا بـ أصحابه، وأهوى الفيل لأبي عبيد فضربه أبو عبيد بالسيف وخبطه الفيل بيده فوقع فوطئه الفيل وقام عليه، فلما بصر به الناس تحت الفيل الله خشعت أنفس بعضهم، ثم أخذ اللواء القائد والذي أمره بعده، فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبي عبيد فأخذه المسلمون فأحرزوه، ثم قتل الفيل في الأمير الذي بعد أبي عبيد، وتتابع سبعة أنفس من ثقيف كلهم يأخذ اللواء ويقاتل حتى يموت ثم أخذ اللواء المثنى فهرب عنه الناس، فلما رأى عبد الله بن مرثد الثقفي ما لقى أبو عبيد وخلفاؤه الله وما يمنع الناس بادرهم إلى الجسر فقطعه وقال: أيها الناس موتوا على ما ما تعليه امراؤكم أو تظفروا، وحاز المشركون المسلمين إلى الجسر فتواثب بعضهم إلى الفرات فغرق من لم يصبر، وأسرعوا فيمن صبر، وحمى المثنى وفرسان من المسلمين الناس، وقال: أنا دونكم فاعبروا على هيأتكم ولا تدهشوا. » «ابن الأثير، مرجع سابق،ص302» أي مشهد هذا الذي يقحم أبو عبيد فيه نفسه فتخشع له وله أنفس من رأوه سوى أنها دبابة العصر تسحق جسد الشهيد حين ألقى بنفسه تحتها مدشنًا بذلك النصر الذي لم يتحقق إلا وهو ومن تبعه في الجنة، فالمعركة ما كانت لتكسب لولا حركة استشهادية من هذا النوع.

 وما كان لجيش المسلمين من جهة أخرى أن يستعيد الثقة في قتال الفيلة ما لم ير بأم عينه بطولة أبي عبيد الله وإخوانه حين قاموا بذلك الاقتحام الاستشهادي وكانوا يعرفون نهايتهم هذه إلا أنهم فعلوها ما دام في ذلك قهر للعدو، ونصرة  للدين لا يتحققان فيحينه وفي ذلك الظرف إلا من خلال هذا العمل، فهل بعد ذلك من شك في أن هذا العمل الاستشهادي  في القتال في سبيل الله الذي يقتل المجاهد فيه ويقتل في أن واحد، هو قتل النفس وإلقاء بيده للتهلكة، أن ما هو جدير بالذكر هنا أن حادثة الفيلة هذه قد تكررت في القادسية أيضًا تحت قيادة سعد بن أبي وقاص-رضي الله عنه-في واحدة من أهم معارك الإسلام وهي التي وقف فيها عكرمة بن أبي جهل ينادي في الناس من يبايع على الموت؟، ولا أظن أننا بحاجة إلى سرد تفاصيلها هنا، ولكن إذا كان هناك ثمة شك مازال يحيك في صدور البعض فليستفتوا في ذلك الصحابي الجليل أبا أيوب الأنصاري فيما رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما عن أبي عمران، قال: كنا بمدينة الروم القسطنطينية-ومعنا أبو أيوب الأنصاري-فأخرجوا صفًا عظيمًا من الروم، فخرج لهم من المسلمين مثلهم وأكثر. فحمل رجل من المسلمين على صف من الروم حتى دخل بينهم، فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه فقال: أيها الناس أنتم تناولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سرًا دون رسول الله ﷺ: أن أموالنا قد ضاعت، وإن الله تعالى أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منا، فأنزل الله تعالى على نبيه ما يرد علينا ما قلناه ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾( الأحزاب: 195)، فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، ومن المعروف أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه ظل قائمًا في رباط حتى استشهد ودفن في القسطنطينية.

