العنوان وقفات إيمانية مع الذات المسلمة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2002
مشاهدات 61
نشر في العدد 1512
نشر في الصفحة 47
السبت 03-أغسطس-2002
من أجل نعم الله سبحانه على المؤمنين، وأعظم فضله على المتقين، أن بين لهم معالم الطريق، ووضح لهم مسالكه ودروبه، وأضاء لهم مشارفه وأعماقه، ودلهم على تعاريجه وعقباته، وحضهم على ما يأخذ بيدهم، وجلى لهم مهمتهم في الحياة، ووصاهم بالعمل بها والسير على سننها فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: 77،78).
تلك هي مهمة الفرد المسلم التي رتب الله عليها الفلاح والنصر والفوز، أولها عبودية لله، وعمل للخير ونفع للبشرية وجهاد في سبيل الحق، وحمل للفكرة وتضحية في سبيلها وريادة بحقها، وشهادة على البشرية بتبعاتها، وتوكل على الله بعد ذلك واعتصام به يعقبه فلاح ونصر مؤزر، هذا ولا تنجح الفكرة إلا إذا قوي الإيمان بها، وتوافر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (الأنفال: 74).
حقيقة الإيمان الذي يستأهل النصر ويحمل التبعات ليست سهلة، وليست بغير عمل أو جهاد، ولهذا وجب أن تُعد لها برامج وأن ترسم لها خطوات، وتلك الخطوات والبرامج وإن كانت سهلة وميسرة، ولكنها تعمل عمل السحر في نفوس القاصدين وقلوب العاملين.
وقد حرص بعض المخلصين على تذكير المؤمنين بها وحثهم عليها حتى يكون الإنسان على الجادة، وحتى يجعلها واجبات له، وما أحوج المؤمن -في هذه الأيام التي يستنجد فيها بإيمانه عند ظلام الدنيا، وعظم الكرب- أن يعرف واجباته نحو ربه ودينه ودنياه، فأما عن واجباتك:
أولًا- نحو ربك:
أن تديم مراقبة الله تعالى، وتخلص النية له في كل عمل، وتذكر الآخرة وتستعد لها، وتتقرب إليه سبحانه بنوافل العبادة، وتكثر من الذكر على كل حال، وتتحرى الدعاء المأثور عن النبي في كل شأن، وأن تحافظ على الطهارة الحسية والمعنوية، وأن تؤدي الفروض والسنن، وأن تتحرز عن الصغائر فضلًا عن الكبائر، وأن تحرص على الوقت فإنه هو الحياة، وأنت مسؤول عنه يوم القيامة، وأن يجاهد الإنسان نفسه حتى يسلس له قيادها، ويغض الطرف، ويضبط عاطفته، ويقاوم نوازع الغريزة في نفسه ويسمو بها دائمًا إلى الحلال الطيب، ويحول بينها وبين الحرام أيًّا كان.
ثانيًا- نحو دينك:
أن تعمل ما استطعت على إحياء العادات الإسلامية، وتحارب الغزو الثقافي في كل نواحي الحياة، ومن ذلك تهميش الهوية، وأن تقاطع عدوك المعتدي على بلدك أو أمتك، وأن تعمل على أن تكون ندًّا له، وأن تتقوى بأكثر مما يتقوى به حتى تدفع عن دينك وتعز الإسلام والمسلمين، وأن تعمل على أن تكون مثلًا في أمتك، وقدوة في مجتمعك ونافعًا لجيلك، وأن تخالط المسلمين وتنصحهم وتحبهم وتعطف عليهم، وتؤدي حقوق إخوانك كاملة من التقدير والمساعدة والإيثار، وتخصهم بمودتك ورحمتك وعونك، وأن تكون داعية بعملك قبل قولك وبفعلك قبل لسانك، وأن تؤدي حق الفقراء والمساكين بالزكاة الواجبة عليك، وبالصدقات للسائل والمحروم، وأن تسارع إلى الخير حيث كان، وأن تعمل على نشر دينك حيث كنت، وفي كل مكان ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وأن تحتسب الأجر عند الله.
وأن تنفق على دعوتك جزءًا من مالك مهما كان ضئيلًا، فرُب درهم يغلب ألف درهم، وأن تصطحب دائمًا نية الجهاد، والجهاد أنواع ودرجات، ومن جهاد الداعية: الكلمة، وإيقاظ الناس وإنهاضهم إلى الدور المنوط بهم، والتبعة الملقاة عليهم، ومنها دفع العدو وإعزاز دين الله، ورد الغارة عن ديار المسلمين ومقدساتهم، وتجهيز غزاتهم.
ثالثًا- نحو نفسك:
أن تكون حيًّا دقيق الشعور، سريع التأثر بالحسن وضده من الأقوال والأفعال، وأن تكون متواضعًا من غير ذلة ولا خضوع، وأن تطلب حقك وتعمل على تحصيله، وأن تكون صادقًا فلا تكذب أبدًا، قوي الإرادة فلا تتردد أبدًا، وفيًّا لا تخلف وعدك مهما كانت الظروف، وأن تكون شجاعًا عظيم الاحتمال، وأفضل الشجاعة الصراحة في الحق، وكتمان السر، والاعتراف بالخطأ، والإنصاف من النفس، وضبطها عند الغضب، وأن تكون وقورًا، تؤثر الجد والرزانة، ولا يمنعك الوقار من المزاح الصادق والضحك في تبسم وتبسط، وأن تبتعد عن أقران السوء، وأصدقاء الفساد، وأماكن المعصية والإثم.
رابعًا- نحو غيرك:
أن تكون عظيم النشاط، مدربًا على الخدمة العامة، تشعر بالفرح إذا قدمت خدمة إلى غيرك، تعود مريضهم، وتحمل ضعيفهم، تعفو وتصفح، حسن السلوك مع الناس، محافظًا على آداب الإسلام، ترحم صغيرهم، وتوقر كبيرهم، وأن تكون حسن التقاضي لحقك، كما تؤدي إلى الناس حقوقهم، وأن تكون عدلًا صحيح الحكم في جميع الأحوال، تقول الحق ولو على نفسك، محافظًا على حرمات المسلمين، شهمًا كريمًا عفيفًا، نصيرًا للمظلوم حسن النية محتسبًا عملك عند الله.
ما أجمل أن يجعل الإنسان لنفسه دستورًا يحكم تصرفاته حتى تظهر خيرية الأمة فتسعد ويسعد الناس، ويعم الهدى والعزة والنور، فهل يكون؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل