العنوان ولكم في القصاص حياة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 09-يوليو-2011
مشاهدات 56
نشر في العدد 1960
نشر في الصفحة 39
السبت 09-يوليو-2011
dar_elbhoth@hotmail.com
كتب الإسلام على البشرية القصاص في القتلى فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾(سورة البقرة: أيه رقم178)، وقد ثبت بهذه الآية شرع القصاص في قتل العمد، وحكمة ذلك ردع أهل العدوان عند الإقدام على قتل الأنفس إذا علموا أن جزاءهم القتل، فإن الحياة أعز شيء على الإنسان في الجبلة، فلا تعادلها إلا عقوبة القتل في الردع والانزجار، ومن حكمة ذلك تطمين أولياء القتلى بأن القضاء ينتقم لهم ممن اعتدى على قتيلهم قال تعالى: ﴿ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾(سورة الاسراء: أيه رقم33)، أي: لئلا يتصدى أولياء القتيل للانتقام من قاتل مولاهم بأنفسهم؛ لأن ذلك يفضي إلى صورة الحرب بين رهطين، فيكثر فيه إتلاف الأنفس، قال تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾(سورة المائدة: أيه رقم45)
والقصاص هو معاقبة الجاني، الذي يتعدى على غيره بالقتل، أو بقطع عضو من أعضائه أو بجرحه، بمثل ما فعل. فإن قتل قتل، وإن جرح جرح، وإن قطع عضوا من أعضاء غيره، قطع منه العضو الذي يماثله. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾(سورة البقرة: أيه رقم178:179)
الحكمة من فرض القصاص
فرض الإسلام القصاص حتى لا تنتشر الفوضى والاضطرابات في المجتمع، وحتى يبطل ما كان عليه الجاهليون قبل الإسلام من حروب بين القبائل يموت فيها الأبرياء الذين لا ذنب لهم ولا جرم، فجاء الإسلام وبين أن كل إنسان مسؤول عما ارتكبه من جرائم، وأن عليه العقوبة وحده لا يتحملها عنه أحد. والقصاص كان معروفا في الأديان السابقة، فالله سبحانه وتعالى يقول متحدثًا عن التوراة: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾(سورة المائدة: أيه رقم45)
القصاص نوعان: قصاص في النفس، وقصاص فيما دون النفس.
القصاص في النفس ويقصد به إعدام القاتل الذي قتل غيره متعمدًا دون وجه حق.
أنواع القتل
فرق الإسلام بين أنواع ثلاثة من القتل حتى لا يكون هناك أدنى ظلم على القاتل أو على المقتول هذه الأنواع الثلاثة منها القتل العمد وهو ما نتحدث عنه
القتل العمد: وهو أن يقتل الإنسان غيره بآلة قاتلة، ويكون المقتول معصوم الدم، كأن يطعنه بسكين أو يطلق عليه الرصاص، أو ما شابه ذلك.
قصاص القتل العمد وقصاص القتل المتعمد أن يقتل جزاء لما فعل، والقاتل ملعون وعليه غضب الله، وله عذاب عظيم في الآخرة، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾(سورة النساء: أيه رقم93) وأما الدليل على القصاص في القرآن فهو قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾(سورة البقرة: أيه رقم178)﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾(سورة البقرة: أيه رقم179)
والقصاص ليس الانتقام، وليس إرواء الأحقاد إنما هو أجل من ذلك وأعلى، إنه للحياة، وفي سبيل الحياة، بل هو في ذاته حياة.. ثم إنه للتعقل والتدبر في حكمة الفريضة، ولاستحياء القلوب واستجاشتها لتقوى الله.
والحياة التي في القصاص تنبثق من كف الجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء، فالذي يوقن أنه يدفع حياته ثمنا لحياة من يقتل.. جدير به أن يتروى ويفكر ويتردد، كما تنبثق من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل، شفائها من الحقد والرغبة في الثأر ، الثأر الذي لم يكن يقف عند حد في القبائل العربية حتى لتدوم معاركه المتقطعة أربعين عاما كما في حرب البسوس المعروفة عندهم. وكما نرى نحن في واقع حياتنا اليوم، حيث تسيل الحياة على مذابح الأحقاد العائلية جيلا بعد جيل ولا تكف عن المسيل.
وفي القصاص حياة على معناها الأشمل الأعم فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها واعتداء على كل إنسان حي، يشترك مع القتيل في سمة الحياة، فإذا كف القصاص الجاني عن إزهاق حياة واحدة، فقد كفه عن الاعتداء على الحياة كلها، وكان في هذا الكف حياة حياة مطلقة، لا حياة فرد، ولا حياة أسرة، ولا حياة جماعة. بل حياة للبشر كل البشر.
ومعنى التشبيه في قوله: فكأنما قتل الناس جميعا حث جميع الأمة على تعقب قاتل النفس وأخذه أينما ثقف والامتناع من إيوانه أو الستر عليه، كل مخاطب على حسب مقدرته وبقدر بسطة يده في الأرض من ولاة الأمور إلى عامة الناس. فالمقصود من ذلك التشبيه تهويل القتل وليس المقصود أنه قد قتل الناس جميعا، وأن الداعي الذي يقدم بالقاتل على القتل يرجع إلى ترجيح إرضاء الداعي النفساني الناشئ عن الغضب، وحب الانتقام على دواعي احترام الحق وزجر النفس والنظر في عواقب الفعل من نظم العالم، فالذي كان من حيلته ترجيح ذلك الداعي الطفيف على جملة هذه المعاني الشريفة، فذلك ذو نفس يوشك أن تدعوه دوما إلى هضم الحقوق فكلما سنحت له الفرصة قتل، ولو دعته أن يقتل الناس جميعا لفعل، ولك أن تجعل المقصد من التشبيه توجيه حكم القصاص وحقيته، وأنه منظور فيه لحق المقتول بحيث لو تمكن لما رضي إلا بجزاء قاتله بمثل جرمه، فلا يتعجب أحد من حكم القصاص.
ومعنى ومن أحياها من استنقذها من الموت لظهور أن الإحياء بعد الموت ليس من مقدور الناس أي ومن اهتم باستنقاذها والذب عنها ؛ فكأنما أحيا الناس جميعا بذلك التوجيه الذي بيناه آنفا، أو من غلب وازع الشرع والحكمة على داعي الغضب والشهوة فانكف عن القتل عند الغضب.
ومن ثم ندرك سعة آفاق الإسلام، وبصره بحوافز النفس البشرية عند التشريع لها، ومعرفته بما فطرت عليه من النوازع، إن الغضب للدم فطرة وطبيعة، فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص، فالعدل الجازم هو الذي يكسر شرة النفوس، ويفثأ حنق الصدور، ويردع الجاني كذلك عن التمادي، ولكن الإسلام في الوقت ذاته يحبب في العفو، ويفتح له الطريق، ويرسم له الحدود، فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلى التسامي في حدود التطوع، لا فرضًا يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق، والله الموفق والمعين.