 

ذروة سنام الجهاد

إذن. إنها التضحية وليست التهلكة، بل يمكننا أن نخلص من هذه المشاهد العظيمة التي عاشها المجاهدون الأوائل بأنه إذا كان الجهاد هو ذروة سنام الإسلام. فقد كانت مثل هذه العمليات الاستشهادية الفذة الجريئة التي نفذها الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبعهم تمثل ذروة سنام الجهاد، ما دام المجاهد يقدم عليها وهو متيقن أنه سيلقى ربه، ويجب أن تعلم. وعلى خلاف ما يظنه أصحاب الشكوك-أنه كلما زادت درجة تأكد الموت في إقدام المجاهد-أيًا كانت الطريقة التي يؤكد بها على هذا الموت «كجهاد في سبيل الله». كلما عظم ثوابه وارتفعت درجته عند الله عز وجل قال قتادة «لما التقى الناس يوم بدر، قال عوف بن عفراء يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال: أن يراه غمس يده في القتال حاسرًا «أي بدون درع» فنزع عوف درعه، وتقدم فقاتل حتى قتل شهيدا» «الرومي والهزاع الشوق إلى الجهاد، ص ٦٥ مكتب المنارة ١٤٠٣هـ. نقلاه عن ابن حجر في الإصابة». 

سبحان الله!! أما كان يمكن لعوف أن يقاتل بدرعه؟ لماذا يلقي به. طمعًا في القتل؟ أليس في ذلك إلقاء بالنفس للتهلكة أم أن بقاء درعه لا يضحك ربه؟ يا لها من معاني كان هناك أيدي خفية حاولت طمسها وتغييبها على مدار التاريخ. ولا زالت.

هذا بالإضافة إلى ما سبق، فإن هناك وجهًا أخر للمسألة يتمثل في الإصرار على كلمة الإسلام مع علم صاحبها أنها لا تعني سوى القتل، فقصة أصحاب الأخدود بكل وقائعها تعطي مثلًا واضحًا لحالة يجوز فيها أن يقدم المؤمن على عمل يؤدي إلى قتله رفضًا للتراجع عن دينه أو من أجل نصرته، وقد عالج الفقه الإسلامي هذه الحالة التي يطلب فيها من المسلم التراجع عن دينه والنطق بكلمة الكفر، فقد أباح الله سبحانه وتعالى للمسلم أن ينطق بكلمة الكفر بلسانه طالما بقي الإيمان في قلبه وهذه هي الرخصة، أما العزيمة لمن يطيقها فهي أن لا ينطق بغير كلمة الإسلام مع ما في ذلك من نهاية حتمية له توصله إلى أعلى مراتب الصديقين والشهداء في الجنة.

ولعل موقف بلال بن رباح-رضي الله عنه. وغيره من الصحابة لا تغيب عن أذهاننا، فقد روي أن حبيب بن زيد الأنصاري لما كان يقول له مسيلمة الكذاب أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم، فيقول أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك «في ظلال القرآن الجزء الرابع ص ۲۱۹٦ دار الشروق، الطبعة التاسعة». 

وهذه الحالة أيضًا مطابقة لمواجهة دعاة الحق للطغاة والمستبدين من الحكام، حيث يقف المجاهد ليجهر بكلمة الحق وهو يعرف أنها ستقوده إلى حتفه ليلقى ربه فينطق بها فلا يكون ذلك مجرد شهيد، بل كما أخبرنا رسول الله ﷺ أنه سيد الشهداء يوم القيامة، فقد جاء عنه ﷺ أنه قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب»، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله»، وعنه ﷺ أن «أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»

وبعد. فرغم هذا العرض المفصل الذي حاولناه في هذه المسالة، إلا أننا ندرك أيضًا أن مصدر ما يثار من شكوك حول العمليات الاستشهادية قد لا يتعلق بحكم هذه العمليات ومدى مشروعيتها بقدر ما يتعلق بالروح التي تسيطر على الأمة والحالة التي تعيشها.

