العنوان وقفة مع السيرة
الكاتب محمد بن سليمان العبده
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1975
مشاهدات 5
نشر في العدد 257
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 08-يوليو-1975
ما إن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في
مهاجره حتى بدأت عملية البناء.. بناء المسجد وبناء النفوس، وانتقل المسلمون من حال
الضعف والقلة في مكة إلى حال القوة والتمكين، والدليل على ذلك تلك السرايا التي
بدأ بإرسالها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبائل المجاورة أو التعرض لقريش
في تجارتها.. إن كثافة تلك السرايا لتنبؤنا عن هدفها؛ فهي ليست شيئًا طارئًا أو
ردة فعل ضد قبيلة أو ضد قريش، بل إنها ذات هدف واضح من الأساس.. يريد الرسول صلى
الله عليه وسلم من تلك السرايا أن يقول لقريش والقبائل الضاربة ما بين مكة
والمدينة أن المسلمين أصحاب قوة لا يستهان بها ويجب أن تحسبوا حسابها من الآن، ولا
تحاولوا التعرض لهذه القوة الناشئة.. إنه هجوم في محاولة الدفاع.
لقد بدأت هذه السرايا بعد سبعة أشهر من مقدمه
صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، واشترك بنفسه في غزوة الأبواء والعشيرة، وكان آخر
هذه السرايا سرية عبدالله بن جحش رضي الله عنه؛ فقد أرسله رسول الله صلى الله عليه
وسلم في مهمة خاصة ومعه ثمانية رجال من المهاجرين، وكتب له في ذلك كتابًا وأمره أن
لا ينظر فيه حتى يسير يومين، فلما فتحه بعد يومين وجد فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامضِ حتى تنزل بنخلة بين مكة والطائف فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من
أخبارهم»، فقال عبدالله: سمعًا وطاعة، وأخبر أصحابه بأنه لا يستكرههم فنهضوا معه وَنَفَذَ عبدالله ومن معه إلى نخلة، فمرت بهم عير لقريش تحمل تجارة فيها عمرو بن
الحضرمي، فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام؛ فإن
قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اتفقوا على
لقائهم فقتلوا عمرو بن الحضرمي وأسروا اثنين ومضوا بالعير، وهي أول غنيمة في
الإسلام وأول أسيرين وأول قتيل. وأنكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما
فعلوا، فسقط في أيدي القوم، ووجدت قريش مجالًا للكلام وقالوا: قد أحل محمد الشهر
الحرام. واشتد ذلك على المسلمين حتى أنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ
الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌۖ وَصَدٌّ عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ
مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ...﴾ (البقرة:
217).
وفي هذه السرية من الفقه العملي: كتمان ما يضر
إعلانه قبل وقته، وذلك حين أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بألا يفتحوا الكتاب
إلا بعد يومين، وفيها أن الله سبحانه وتعالى دافع عن هؤلاء المؤمنين عبد الله
وصحبه.
يقول لكفار مكة: إن كان القتال في الشهر
الحرام كبيرًا فإن ما فعلتموه أنتم من الكفر بالله وإخراج المؤمنين من مكة البلد
الحرام حتى تركوا أموالهم وديارهم ومحاولة فتنتهم عن دينهم وهم في البلد الحرام،
كل هذا أكبر من القتال في الشهر الحرام.
إن منطق كفار مكة منطق عجيب! فلماذا لم
يحترموا البلد الحرام إذا كانوا يحترمون الشهر الحرام؟ وإذا كانوا يحترمون الشهر
الحرام فلماذا لم يؤمنوا بمن أوجد لهم حرمًا آمنًا يأتيهم رزقهم رغدًا؟ وبسبب
الحج لهذا البلد الحرام كان الناس لا يتقاتلون في الأشهرِ الحرم؛ لأنها إما أيام
عمرة أو أيام حج.
إن هذا المنطق الأعوج عند كفار مكة يستعمله
المغفلون من المسلمين، كما يستعمله أصحاب الأهواء والمصالح الدنيوية على حد سواء..
فإذا لاحظوا على بعض الناس تقصيرًا في سنة من السنن أقاموا الدنيا وتطاولت ألسنتهم
وكان شغلهم الشاغل في مجالسهم مع مريديهم، مع أن ما هم عليه من التقصير في الدعوة
إلى الله في هذا العصر، ومن التقصير في التضحية بأموالهم وأنفسهم، إن هذا لأكبر من
ترك أحدهم سنة من السنن أو مندوبًا من المندوبات.. ونحن لا نستهين بالسنن، لا؛
ولكن نبدأ بالأهم فالأهم، وهذا المنطق يستعمله أعداء الإسلام أيضًا حين يهاجمون
المسلمين بكل مكر وخداع فيستغلون أي خطأ، بينما هم كل حياتهم أخطاء وكل حياتهم في
دوامة من المؤامرات والمناورات التي تدل على خسة الطباع.
إن دفاع الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين في
سرية عبدالله بن جحش لزادٌ للمؤمنين أمام مناورات الأعداء ومكرهم وغباء الأصدقاء
وتبلدهم.