; المجتمع التربوي (1326) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1326)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1326

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 17-نوفمبر-1998

وقفة تربوية 

قطرة الخير

عندما قرر الرسول صلي الله عليه وسلم هجرة أصحابه الأولى، بعدما اشتد البلاء عليهم في مكة، أمرهم بالتوجه إلى الحبشة، علمًا بأن النجاشي ملكها كان نصرانيًا، ولم يكن في أرضها أي رائحة للإسلام والمسلمين.

فهل كان قرار النبي صلي الله عليه وسلم من فراغ، أم أنه لم يكن مدروسًا، عندما أرسل أصحابه إلى أرض مجهولة ليعيشوا بين أناس يختلفون عنهم في كل شيء «اللغة والعادات والتقاليد والدين والأصول»، وحتى اللون.

وفي خضم هذه الاختلافات الكثيرة يكون التعرض للخطر أكثر من التعرض للأمان؟ حاشى للنبي صلي الله عليه وسلم  من كل نقيصة، ولكنه أوتي الكمال البشري مضافًا إليه الوحي، والرسول صلي الله عليه وسلم يعلم البشرية كلها من خلال هذه الحادثة أن يتعامل بعضهم مع بعض من خلال الأرضيات المشتركة، ولا يخلو اثنان من أرضية مشتركة بينهما «لو أنهما بحثا بإخلاص».

ومن خلال البحث عن الخير فيمن تختلف معه، وما أكثر الخير في الناس لو أننا تجردنا من أهوائنا، وبحثنا بجد عن هذا الخير، ولا يخلو إنسان من قطرة خير حتى وإن كان من أكثرهم شرًا.

لقد بحث النبي صلي الله عليه وسلم عن خصال الخير فيمن يختلف معه في العقيدة، واللغة، والعادات، والتقاليد، والبلد، والأصول، فوجدها في عدله، وكراهيته للظلم، فأرسل أصحابه لملك تلك البلاد، لأن غايته آنذاك لم تكن تبليغ الدعوة بل حماية من أسلم من الإبادة والبلاء.

الناجحون في هذه الحياة هم من يستطيعون التعامل مع الجميع من خلال الأرضيات المشتركة، ومن خلال الخيرية فيمن يختلفون معهم، ولهذا السبب يضع علماء الإدارة صفة كسب الناس، واتساع دائرة المعرفة بالآخرين من أبرز صفات الناجحين في الحياة.

 أما أولئك الذين لا يرون إلا السواد والظلمة فيمن يخالفونهم فهم قطعًا من الفاشلين.

 أبو خلاد

الإسراء: باب الفتوحات والتمكين للدين

بقلم: أحمد بن عبد الرحمن التميمي 

في ليلة مباركة أسري برسولنا صلي الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رفيقه جبرائيل، وراحلته البراق، حيث صلى بالأنبياء إمامًا، ثم كان معراج بعد إسراء.

فكان- صلاة ربي وسلامه عليه- أول الداخلين من أمته القدس، ثم كان أول من بدأ حملة فتح القدس بدك حصون الكفر التي تعزل عاصمة الإسلام الوليدة عن القدس، فكانت غزوتا: خيبر وتبوك، وسريتا: مؤتة، ودومة الجندل، ثم سار الصديق- رضي الله عنه- للتمهيد لفتح القدس بإنفاذ جيش أسامة- رضي الله تعالى عنه- حتى بدأت خلافة الفاروق عمر وفيه راحت كتائب الفاتحين تضرب في مشارق الأرض ومغاربها لرفع كلمة «لا إله إلا الله» وتحطيم تلك الحواجز المادية التي كانت تحول بين الناس والإسلام، ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: 29) ويدفع الجزية عن يد وهو صاغر، ليكون الحكم فوق أرض الله لله ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ (الأنعام: 163).

 تحرکت جيوش الفاروق عمر إلى أرض الشام تضرب هنا وهناك حتى لم يبق إلا القدس، فتمنعت وأبت أن تسلم قيادها ومفاتحها إلا للفاروق.

دخل الفاروق القدس فيا ترى كيف كانت مراكبه، وما ملابسه؟ ومن حشمه؟ وكم عدد حرسه؟ مراكبه جمل أورق يركبه حينًا ويركبه خادمه حينًا آخر... ملابسه ثوب مرقع... حشمه خادمه وقادة جيشه، وحرسه إيمانه بربه وتوكله عليه.

استقبله قادة الجيوش فقال له عمرو بن العاص السهمي: يا أمير المؤمنين إنك تقدم على قوم أهل كتاب فلو أصلحت من ملابسك، ومركبك يا أمير المؤمنين؟ فدفع الفاروق يده في صدر عمرو وقال كلمة أنصت لها  التاريخ: «يا عمرو نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العز بغيره أذلنا الله». 

صدقت- أبا حفص- نحن قوم أعزنا الله بالإسلام.. حيث حاربنا باسم الإسلام، فانتصرنا في القادسية، واليرموك، وحطين، وعين جالوت، وتركنا الإسلام وحاربنا في يونيو، وبعده وقبله، باسم الوطنية والقومية، والتراب والطين فهزمنا، وبالت على رتب العسكريين الثعالب.

 إننا على يقين بأن فلسطين لن تُحرر بحجر تقذف به کف طرية يافعة، ولن تحرر بطائرة ورقية تخترق دفاعات يهود، وتحط على أرض فلسطين المباركة، ولكننا نفرح ونسعد ونحن نرى التحول في طريق الجهاد إلى الإسلام ونفرح ويورق الأمن إذ نسمع الآن عن كتائب القسام والجهاد الإسلامي، وعمليات البراق، وبدر، بدلًا مما كنا نسمعه قبل سنين إذ العمليات تنفذ باسم الجنرال جياب، والجنرال هوش منه، والجيش الأحمر الياباني!

 إننا في الخطوة الأولى من الطريق الطويل الذي يفصل الأمة عن الجهاد، نعم الأمة هي المجاهدة الصابرة.. الأمة التي إذا سمعت حي على الجهاد يا خيل الله اركبي... نهضت بجميع فئاتها الكهل والرجل والشاب، والطفل والعابد، والزاهد، والجاهل والمقصر والمذنب.

الكل إذا دعا داعي الجهاد، رخصت الأرواح، وبيعت الدنيا، واشتريت الجنة.

الكل نهض يطلب الموت، عندها سوف توهب لنا الحياة، ولنا في قصة أبي محجن الثقفي في القادسية عبرة.

الله أكبر، لقد اقترب النصر، وآن لهذا الظلام أن ينجلي وما بعد الليل إلا الفجر فالدعاء الدعاء: أن نكون في زمرة المجاهدين، وأن نعمل من أجل هذا الدين....

 ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 10)

تعال نؤمن ساعة

حوار مع قطرة ماء

بينما أنا أجول في جنبات البيت، إذ بقطرة ماء تتهادى من فم السقاء، وعلى محياها الحزن.

 استرعت انتباهي فوقفت أتأملها وأحدق في ملامحها، فقالت والمرارة تملأ فمها، والحزن يملك عليها أقطار وجدانها: ألا تعرفينني؟ أنا النعمة المسداة، والرحمة المهداة، للبشر هداة وعصاة، مؤمنين وكفار، متقين وفجار، مني جعل الله كل شيء حي، وبي تجري الأنهار، وتورق الأشجار، وتتفتح الأزهار.

  •  ولكن مالي أراك حزينة بائسة؟

  • من كفر البشر بي إذ نسوا أنني أدوم لهم، وأعيش معهم إذا شكروا، وأرحل عنهم إذا كفروا أما تلوتي قوله تعالى.. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 7)؟!

  • وماذا يضيرك إذا لم يقم البشر بحق شكر وجودك بينهم؟

  • سأرحل آسفة، لأن وجودي مقترن بشكره سبحانه، وأنا أمة مأمورة، إذا أمرت تنزلت، وإذا احتبست امتنعت أما قرأت  التاريخ، وتتبعت السنن؟ 

  • بلى قرأت وأعلم أن سنن الله ماضية لا تتغير ولا تتبدل ولكن... أريد المزيد منك، فكلامك عذب فرات كطعمك.

  • لست دائمًا جزاء بل جعلني الله أيضًا عقابًا. 

  • كيف ذلك؟

  • أما تذكرين قوم نوح لما كذبوا رسولهم نوحًا- عليه السلام؟ أمرني الله أن أملأ الأرض، فنزلت من السماء، وتدفقت من الأرض، وأغرقت الأخضر واليابس، وأخذت الكافرين أخذًا وبيلًا، كنت عقابًا وعذابًا، كنت نقمة عليهم، برغم أنني دائمًا نعمة، أما تذكرين يوم حبسني الله عن قوم عاد سنتين كاملتين، حتى جفت المزارع، ونضبت الآبار والغدران ويبست الأودية؟!

  •  نعم، أذكر ذلك.

  •  واليوم يأمرني الله فأفيض وأعلو وأنهمر وأصير فيضانًا يأخذ باليمين والشمال فلا يُبقي بشرًا ولا حجرًا ولا شجرًا إلا جرفه أمامه حتى تصير الأرض قاعًا صفصفًا، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، كما حدث مؤخرًا في بنجلاديش.

  • ما أجمل حديثك أيتها الحبيبة! هل لي أن أطمع بالمزيد؟

  • طأطأت قطرة الماء رأسها خجلًا وصمتت طويلًا، ثم قالت بعد تنهد عميق: ليت البشر يحرصون علي كما أحرص عليهم، أحسن إليهم ويسيئون إلى أصلهم ويقطعونني أودهم ويجفونني، انظري إلي وأنا أنساب من صنابير المياه بلا جدوى، وأهراق على الأرض بلا فائدة فإذا أراد أحدهم أن يتوضأ- ويكفيه القليل- فتح الصنبور عن آخره، فجعل الماء ينصب سدى، ويضيع هدرًا.

  • كم تعانين مع البشر أيتها اللؤلؤة!

  • نعم... معاناتي معهم لا تنتهي برغم أني لهم الحياة، ولا حياة لهم بدوني، فبذلك قضى الله ولا راد لقضائه.

  •  إني حقًا خجلة من أفعال البشر وسوء تصرفهم معك، فهل من رسالة أبلغها إياهم؟ 

  • حسنًا.. بلغيهم عني ومني رسالة مختصرة، عليهم أن يعوها ويدركوها. أخبريهم أنني عصب الحياة، ولا حياة لهم بدوني، فإذا أرادوا وأحبوا مكثي بينهم وعيشي معهم فليتقوا الله فيما يأخذون ويذرون، فيما يقولون ويفعلون، وإياهم والمعاصي والذنوب، فكم أهلكت من أمم وشعوب، وكم أبدت من حضارات قد سادت أما إذا مضوا على ما هم عليه فسأذهب بلا رجعة وعندها سيحل الموت محل الحياة، وتمضي البشرية إلى زوال.

  •  جزاك الله خيرًا على حديثك الممتع، وسأبلغ الرسالة بحذافيرها، واصبري وصابري واحتسبي معاناتك معهم في سبيل الله.

  • سأصبر، والله الموفق والمثبت وتذكري أخيتي دائمًا قول الله تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: 30) 

فاطمة محمد الشربيني

رسالة إلى أخي في الله

أقدر فيك خفاءك.. ووفاءك

الداعية الحق لا يضن على دعوته بجهده وماله، ووقته، بل يسهر الليل يدرس أحوال دعوته، وفي الفجر تراه في مسجده، ثم في الصباح يبكر إلى عمله، أما في النهار فتجده في المقدمة دائمًا: داعيًا، وناصحًا، ينتقل من هنا إلى هناك في بشاشة، وألفة: محبًا ومحبوبًا.

وهكذا الدعاة المخلصون في مجال الدعوة المباركة، يتنافسون ابتغاء رضوان الله ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26)، هدفهم إقامة شرع الله ونشر دعوته في أرجاء الدنيا، ليسطع نور الحق ويبدد ظلام المادية البغيضة.

 ذلك أن الدعوات تعرف برجالها، والداعية نموذج لدعوته، سلاحه لنجاحه: الفهم، والإخلاص، والتجرد، والمراقبة، نفسه تهفو دومًا إلى الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

إن ميدان التشدق بالكلام خلاف ساحة العمل، وإن التطبيق العملي للمبادئ أهم ما يميز السلوك الإسلامي القويم، وكم من أناس دخلوا الإسلام بسبب مواقف بسيطة من مسلمين صادقين في تعاملهم مع الله فكانت النتيجة: حب الناس، وفلاح الأعمال.