فليس غريبًا إذن أن تثار مثل هذه الشكوك ما دمنا نعيش حالة الانحطاط والقعود عن الجهاد تلك الحالة التي لم يسلم منها البعض حتى في زمن الرسول ﷺ فتحدث القرآن في مواضع كثيرة عن القاعدين والروح الانهزامية التي يحاولون بنها في صفوف المسلمين بشتى الوسائل، قال عز وجل: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾( آل عمران: 156). 

وعليه فإنه قد يكون مفيدًا أن تستوعب ما سبق من جوانب ترتبط بفلسفة الجهاد في الإسلام، ولكن هذا لا يجب أن ينسينا أن هذه الفلسفة إنما تستمد قوتها ونصاعتها من إشعاع تلك الروح التي سكنت ذلك الجيل القرآني الفريد. كما سماه الشهيد سيد قطب رحمه الله-فهانت لديهم الدنيا بما فيها، ورخصت أنفسهم ليصنعوا أغلى معجزة آلا وهي معجزة انتصار الإسلام على صروح الباطل وإمبراطورياته.

فها هو رسول اللهﷺ يحض المسلمين على القتال يوم بدر «والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة»، فسمعه عمير بن الحمام وكان في يده تمرات يأكلهن، فقال: بخ بخ.. أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه وقاتل القوم حتى قتل «عماد الدين خليل-دراسة في السيرة ص ۱۸۲ نقلًا عن ابن هشام والطبري والبخاري».

وإن كنا نعجب لهذه الشجاعة وهذه الروح التي دفعت عمير لأن يلقي بالتمرات حين شعر أنها تعوق انطلاقته إلى الجنة، فماذا يمكن أن نقول عن ذلك الصحابي الجليل الذي القى بعضو من جسده عندما شعر أنه يعوق حركته ويحد من فعاليته في القتال، روى ابن إسحاق عن معاذ بن عمرو بن الجموح قال: سمعت القوم وهم يقولون أبو الحكم لا يخلص إليه، فجعلته من شأني فصمدت نحوه «قصدت إلى جهته»، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضريه النت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني «أي غلبني واشتد علي» القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفي، فلما انتني وضعت عليها قدمي، ثم تعطيت عليها حتى طرحتها. «د. محمد نعيم ياسين مرجع سابق، ص ۱۸، نقله عن سيرة ابن هشام». 

أية عقيدة هذه التي ملأت هذا القلب فأعطته هذه الروح التي فاقت قوتها كل ألم فانطلق أقوى من النزيف الذي يصبغ الأرض من حوله ليلقى ريه راضيًا مرضيا، أن عودة هذه الروح هي الضمان الوحيد لانتصار المسلمين على أعدائهم في هذا الزمان لاسيما على أرض فلسطين، لما يمثله هذا الكيان المزروع فيها من خطر على جسم الأمة الإسلامية بأسرها-كما أوضحنا سابقًا.

غياب الروح الجهادية

هذا. ورغم غياب هذه الروح في فترات هبوط الأمة الإسلامية، هذا الهبوط الذي اشتدت حدته مع بداية القرن الماضي إبان الهجمة الغربية الحديثة وما نتج عنها، إلا أن الأمة لم تحرم تلك الومضات الجهادية التي اشتعلت جذوتها في المئة سنة الماضية أيضًا في معارك الثورات الإسلامية التي قادها المجاهدون من أمثال عبد القادر الجزائري «الجزائر»، والمهدي «السودان»، وعمر المختار «ليبيا»، وعبد الكريم الخطابي المغرب» وعز الدين القسام «فلسطين»، وغيرهم وغيرهم على امتداد الوطن الإسلامي، وعلى امتداد التاريخ الإسلامي، وفي كتابه «الإخوان المسلمون في حرب فلسطين»، يورد الأستاذ كامل الشريف العديد من المواقف الاستشهادية التي خاضها ذلك الجيل الذي تربى على يد الإمام حسن البنا رحمه الله نورد مثلًا واحدًا وقع إبان زحف المجاهدين المسلمين بقيادة الشهيد أحمد عبد العزيز لمهاجمة مستعمرة «كفارديروم» اليهودية في فلسطين، فيقول الأستاذ الشريف على لسان قائد جماعات الاقتحام في تلك المعركة «وبدأ المجاهدون يزحفون إلى أغراضهم، والعدو الماكر يغري بالتقدم حتى أصبحنا على الأسلاك والمستعمرة لا تزال هادئة ساكنة، وفجأة انشقت الأرض عن عيون كثيرة، وانسابت سيول دافقة من النيران، وتساقط المجاهدون حتى امتلأت الساحة بالجرحى والشهداء. ورأينا أنفسنا في وضع حرج، ونيران العدو لا تزال تشق طريقها في الجموع العارية، وفجأة تقدم شاب أسمر طويل وصاح في إخوانه ليتراجعوا إلى الوراء وتراجعت الجموع قليلًا للوراء، فقذف الشاب بنفسه على الأسلاك الشائكة المشحونة بالألغام فانفجرت وتطايرت الأسلاك الشائكة، وتطاير جسده معها أشلاء ممزقة، وفتحت السماء أبوابها لتستقبل صيفًا جديدا كان أهل الدنيا يعرفونه باسم عمر عثمان بلال.» «كامل الشريف. الإخوان المسلمون في حرب فلسطين-ص ۱۱۱-۱۱۲ مكتبة وهبة، القاهرة بدون تاريخ»

لا تكون لا نظن بعد هذا كله، أنه مازال هناك متسع للسؤال عما إذا كان ما فعله الشهيد عمر بلال هو قتل للنفس أم شهادة رغم مطابقة فعله للصورة محل بحثنا شكلًا ومضمونا، إنها وبلا شك وقفات استشهادية يراد منها نصرة الدين في ظروف محددة ) النصرة فيها بغيرها، ففيها الثبات على المبدأ، وفيها ضرب المثل في التمسك بالموقف الإسلامي، وعدم الرضوخ للأعداء، وفيها إبقاء شعلة الجهاد في سبيل الله متقدة في النفوس بعد الاستشهاد وبسببه، وفيها إغاظة للعدو حين لا يفوز برؤية المجاهدين مستسلمين، أن هذا النمط من القتال الاستشهادي في سبيل الله لابد من أن يشدد على سمته الاستشهادية هنا، لأن النجاة من المعركة ضمن سنن الكون التي وضعها رب العالمين لمثل هذه الحياة غير ممكنة إلا بتدخل الغيب وتحقق الكرامات، ولكن هذا النمط أن كان قد غطى في حالات معينة، بعض جوانب القتال في سبيل الله فلا يعني أنه النمط الوحيد أو أنه النمط الواجب الاتباع في كل الظروف والأوقات، لأن الأصل هو الجهادي الذي يتصف بدرجة من التكافؤ بين القوى أعلى من هذه الحالة ولو لم تكن الكثرة إلى جانب المسلمين، وإنما ثمة إمكانات كبيرة للنصر، أو في الأقل لمكر يعقبه فر متحرفًا لقتال أو منحازًا لفئة مجاهدة، أي أن ما يراد التنبيه إليه هنا ليس تعميم حالة القتال الاستشهادي وجعلها القانون العام وإنما تأكيد جواز هذه الحالة وضرورتها ووجوبها في ظروف محددة، وضمن شروط معينة، ومن ثم إقامة الحد الفاصل بينها وبين حالات الانتحار التي حرم الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 63

93

الثلاثاء 08-يونيو-1971

مع القراء (العدد 63)

نشر في العدد 243

76

الثلاثاء 01-أبريل-1975

لا نفرّ من الزّحف

نشر في العدد 244

121

الثلاثاء 08-أبريل-1975

(لا نفر من الزحف)