العنوان أدب وثقافة (العدد 959)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1990
مشاهدات 65
نشر في العدد 959
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 20-مارس-1990
ومضة
«تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» مثل
تضربه العرب للرجل له شهرة وسمعة طيبة فتتمنى لقاءه، وتعمل لذلك، حتى إذا لقيته
تغيرت الصورة التي رسمتها في ذهنك عنه، وتمنيت ثانية لو أن هذه الأمنية لم تتحقق،
لما تراه من سوء خلقه، وما تشهده من قلة بضاعته، وضعف تدبيره، وتخلف تصريفه
للأمور.
ربما يكون أديبًا، يكتب القصة، ويصوغ
الرواية، ويدبج المقالات، ولكنه لا يتقن أدب اللقاء، وفن التعامل مع الآخرين.
وربما كان شاعرًا، يسكب المشاعر
والخلجات في أبيات من الشعر العبقري، ولكنه لا يحسن مراعاة المشاعر، ولا يحترم
عواطف وإحساسات الناس.
وربما كان مديرًا دائم التجهم، شديد
العبوس، يتابع مرؤوسيه بغلظة وجفاء وجلافة بادية، كأنه سفاح رهيب أو إمبراطور
عجوز، ينهى ويأمر، ويأمر وينهى، لا يكل ولا يمل، بل يتابع المقطوعة الملكية إلى ما
لا نهاية، حتى تتقطع الاوتار، ولا يكف عن العزف المقزز، ومع ذلك فهو يصنف في قائمة
الفاشلين؛ لأنه لم يطور أسلوبه، ولم يستفد من الحضارة في أدائه، ولم يكتشف القدرات
والكفاءات الكامنة في شخصيات موظفيه، وبالتالي لم يستفد منها لدفع العمل إلى
الامام، حيث يضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
هذه النماذج الثلاثة عرفت كيف تقول،
إلا أنها لم تعرف كيف تعمل، رأت الوجود، لكنها لم تتلمس سبيل الممكن، حسبت الأمل
أغنية فراحت ترددها، لكنها ما أدركت أن تحقيق الأمل يريد جهدًا متواصلًا لا إنشاءً
أو حداء، وهكذا تاهت في غابة المستحيل، وغرقت في بحيرة اللا جدوى.
كأنها لم تع خطاب الحق تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:3).
قصة قصيرة
سرب الحمام والخفاش
بقلم: أبو حفص المالكي
يحكى أن سربًا من الحمام كان يعيش
آمنًا مطمئنًا في مكان جميل، وذات ليلة جاءهم خفاش مع سرب من البوم الشرس، ونصب
نفسه زعيمًا عليهم، لم يتمكن الحمام من رؤية الزعيم الجديد؛ لأنه جاءهم في الظلام،
ولكن خوفهم من البوم الشرس الذي يصحبه جعلهم يقبلون بالأمر الواقع، وبعد عدة ليال
طلب الخفاش من سرب الحمام أن يتبعه إلى الكهف القريب منهم؛ فقد ارتضاه الخفاش
سكنًا لهم بدلًا من المكان الذي يعيشون فيه، حذر الهدهد سرب الحمام من الانقياد
وراء رغبات الخفاش، ولكنهم لم يسمعوا نصحه، واتبعوا الخفاش حتى أدخلهم الكهف، أحس
الحمام بشيء من الراحة في بادئ الأمر، ولكن الخفاش أغلق باب الكهف بعد عدة أيام؛
فأصبح الحمام يعيش في ظلام دامس، ولم يجرؤ أحد منهم على الكلام؛ لأن الهدهد حذرهم،
ولكنهم لم يستمعوا لنصحه.
أخذت أحوال الحمام تسوء، فالهواء فسد،
والرؤية لم تعد ممكنة، وأصبحوا لا يستطيعون الطيران، ومع مرور الوقت أصبح صغارهم
لا يعرفون الطيران البتة، وأخذت أحوالهم تسوء يومًا بعد يوم، وهم صابرون على الذل.
أما الخفاش وأعوانه فقد كانوا يعيشون
في نعيم ولذة؛ لأنهم يعيشون أصلًا في الظلام، لذلك هم يرون جيدًا في الظلام،
فكانوا يقومون بسرقة طعام الحمام في الظلام، والحمام لا يشعر بذلك؛ لأنه لا يرى،
كما أنهم كانوا يفترسون بين الحين والحين بعض الحمام، والحمام لا يشعر بذلك، ولا
يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا الهرب؛ لأنه يعيش في الظلام، وكان الخفاش وأعوانه
يلقون بفضلاتهم على سرب الحمام، فيتأذى الحمام من ذلك، ولكنه لا يعرف مصدر هذا
الخبث والعفن؛ لأنه يعيش في الظلام، ولم يعد يرى.