عاصرت داعية من هذه النوعية- شفاه الله- له في كل ميدان باع دعوي: في عمله، في علاقاته، في مواقفه، له في ذلك كله سمت مشرف، فقلبه مفتوح، وبيته كذلك، مما جعله كالمغناطيس، لا تبحث عنه أو تذهب إليه في أي وقت إلا تجد حوله الشباب يستعذبون حديثه، ويقدرون آراءه ويتأثرون بتعاليمه.

بهذا الخلق الرفيع حبب الله على يديه كثيرين من الشباب في الدعوة ممن صاروا يحملون عبئها الآن مجاورين له في الصف إخوة متراصين، أصحاب همة، وجلد، وصبر على لأواء الطريق...

أخي- أيها الأستاذ- لقد تعلمنا منك الكثير وأقدر فيك خفاك، وتجردك، ووفاءك، وتجافيك عن الثناء والظهور.. أسأل الله- جل وعلا- أن يثيبك ويحفظك، ويعينك على مرضك ويكتب لك الشفاء والعافية حتى تعود إلى سابق عهدك: شعلة نشاط وحركة.. ونجمًا من نجوم الدعوة..

حسام قاسم

أثر أشراط الساعة في سلوك المسلم المعاصر «2 من 2»

بقلم: عبد القادر أحمد عبد القادر

على المسلم في حال الفتن بين إخوانه: الفرار أو كسر السلاح أو لزوم شأنه 

وفي حال الإكراه: الهروب من الميدان أو إمالة السلاح أو « فليكن المقتول»

 ضرورة الحذر من فتن أدعياء النبوة والقائلين بالحلولية والفرق الضالة والأفكار الإلحادية وتكفير المسلمين

الحرب الدائرة الآن في بعض البلاد الإسلامية، وألسنة اللهب ووميض النار بلدان أخرى، تجعلنا نعيش العلامة الحزينة التالية، وهي:

كثرة الفتن والقتل: من مظاهر القرن الرابع عشر الهجري، العشرين الميلادي، كثرة الحروب والفتن التي أدت إليها، وقد تنبأ النبي صلي الله عليه وسلم بالفتن والحروب، فاشتعلت بعد وفاته بقليل في الجمل وصفين والحرة، وقتل عثمان، وقتل الحسين- رضي الله عنهما-، وتحرك جيش باتجاه الكعبة، وضربها وتحرك جيش باتجاه المدينة وضربها.. ولا تزال الفتن والحروب تلف المسلمين وتدور بدورهم وديارهم إلى اليوم والغد، تلك الفتن والحروب التي نضعها ضمن أشراط الساعة يجب أن يكون للمسلم المعاصر إزاءها فهم وسلوك لينقذ نفسه أولًا، ثم لينقذ من استرعاه الله إن استطاع ثانيًا. 

بعض أخبار الفتن: 

١- قال صلى الله عليه وسلم: «إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن القاعد فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي إليها، فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل، فليلحق بإبله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم يكن له إبل، ولا غنم، ولا أرض. قال: «فليعمد إلى سيفه، فيدق على حده بحجر، ثم لينج، إن استطاع النجاء»، فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني، قال: «يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار». (1)

٢ - وعن اختلاط الأمور والتشويش الإعلامي وعدم تمييز الأمور، قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا تذهب الدنيا، حتى يأتي على الناس يوم، لا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول بما قتل»، قال أبو هريرة -راوي الحديث- يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت: فكيف ذلك؟ قال: «الهرج القاتل والمقتول في النار».

3 - وعن مسألة «القاتل والمقتول في النار» سال أبو بكرة النبي صلي الله عليه وسلم: هذا القاتل، فما بال المقتول قال: «إنه أراد قتل صاحبه». (2)

4- ما مبررات القتال بين الناس؟ يجيب النبي صلي الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، ودعواهما واحدة». (3) 

5- وعن كثرة الفتن والقتل، يخبرنا النبي صلي الله عليه وسلم هذا الخبر: «وإني سألت ربي لأمتي، ألا يهلكها بسنة عامة، حتى قال: «حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا» (4).

أكتفي بهذا القدر من الأحاديث، لأسأل هذا السؤال: ما موقفي من الفتن والقتال، الذي يشتعل بين فترة وأخرى بين المسلمين؟ وقبل الإجابة عن السؤال أنبه إلى أن الإسلام يربي أبناءه على الإيجابية في جميع المواقف، وسوف أوضح ذلك، من خلال عرض هذه الأمور المبنية على الفهم الصحيح الإيجابي:

 ۱ - عقد الإمام مسلم وغيره، أبوابًا بعنوان «الفرار من الفتن» فالفرار، ابتعاد عن أسباب الفتن وتفاعلاتها وأجوائها، الابتعاد الحسي بالجسم وبالجوارح، والابتعاد المعنوي بالفكر وبالعاطفة، الابتعاد عن ساحة الفتنة وعدم المشاركة ولو بإشارة شفة أو بغمزة عين أو بإيماءة رأس!

 ۲ - يكون التفاضل بين مسلم وآخر بمقدار الفرار والابتعاد عن الفتنة، فالقاعد خير من الماشي والماشي خير من الساعي والساكت خير من المتكلم، والملازم بيته خير من المتواجد في الشارع، وهكذا. 

3- والفرار - وهو اتخاذ قرار الحركة في الاتجاه الآخر من الفتنة- إنما يكون لنفر لم يقدروا على الإصلاح، أما القادرون على الإصلاح فلهم دور، رسمه القرآن الكريم للأقوياء في مثل هذا الموضع ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: 9).

 ٤ - والفرار تصرف إيجابي، من ناحية كونه تفتيت لتجمعات الفتنة والقتال أو التجمعات القابلة لذلك هذا التفتيت، يؤدي بالتدرج إلى إنهاء الفتنة، وكف القتال.

5- أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بكسر السلاح في الفتنة، قال: «فليعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر» هذا التصرف يفيد في تعطيل القتال والإقلال من أعداد القتلى والمصابين، وهذا تصرف إيجابي في زمن ومجتمع الفتنة والقتال، يعبر عنه الآن التصرف الدولي المسمى بمنع تصدير السلاح إلى أطراف النزاع.

 إن تكسير الأسلحة أو حظر بيعها للمتقاتلين سواء كان عملًا فرديًا أو عملًا تقوم به الدول أو الحكومات أو إجراءات نزع السلاح من أيدي الحمقى والسفهاء، إنما ينسجم مع وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالدق على حد السيف.

٦ - لا يجب أن يستسلم المسلم ابتداء للفتن عند ظهورها بل يجب عليه أن يقوم بأي عمل، يكسر من حدة الفتنة حسب جهده، وفق توجيه النبي صلى الله عليه وسلم «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (5).

7 - اللحاق بالإبل والغنم والأرض، في حديث الرسول، معناه أن يلزم المسلم أمور معيشته، ومثل ذلك أن يلزم وظيفته أو تجارته، أو صناعته، حتى يكون في معزل عن جمهور الفتنة وعناصر الاقتتال، وقد دلت الأحداث والمشاهدات على أن مثيري الفتن يستغلون العاطلين.

8- إن على الحكومات واجبًا شرعيًا ملحًا أن تعالج مشكلات البطالة، وأن تتجنب الإجراءات التي من شأنها تحريك العاطلين في ردود أفعال تخرب العمران وتهدم البنيان، ولتحذر مطالب الجهات الدولية، التي تسعى دائمًا للعصف بطبقات الفقراء تحت زعم المعالجات الاقتصادية، إن البنك الدولي- مثلًا - يعد أكبر مثير للفتن في عصرنا. 

9- إن مقاومة الظلم، ومدافعة الظالمين وعمليات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- طالما تتم بفقه الموازنات، وتحت قيادات صالحة ذات فقه صحيح، ووفق خطط مدروسة- فهذا يختلف عن وصف النبي صلى الله عليه وسلم للفتن، بقوله: «لا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل» إن عملية مقاومة الظلم والظالمين، إنما هي الطرف الإيجابي في صراع الحق والباطل.

١٠ - وما دام المقتول في النار- أيضًا- لأنه أراد قتل أخيه المسلم، فليخرج المسلم من قلبه نية قتل أي مسلم، فإن لقيه مشهرًا سيفه في الفتنة، فليهرب من أمامه، أو ليتغلب عليه، بإمالة السلاح، حتى لا يصيبه، وعلى أقصى تقدير يضرب حامل السلاح ضربًا مجهدًا، غير قاتل، وليأخذ سلاحه، ثم یکسره، وعلى الجهات الأمنية، أن تدرب أفرادها على ممارسة مهامهم على ضوء هذا الفهم الفقهي.

 ۱۱ - وفي حالة إكراه المسلم على أن يشارك في الفتنة، كأن يكون ضمن جيش الباغي الظالم، أو يكون تحت إمرة جبار جاهل يجدر بالمسلم أن يتصرف وفق هذه الطرق:

أ - أن يهرب من ميدان القتال، إذا استطاع أو يكمن في موقعه، فلا يتحرك، كأن يتمارض أو يتعلل بعلل، تبقيه بعيدًا على ميدان إراقة الدماء.

 ب - ألا يضرب في الصميم «في المليان»، فيميل سلاحه يمينًا أو شمالًا، أو إلى أعلى.

ج - إن لم يتمكن من إحدى الطريقتين السابقتين، فليكن المقتول، ولا يكن القاتل حتى لا يكون من أصحاب النار، فإن المقتول سيخسر دنياه، ولكنه سيكسب أخراه، ويكون شهيدًا، كما قال ابن آدم الصالح، لأخيه الفاسد ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: 29).

۱۲ - للقتال بين المسلمين في عصرنا صور، وله أسباب هزيلة تافهة لا تستدعي إراقة الدم المسلم، وليتذكر المسلم هذه الأحداث التي أدت إلى الاقتتال فيما سبق، أو توشك أن تؤدي إليه مستقبلًا.

 ۱۳ - ومن الفتن التي يجب أن يتذكرها المسلم ليحذر منها:

- ادعاء النبوة منذ أواخر حياته والذي استمر إلى عصرنا، والأخطر من مدعي النبوة القائلون بالحلولية أن الله- جل وعلا- يحل في الأشخاص.

- مذاهب الشيعة المغالين، كالنصيرية والإسماعيلية.

- ادعاء المهدية في البلدان المختلفة.

- ظهور الفرق الضالة، كالبهائية والقاديانية في إيران وفي شبه القارة الهندية، وكالدروز والأحباش في الشام، وبعض الطرق المنحرفة عن عقيدة أهل السنة وفقه الجماعة.

 - ظهور الأفكار الإلحادية كالعلمانية القائلة بفصل الدين عن الدولة، وكالماركسية المنكرة للدين، وكل ما تفرع عن هاتين الفكرتين، وكذلك نوادي الماسونية والروتاري والليونز والأفكار الطائشة المنحرفة كفكرة الفن للفن والأدب للأدب والحداثة..

- أفكار تكفير المسلمين منذ زمن الإمام علي- رضي الله عنه- والتي سمي أصحابها الخوارج وفتنة التكفير المعاصرة، التي نشأت في سجون عبد الناصر، ومثيلاتها التي نشأت في بعض البلدان، سواء ما تحول منها إلى القتال أو ما بقي سليمًا، فكلها فتن تنبأ بها النبي صلي الله عليه وسلم وكلها من علامات اقتراب الساعة.

١٤- وخلاصة ما يجب على المسلم تجاه علامة الفتن والاقتتال أن يوطن نفسه على ألا يكون فاتنًا ولا مفتونًا، ولا قاتلًا.

الهوامش

«1،2،3،4»  رواه مسلم.

«5» رواه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة، وأحمد، واللفظ لمسلم وأحمد...

جبل افتقدناه

.. ومضى «أبو معاذ» مع ركب الخير

عجبًا لأمر هذا الدين: تدور عجلته، وتتجدد أجياله، ويرفع راياته في كل زمان عدو له، ممن اصطفاهم الله سبحانه وتعالى لتبليغ دعوته. 

ها هو واحد من الركب الكريم.. يمضي لينتقل إلى رفقة ركب الدعاة ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69) بعد أن أمضى خمسين سنة ونيفًا من العمر في هذه الدعوة. 

سكت أبو معاذ عبد الستار القدسي، الذي قضى شبابه في رحاب بغداد مع ركب الخير، واستكمل بناءه العلمي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، طالبًا للحديث النبوي الشريف، واحتضنه الأزهر ليكون أستاذًا ينال الشهادة العالمية «الدكتوراه» في الحديث الشريف، لينطلق مبلغًا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في كلية الإمام الأعظم والشريعة ببغداد، ثم حط الرحال في الطائف بعد رحلة شاقة.. ذلك كله في صمت دؤوب لم ينس دعوته في كل مكان حلّ فيه منشغلًا بتأليف الرجال.

وللفقيد- يرحمه الله- في كل بقعة من بقاع العالم تلاميذ يحملون همه لدعوته التي لم ينسها في مرضه فضلًا عن صحته، بل كان يسعى إلى كل ما يسهم في خدمتها، وإثراء ركبها برجال- كان وما يزال- لهم دور في صناعة مستقبل الإسلام يحملون هم الدعوة التي سقاها بدم ظل ينزف في المستشفى صابرًا محتسبًا يعظ إخوانه بكلمات مختلطة بدمه الذي ينفثه مع كل كلمة يقولها غير مبال.

يملؤه الرضا بالقضاء، محبًا للقاء الله... وكانت آخر كلمات سمعتها منه: « أنا بخير وعافية، ثم بلغنا نبأ وفاته يوم الجمعة ١٠ رجب الخير ١٤١٩هـ ودفن في رحاب مكة المكرمة يوم 11 رجب الخير.

 أسكنه الله فسيح جناته.. و«إنا لله وإنا إليه راجعون»؟

ليث سعود

راحلة الطريق.. هذه الجادة فأين المسالك؟

أخي الداعية: لن يسعد بهذا الدين، ويشعر بلذته، ويستعذب تكاليفه، ويهتدي إلى الطريق المستقيم حق الاهتداء إلا من تفاعل معه، واستشعر حلاوة الأجر في عمله، وذاق طعم الإيمان في حبه لهداية الآخرين، قال تعالي: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: 15-16). افترض أن تكون من الهائمين على وجوههم التائهين في حياتهم، لا هم في العير ولا في النفير؟ اربأ بنفسك... وارفعها عن سفاسف الأمر، واطمح لمعاليها.

أخي الداعية: كن شمعة تضيء الطريق للآخرين، بل حولها إلى مصابيح تضيء الحياة في مجتمعنا الإسلامي، فينعموا بشريعة الرحمن، فيأمنوا ولا يخافوا ولا يحزنوا.. تجشم عناء الطريق، ولا تطلب من الله أن يخفف حملك ولكن اسأل الله أن يقوي ظهرك لتتحمل أعباء رسالة السماء الخالدة.

أخي الداعية: إذا لم تفعل شيئًا فلن يتحسن شيء، فلا تكن عالة وعقبة كؤودًا في طريق الدعوة، وخفف من الانتقاد، وحدة التوتر والانفعال، ولا تسأل ماذا قدمت لك الدعوة ولكن اسأل نفسك أنت ماذا قدمت للدعوة؟ احذر أن تمل الطريق، فليس من الصواب ترك القديم لمجرد أنه قديم، فمن الأشياء ما يعتبر القديم مزية له وفضلًا فيه، وهو بطبيعته لا يقبل التجديد كالقرآن والكعبة والمفاهيم الإيمانية كالإخلاص والتقوى والرجاء واستشعار الأجر.

أخي الداعية: الداعية على ثغر من ثغور الإسلام، فهو أمام مسؤولية كبرى، فلا ينبغي أن يؤتى من قبله، بل عليه أن يصمد في ثغره ذلك حتى يلقى الله وهو على حاله فينال بذلك ثواب المرابطين، وأجر المجاهدين الصابرين فما عند الله خير وأبقى فلا بد للداعية من أن يتواجد فيه الشعور الذاتي بالمسؤولية التي أنيطت به شعور روحاني يحركه العمل ولا ينتظر التكليف والأوامر لينهض بأعباء المسؤولية، لا يخلد إلى الراحة والنوم، فحري بالداعية أن يشعر بحلاوة العمل، ومشقة الطريق في سبيل الدين والعقيدة الإسلامية.

أخي الداعية: احذر أيها السهم النافذ والمدفع الناطق أن تنضم إلى صف الضعفاء وأصحاب النفوس المستريحة، بل عليك النظر إلى النخبة الخيرة من المجاهدين المضحين والتآسي بالمنفقين في سبيل الله بأموالهم وأوقاتهم وأنفسهم حتى تنال الأجر العظيم، والثواب الجزيل.

أخي الداعية: اسلك طريق السابقين من المهاجرين والأنصار والذين جعلوا من أنفسهم بساطًا يفترشه المدعوون، وسلكوا معهم طريق الحكمة والموعظة الحسنة، وعدم الاستعجال على الثمرة.

محمد يوسف الشطي

 

الرابط المختصر :