العنوان الافتتاحية... وقفة تأمل مع مجلس التعاون (599)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1982
مشاهدات 71
نشر في العدد 599
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 14-ديسمبر-1982
عندما تتسارع الأحداث في منطقة الخليج وتكثر التحديات التي تواجه شعوبه، وبعد مضي ما يقارب العام على إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي أنجز فيها ما فاق تصور أمينه العام السيد عبد الله بشارة، يجعل من المفيد التوقف للتأمل والتدبر لكي تأتي الخطوات القادمة متسقة مع الهدف الأساسي ومنسجمة مع هموم ومصالح الشعوب.
والهدف الأساسي لقيام المجلس كما أعلن آنذاك، هو تحقيق نوع من التنسيق في السياسات الاقتصادية والتعاون العام لما فيه مصلحة شعوب المنطقة بالإضافة إلى ما أعلنته معظم الدول الأعضاء في أبعاد الخليج عن هيمنة القوى الدولية وبناء القوة الذاتية للحفاظ على أمنه واستقراره بأيدي أهله وهذا هدف كبير ويدخل في اختصاصات شعوب هذه المنطقة التي تكاد تتخاطفها القوى الطامعة من هنا وهناك.
ويكتسب هذا الهدف أهمية من كون هذه المنطقة نامية تعتمد في اقتصادها على سلعة واحدة ناضبة هي النفط ولذا كان لابد من العمل الجماعي لاستغلال هذه الثروة ومدخولاتها للأجيال الحاضرة والقادمة.
نقول إن هدف المجلس كما أعلن بالرغم من بعض التحفظات التي قيلت بشأنه كان مقبولًا لدى جميع شعوب المنطقة، ولازالت هذه الشعوب تأمل في تحقيق تلك الأهداف، لكن تباين وجهات النظر بين الدول الأعضاء قبل إعلان قيام المجلس طرح بعض الاستفهامات عن مدى قدرة المجلس على تحقيق أهدافه. إذ لا يخفى أن عمان مثلًا طرحت المشروع من زاوية «أمن الخليج» في الوقت الذي تعلن فيه أنها منحت الولايات المتحدة قواعد وتسهيلات عسكرية!
وطرحت أطراف أخرى الموضوع من زاوية التنسيق الأمني بين أجهزة الأمن والداخلية وهكذا..
لكن عندما أعلن قيام المجلس وبدأت مؤتمراته ترى على مستوى القمة ووزراء الخارجية والمالية والنفط وغيرها، بالإضافة إلى التأكيدات المتواصلة للزعماء الخليجيين بإبعاد الخليج عن بؤرة الصراع الدولي وأن مسؤولية أمنه تقع على أبنائه كل ذلك أسهم إلى حد ما في ترسيخ القناعة الشعبية بأهداف المجلس وأعماله.
ومع ذلك ومع قناعتنا بضرورة تركيز المجلس على التعاون في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فإن ثمة مؤشرات وتطورات جعلتنا نتخوف في المستقبل وندعو إلى وقفة للتأمل والتدبر.
فالعلاقة مع الغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا التي لم تكن واضحة في تصريحات المسؤولين أو أوساط المجلس وكانت ترتسم حولها بعض علامات الاستفهام، جاء تصريح أمين عام المجلس السيد عبد الله بشاره لبعض الصحف الخليجية ليعمق من الشكوك حول هذه العلاقة أنه يقول: إن علاقاتنا مع أميركا قوية للغاية، وهذا لا يعني أننا مرتمون في أحضان هذه الدولة، بل إن هذه العلاقات نابعة من أن مصالحنا ومصالح الولايات المتحدة تلتقي ليس بالرسم والتخطيط وإنما هي تلتقي بالصدف ومن مصلحتنا استمرار هذه العلاقات!
وبالنسبة للموقف في عمان يقول السيد بشارة في لقاء له مع مجلة صدى الأسبوع البحرينية «المسؤولون العمانيون لا ينفون بأنهم يقدمون تسهيلات عسكرية لأمريكا... وهذه التسهيلات تقدم بناء على علاقات استراتيجية قائمة بين الدولتين ولا يمكن لمجلس التعاون الخليجي خلال ستة أشهر هي مدة تأسيسه أن يزيل مثل هذه العلاقات دون أن يوفر البديل المناسب وهذا البديل في رأينا يتمثل في إزالة المشاكل العالقة بين السلطنة واليمن الجنوبي.
وفي مناسبة أخرى يعلن أمين عام المجلس أن القوة العسكرية والوحدة الدفاعية لدول المجلس هي بمثابة البديل المناسب.
لكن ضمن معطيات الواقع من حيث موقع الخليج وضآلة عدد سكانه ألا يحق لنا أن نتساءل عن مدى إمكانية توفير البديل المناسب ذاتيًا؟!
إن العلاقة مع جميع دول العالم ترحب بها الشعوب إذا كانت في صالحها وقائمة على أساس العدل والمساواة، لكن أن تستجيب لضغوطات الواقع فتعمل على تحسين العلاقات مع دول لا تضمر لنا إلا الكيد والشر فغير جائز إطلاقًا وليس له أي مسوغ معقول.
وتتوالى الأحداث في الخليج لتعلو صيحات القلق على الأمن مع عدم الإعلان من الذي يهدد الخليج في الخارج.. وقد كانت حكاية شبكة التخريب في البحرين مناسبة لإطلاق العنان لإبرام عدة اتفاقيات أمنية خليجية، تبعها ما أعلن عنه أمين عام المجلس في أعقاب انعقاد مؤتمر وزراء الدفاع من أن «تعاونا دفاعيًا قد قام بين الدول الأعضاء».
وقد ترافق هذا مع إعلان معظم القادة الخليجيين أنهم طرف في الحرب العراقية - الإيرانية كما أعلن بشارة أنه لا يمكن «التوسط في موضوع نحن طرف فيه».
ومن زاوية أخرى نشرت أنباء صحفية مفادها أن مؤتمر وزراء إعلام دول الخليج القادم سيبحث في مشروع قانون موحد للطباعة والنشر تقدم بموجبه أية صحيفة تتناول الدول الأعضاء بالنقد أو نشر أخبار تنتقد السلطات الرسمية أو فيها إساءة لدول المجلس!
وبنفس الوقت جرى تضخيم الهوة بين المواطنين والوافدين إلى الخليج بحجة أن الخطر على الأمن يأتي من هؤلاء الوافدين.. وهذا ما يؤدي إلى العكس تمامًا كما أن دول المجلس جميعًا تدرك أنه لا يمكن الاستغناء عن خدمات الوافدين. ونحن نعتقد أنه يجب الانتباه لهذه المسالة حقًا لكن تضخيمها إلى الحد المعلن عنه مبالغة في غير محلها وقد تضر بنا أكثر مما تنفع ولو أخذنا بالمعيار الإسلامي في الاختبار والأجر وتوفير فرص العمل لحلت المشكلة من رمتها.
إن تتابع الأحداث على النحو السابق بالإضافة إلى وضوح السياسة الأمريكية الرامية إلى تأكيد وجودها العسكري في المنطقة، تدعو إلى وقفة تأمل وتدبر نحتاج فيها الى تقرير جملة أمور لعلها تسهم في إصلاح الأمر الذي يحرص عليه الجميع:
- لابد من إبعاد المنطقة عن صراع مناطق النفوذ وعدم الانحياز لأي طرف دولي والدفع بقوة لوقف الحرب العراقية- الإيرانية التي نسيتها القوى الدولية الطامعة لأنها تحقق لها بعض المصالح..
- ولابد من التركيز على المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والسياسية بما فيه مصلحة التنمية الشاملة لشعوب المنطقة.
- كما لابد من إرساء قواعد المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار وإطلاق الحريات العامة وخاصة حرية التعبير عن الرأي والتجمع والحركة للجميع.
- وأخيرا لابد من العزيمة الصادقة لتطبيق الإسلام في السياسة والاقتصاد والاجتماع وفي كل شؤون الحياة.
وهذه نصيحة نسوقها خالصة للحكام والشعوب آملين أن ينعم الله علينا بالأمن، والاستقرار، والعزة، والكرامة.. وما لم ندرك ذلك فقد تكون العاقبة وخيمة.