واستمر الحال هكذا لفترة طويلة، ثم قرر
الحمام أن يقوموا بثورة طائرة؛ فيطيرون كلهم مرة واحدة، ويحاولوا إيجاد مخرج لهم
من هذا الكهف، وإن ماتوا فالموت أفضل من حياة الظلام هذه.
ما إن علم الخفاش وأعوانه بالثورة
الطائرة، حتى سارع للاجتماع بالحمام، وطمأنهم ووعدهم بإدخال النور إلى الكهف،
وإدخال هواء جديد معه، ضج الحمام بالتصفيق والهتاف، وبعد فترة تم تمديد شبكة
كهربائية ضعيفة داخل الكهف، وأضيئت الأنوار داخل الكهف، وفرح الحمام أشد الفرح،
وتغيرت الأحوال.
أصبح الحمام يطير بحرية، ولم يعودوا
يصطدمون بالعوائق كما هو الحال في السابق، وأخذ صغار الحمام يتعلمون الطيران، ولم
يعد الخفاش وأعوانه يستطيعون سرقة طعام الحمام؛ لأنهم لا يستطيعون ذلك والنور
موجود؛ فأصابهم الجوع، ولم يعودوا يستطيعون افتراس الحمام؛ لأن الحمام أصبح يدافع
عن نفسه ويهرب؛ فهو الآن يرى أعداءه.
ولم يعد الخفاش وأعوانه يستطيعون
الطيران والتحرك بحرية؛ لأنهم تعودوا على ذلك في الظلام، وهم لا يستطيعون ذلك في
النور، فالنور يعيقهم ويزعجهم، كما أن فضلاتهم الخبيثة لم يعودوا يلقونها على
الحمام؛ لأن الحمام أصبح يراهم، وهكذا تغير الحال تمامًا بعد إدخال النور.
وذات يوم سألت حمامة صغيرة أمها: ما
هذا المخلوق القبيح الذي يقف في أعلى الكهف؟ وما هذه المخلوقات القبيحة التي
بجواره؟ سارعت الحمامة الأم لإسكات صغيرتها وقالت: هذا هو الخفاش زعيمنا
وأعوانه... لقد أظهر النور قبح الخفاش وأعوانه أيضًا، بينما الظلام كان يخفي ذلك.
نظرت حمامة أخرى إلى أختها، وقالت: لقد
انقطعت الإفرازات الخبيثة عنا بعد إدخال النور، أجابتها أختها: لقد تبين أن الخفاش
وأعوانه كانوا يغرقوننا بها في الظلام، تبًّا لهم، وبعد فترة لم يعد الخفاش
وأعوانه يطيقون العيش في النور؛ لقد ساءت حالتهم جدًا، لا بد أن يعود الظلام، لا
بد أن يعود الظلام، كرر الخفاش هذه المقولة... ثم انطلق خطيبًا في الحمام، وقال:
يا معشر الحمام، لقد أدخلت النور لكم،
وتنعمتم به فترة طويلة، ولكن- يا للأسف- لقد استغل بعض الخونة النور لتنفيذ
أغراضهم الخيانية، وإنني من منطلق حرصي على الشعب، وعلى سلامة الشعب، ومن منطلق
الحفاظ على وطنية الشعب وتماسك الوطن، ومن منطلق حرصي على مقدرات الشعب والوطن،
وحفاظًا على ثروات الوطن، قررت قطع النور ليعم الظلام والسلام أرجاء الكهف مرة
أخرى...
وما إن سمع الحمام هذه الكلمات حتى
هبوا في ثورة طائرة، واندفعوا نحو باب الكهف وحطموه، وانطلقوا يطيرون بحرية في
السماء مرة أخرى، وعندما رآهم الهدهد بعد طول غياب قال لهم: إياكم أن تصدقوا بعد
اليوم أن الخفافيش يمكن أن تعيش في النور.
الطريق إلى المسجد الأقصى
شعر /
محمد علي حسني حمودة
دع الأوهام وامتشق الحساما ** فقد عفنا الخطابة والكلاما
سلكنا الشجب والتنديد دهرًا ** فلا وطنًا أعاد ولا سلاما
ونلهث خلف من يشدو بحل ** ونستجدي لنصرتنا اللئاما
ونزرع دربنا صابًا وشوكًا ** ونستسقي السحائب والغماما
ونطمع بعدها بقطاف كرم ** تحف به الأقاحي والخزامى
ونجتنب المحبة والتآخي ** ونختلق العداوة والخصاما
ونغدو كالوحوش إذا اقتتلنا ولا نرعى العهود ولا الذماما
ونفزع حينما نلقى عدوًّا ** يدق اللحم فينا والعظاما
***
ونجترح المعاصي كل يوم ** ونهوى المال والكسب
الحراما
ونسهر للمعازف والأغاني ** ويسهر خصمنا يبري السهاما
ويؤنس غيرنا طلب المعالي ** وتؤنسنا المدامة والندامي
ونسخو عند أقدام الغواني ** ونبخل حين يسألنا اليتامى
غرقنا في الضلالة واستكنا ** وأسلمنا لغاصبنا الزماما
وأطلقنا النفوس على هواها ** لنصبح من جهالتها حطاما
***
فأين مكارم الأخلاق غابت ** رسول الله كان لها إماما
وأين الدين نحمله سراجًا ** يبدد عن بصائرنا الظلاما
وأين الفارس المقدام فينا ** يقود الخيل والجيش اللهاما
يدك معاقل الاعداء دكًّا ** ويزرع فيهم الموت الزؤاما
يعيد المسجد الأقصى طليقًا ** ويحمي فيه من صلى وصاما
فنصر الله معقود بحق ** لمن رام الهداية واستقاما
تقويم اللسان
للشيخ يونس حمدان
من الألفاظ التي يتداولها بعض الكتاب
وتدور على بعض الالسنة قولهم: «إياك البراء» يريدون التحذير منه، وهذا لا يوافق
الصحيح الفصيح من كلام العرب، فالصحيح الفصيح الذي ورد في كلامهم شعرًا ونثرًا أن
تلحق الواو بإياك، فتقول: «إياك والبراء» وبهذا ورد الشعر الفصيح:
فإياك والأمر الذي إن توسْعَتْ ** موارده ضاقت عليك المصادر
قال أهل اللغة: العلة في إثبات الواو
على سبيل الوجوب في هذا الكلام أن لفظة «إياك» منصوبة بإضمار فعل تقديره اتق أو
باعد، وقد استغني عن اظهار هذا الفعل لما تضمن هذا الكلام من معنى التحذير، وهذا
الفعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نطق بعد المفعول باسم آخر وجب إدخال حرف العطف
عليه كما لو قلت «اتق المراء والجدل»، فإن الجدل غير المراء، والواو تقتضي
المغايرة، ولذلك جيء بها، قالوا: وان تكررت «إياك» وكان مرادا بها التحذير، فلك
حينئذ ألا تأتي بالواو بعد «إياك»، قال الشاعر:
فإياك إياك المراء فإنه ** إلى الشر دعَّاء وللشر جالب
ولها حال ثالثة، وهي أن يكون المتحذر
منه مصدرًا مؤولًا نحو قولهم «إياك أن تجالس أهل السوء»، قال اللغويون: الأجود في
مثل هذا أن تلحق الواو بإياك؛ لأن أن مع فعلها بمنزلة المصدر فأشبه قولك «إياك
ومجالسة أهل السوء»، ويجوز إلغاء الواو على أن تكون أن وما بعدها تعليلًا للتحذير،
فكأنك قلت «أحذرك لأجل مجالسة أهل السوء»، قال الشاعر:
فبح بالسرائر في أهلها ** وإياك في غيرهم أن تبوحا
وقد اختلفوا في إياك فمنهم من ذهب إلى
أنها اسم، ومنهم من ذهب إلى أنها حرف، والأظهر أنها حرف؛ لأن لفظة «إيا» لا تستقل
بنفسها، بل لا بد من اتصالها بضمير، وهي تتصل بضمائر الغيبة والتكلم والخطاب،
فتقول: إياي وإيانا وإياك وإياك وإياهن وإياهم وإياها وإياهما، وإذا كان مرادًا
بها التحذير؛ فإنها تكون بمعنى الأمر، فقولنا: «إياك والحسد» معناه احذر الحسد؛
وهي لا تضاف إلى الظاهر إلا نادرًا، ومن النادر قولهم: «إذا جاوز الرجل الستين
فإياه وإيا الشواب»، وقد قالوا إنها لا تضاف للظاهر مطلقًا إلا إذا تكررت جاز حذف
الواو، وكذلك إذا كان ما بعدها مصدرًا جاز لك إثبات الواو وتركها، ولكل تعليل على
ما أسلفنا، والصحيح أن نقول: «إياك وكثرة المزاح»، ولا تقل «إياك كثرة المزاح»،
والله اعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل