العنوان وقفة مع المسرح الكويتي
الكاتب علي السعدون
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1990
مشاهدات 128
نشر في العدد 952
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 30-يناير-1990
المسرح أحد
الفنون الأدبية الرفيعة التي جاءتنا من الحضارة الغربية «الأوروبية»، فهو يهدف -أي
المسرح- إلى إبراز قضايا المجتمع وهمومه ومعاناته من خلال تجسيدها في عمل فني
راقٍ، سواء كان تراجيديًا أو كوميديًا أو مزيجًا بين الاثنين. لذا أُطلق على
المسرح «أبو الفنون».
والكويت كباقي
المجتمعات العربية دخلها المسرح وبدأ انطلاقته الحقيقية مع مطلع الستينيات مع مجيء
الفنان الراحل زكي طليمات الذي قام بتأسيس النواة الحقيقية للمسرح الكويتي،
لتتوالى العروض المسرحية التي تطرح وتناقش قضايا وهموم ذلك المجتمع البسيط -قبل
الطفرة المادية- بروح صادقة دون أي إسفاف أو ابتذال، لنجد الجمهور يرتاد المسرح من
طبقات فكرية مختلفة.
وهكذا استمرت
العروض المسرحية الجادة مع مطلع السبعينيات. يقول الفنان سعد الفرج في أحد لقاءاته
الصحفية: تعودت منذ بدايتي على تناول القضايا المصيرية التي تهم الناس مثل مسرحية
«عشت وشفت» و«الكويت سنة 2000» التي تناولت فيها الكويت ما بعد النفط، وفي بداية
الثمانينيات عملنا مسرحية «حرم سعادة الوزير» و«ممثل الشعب» وهي تتناول قضايا
الانتخابات ومجلس الأمة... إلخ.
أما مسرح
الثمانينيات فقد طغت عليه المادة خاصة في السنتين الماضيتين؛ حيث بدأنا نلاحظ
كثافة العروض المسرحية الهابطة المبتذلة التي لا يهمها المضمون بقدر ما تنظر إلى
شباك التذاكر ليتحول الفن الرفيع إلى تجارة رخيصة. يقول القائمون على مسرحية
«دكتور صنهات» التي قُدمت باللهجة البدوية: شباك التذاكر هو المقياس للنجاح ولا
شيء يهم بعد ذلك.
كذلك من أسباب
تدني العروض المسرحية ظهور طبقة من الكتاب الجدد الذين لم تكن لديهم القدرة في
معايشة المتغيرات التي طرأت على الساحتين المحلية والعربية وربطها في فترة
الستينيات للخروج برؤى جديدة، فالمسرح هو اندماج بين المشاهد والعمل الفني المقدم
له. بينما تحول لدينا إلى مجرد فرجة «ووناسة» تعتمد على التهريج، والتهريج المبتذل
أحيانًا. يقول الفنان غانم الصالح بطل مسرحية دكتور صنهات: العمل الجاد ليس له حظ
بين الجمهور.
هناك بعض الكتاب
الجادين تقدموا بأعمال فنية جادة فحولها المخرج إلى أعمال ارتجالية بهدف إضحاك
الناس وبحجة «الجمهور عايز كده» مثل مسرحية «فتاتك» التي شارك فيها الفنان وحيد
سيف. هذا الاتجاه ساهم في خروج مسرحيات هابطة المستوى سواء من حيث النص أو الأداء
مثل مسرحية «الكرة مدورة» و«لولاكي» و«شباب الديسكو» و«البمبرة» و«بكم أقول»
و«الأوانس»... إلخ.
إذن فالحركة
المسرحية في الكويت بدأت بتشجيع الجمهور الكويتي على قبول الأعمال التهريجية
الهابطة، وأصبحت معظم المسرحيات وسائل مبطنة لحفلات ديسكو أو فرق راقصة أو فرق
غنائية. وصار كثير من المفسدين يستغلون هذا الغطاء لتحقيق مفاسدهم وأغراضهم. وبدأت
هذه الفرق تحصد الآلاف من الدنانير نتيجة لجريمتها في إفساد الذوق العام والهبوط
بالأدب الرفيع إلى المستوى السوقي واستغلالها لغرائز المراهقين من الشباب.
إن الحركة
المسرحية تحتاج إلى وقفة مهمة من الدولة:
أولًا: وزارة
الإعلام: فوزارة الإعلام بيدها زمام الأمر في هذا الشأن. فرقابة المصنفات الفنية
هي المسؤولة عن إجازة النصوص. ولو كانت الرقابة على المستوى الأدبي والفكري
والديني المطلوب لوقفت بالمرصاد ضد هذه الأعمال الهابطة، ولمنعت إجازتها. فليس كل
حوار مكتوب يُعتبر مسرحًا ويحق له الخروج إلى الواقع. كما أن وزارة الإعلام تستطيع
أن تقصر مساعداتها على الأعمال الراقية الجيدة وتحجبها عن أعمال المسرح «الهلس».
ثانيًا: المجلس
الأعلى للثقافة والفنون والآداب: فلا ندري أين دور هذا المجلس في إنقاذ المسرح
الكويتي من هذا الهبوط والتهريج؟ ولا ندري كيف يغيب دوره والمطلوب منه أن يرعى
النهضة الثقافية في البلاد. إن المطلوب من هذا المجلس وضع معايير للكتاب
المسرحيين، وتصنيف الكتاب الحاليين بناءً على معرفتهم ودرايتهم بهذا النوع من
الثقافة، وبناءً على جودة إنتاجهم.
ثالثًا: الصحافة
والنقاد: إن الصحافة لم تقم بدورها المطلوب تجاه هذه المؤامرة التي تستهدف الذوق
العام الكويتي؛ وذلك لخلوها من النقاد المحترفين. بل إن كثيرًا من الصحفيين
العاملين في الصفحات الفنية يجاملون تلك الأعمال الهابطة لاعتبارات كثيرة ليس هنا
مجال ذكرها. ولو أن الصحافة وقفت لهذه الأعمال بالمرصاد لوجهت الرأي العام وقضت
على هذه الظاهرة الإسفافية الخطرة.
إذن فالحركة
المسرحية في الكويت بحاجة إلى وقفة مراجعة لحماية هذا المجتمع وقيمه وأخلاقه من
تلك الأعمال الهابطة المبتذلة التي سوف تنخر في أساسه إذا تركت دون تقييد، فوزارة
الإعلام بصفتها الجهة الرسمية المشرفة على العروض المسرحية، مطالبة بتشجيع النصوص
الجيدة من خلال لجان تقييم لهذه الأعمال حتى تكون لدينا حركة مسرحية مشرفة بدلًا
من هذا الإسفاف الفاضح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل