العنوان ميلوسوفيتش.. والبديل صفر
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1999
مشاهدات 59
نشر في العدد 1359
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 20-يوليو-1999
الزعامات الحالية البديلة لميلوسوفيتش لا تستوفي الشروط الغربية لتسلم السلطة
في يوم الخامس من يوليو الجاري كان الفريق القومي اليوغسلافي لكرة السلة يلعب إحدى مبارياته ضمن بطولة أوروبا لكرة السلة للمحترفين في فرنسا، وبينما المواطنون ينتظرون بداية الشوط الثاني، أذيع في إحدى القنوات التلفازية المحلية بيان يطالب المواطنين بالخروج في مظاهرة ضد حاكم الإقليم المتهم بالفساد وقال البيان: «لقد خدعنا ميلوسوفيتش.. فقد دخل الحرب وكسبنا الأحزان وخسرنا الأرض» كانت مفاجأة للمسؤولين الذين لم يمر عليهم هذا البيان ولم يصرحوا بنشره، وكانت النتيجة خروج أكثر من عشرين ألفًا إلى الشوارع من بين سكان البلدة البالغ عددهم ٦٠ ألفًا، وبالطبع صدر بيان حكومي يتهم الفاعل وهو «فني مونتاج» بأنه عدو تقليدي للأمة... وصدر ضده. حكم بالحبس لمدة شهر.
من الممكن أن تحدث هذه الواقعة في مناطق أخرى وقد حدثت في «نيش» و«نوفي ساد» ولكن أن تحدث في «ليسكوفاتش» فهذه هي المفاجأة فهذه البلدة عرف عنها أنها إحدى قلاع ميلوسوفيتش وأحد رهاناته على الدفاع عن كوسوفا، وكان الجنود والشباب يندفعون إلى ساحة القتال عبر طوابير طويلة لا يناقشون الأمر ولا يردون القرار.. كانت هذه البلدة تعطي صوتها لميلوسوفيتش على مدار سني حكمه، كما تعطي الحزب الاشتراكي الحاكم، فهل جاءت اللحظة التي تنقلب فيها ليسكوفاتش إلى مدينة الثورة على ميلوسوفيتش؟ الكثيرون يرون ذلك خصوصًا مع زيادة عدد المظاهرات التي خرجت في مدن كبرى تضررت بالضربات، وتوقفت عجلة الحياة فيها وستشهد تأثرًا كبيرًا مع دخول الشتاء المقبل.
المظاهرات تندد بميلوسوفيتش وسياسته وهزيمته وتطالبه بالاستقالة والخروج من الحياة السياسية اليوغسلافية، وكان السؤال التالي: إلى أين يخرج؟ وجاء الرد من الولايات المتحدة: لا مكان سوى -لاهاي- حيث محكمة العدل الدولية.
المعارضة الصربية..
هل هي قادرة على إزاحة ميلوسوفيتش؟
الخريطة السياسية الصربية تحمل عدة رموز... هم جميعًا من الصقور فيما يخص قضية كوسوفا وهي القضية المحورية لدى قطاعات عديدة من النخب المثقفة في المجتمع اليوغسلافي.. هذه النخب التي كانت تدفع الساسة إلى مزيد من التوسع والعمل من أجل قيام دولة صربية أحادية العرق، وهذه النخب هي التي دفعت ميلوسوفيتش إلى إلغاء الحكم الذاتي في كوسوفا.
1- من أقصى اليمين نجد الزعيم المتطرففيوسلاف سيسلي الذي رفض وأعضاء حزبه الراديكالي التوقيع على شروط الناتو وأعلن عن نيته لسحب أعضاء حزبه المشاركين في الائتلاف الحكومي اليوغسلافي، وهو يرى أن التخلي عن كوسوفا مصيبة كبيرة ويصف توقيع ميلوسوفيتش على الاتفاق مع الأطلنطي وموافقة البرلمان عليه بأنها الخيانة الكبرى وما زال يراهن على صربيا الكبرى، وبالتالي فلا يمكن للغرب أن يدعمه، فمن غير المعقول أن يعمل الغرب على إزاحة دكتاتور ليأتي بمتطرف قومي.
۲. أما فوك دراسكوفيتش زعيم حزب التجديد الصربي فلا يختلف من حيث المبدأ على مركزية قضية كوسوفا، ولكنه يرى أن الحل لا يمكن أن يكون في معزل عن الغرب وتحديدًا أمريكا ويرى أن مزيدًا من التنسيق يعني مزيدًا من المكاسب كما يرى أنه كان يمكن التخلي عن كوسوفا بظروف أفضل وضمن مكاسب لصربيا ويوغسلافيا، بدلًا من الهزيمة العسكرية، وهو متهم بأنه متعاون مع الغرب، وهو الوحيد الذي جرؤ على تحدي ميلوسوفيتش وأعلن انتقاده له بسبب استمرار ميلوسوفيتش في التصدي أو المعاندة وقال لن نستطيع هزيمة الناتو.
3- أما زوران ديندييتش زعيم الحزب الديمقراطي وزعيم ما يعرف بالتحالف من أجل التغيير الذي تدعمه أوروبا وأمريكا فقد اختفى مع بدء الضربات الجوية وظهر مع نهايتها ليحمل لافتات ويقود مظاهرات بعضها في داخل كوسوفا، ويعلن أن المظاهرات والإضرابات والعصيان المدني هي وسائل المعارضة لإزالة ميلوسوفيتش، ولكنه يتهم بالخيانة والهروب وحين زار كوسوفا واجهه الصرب في الإقليم واعتدوا عليه بألفاظ نابية.
ويبقى الكلام عن ميلوسوفيتش والحزب الاشتراكي الصربي وما يملكه من مقومات البقاء على رأس السلطة وأهمها الجيش والشرطة والإعلام، وهي أجهزة البقاء لدى أي دكتاتور في العالم، فرغم هزيمة الجيش وخروجه من كوسوفا إلا أن ميلوسوفيتش امتدح أداء الجيش وبالطبع هذا يعني المزيد من الثقة المتبادلة بين الطرفين وكذلك الحال بالنسبة للشرطة وللإعلام فقد قام ميلوسوفيتش بتصفية كل من يشتبه في عدم ولاءهم له.
أما الحديث عن الكنيسة الأرثوذكسية ومطالبتها لميلوسوفيتش بالتنحي فهو يصب في صالح ميلوسوفيتش وليس العكس ويضع مزيدًا من الشكوك حول دورها ويضطر الغرب لاتخاذ موقف تجاهها، فالغرب وإن كان يرفض بقاء ميلوسوفيتش في السلطة إلا أنه يرفض أي دور للكنيسة في الحياة العامة في صربيا أو خارجها وهو يتمنى زوال دورها أو تحجيمه لأنها تعد المحرك الحقيقي للصراع في البلقان.
هل ينجح الغرب في إزاحة ميلوسوفيتش؟؟
لا شك أن الحملات التي قامت بها الآلةالإعلامية الغربية في حالات مشابهة لم تؤت ثمارها، وليس صدام حسين الذي هزم منذ ثمانالتغيير،، وفيدل كاسترو الذي يقاوم الحصار منذ ثلاثين عامًا، والقذافي الذي عانى الوضعية نفسها ثم نجح في الخروج إلى الحياة مؤخرًا، ليست إلا نماذج تعطينا فكرة عن حجم الوقت المطلوب حتى تحدث الآلة الإعلامية الغربية أثرها في التغيير ولكن ربما يرى البعض أن الحالة تختلف بين دول خارج إطار أوروبا وأخرى في خاصرة أوروبا فالغرب يهمه إزاحة كل من تبقى من رموز الدكتاتورية والتعصب القومي والعرقي والديني في أوروبا سواء منها ما كان ملاصقًا لها ومؤثرًا فيها مثل صربيا وألبانيا ومقدونيا والبوسنة أو كان بعيدًا مثل أوكرانيا وروسيا البيضاء.
كما أن الخطاب الإعلامي والفضاء المفتوح في الغرب يتيح له فرصة التأثير الحقيقي على الشعب اليوغسلافي للتحرك حتى ولو بعيدًا عن منظومة الأحزاب، وهذا ما حدث بالفعل، فقد خرجت مظاهرات في جنوب صربيا لا ترفع شعارات حزبية بقدر ما ترفع لافتات تندد بميلوسوفيتش وتطالبه بالتخلي عن السلطة، ناهيك عن الفارق الثقافي والدعم السياسي الكبير الذي يقدمه الغرب للمعارضة عبر وسائل الإعلام المختلفة، من هنا يمكننا القول إن الفشل الإعلامي الذي صاحب حرب البلقان، دفع الغرب إلى التحرك مبكرًا هذه المرة ليدعم القلاقل وينشر أخبارها مستفيدًا من الانفتاح الإجباري الذي سمح به ميلوسوفيتش مضطرًا بعد الحرب، ووجدنا عبر شاشات التلفزة العالمية المسيرات داخل المدن الصربية المختلفة واستقبل وزير الخارجية البريطاني المعارض الصربي -زوران ديندييتش- وشدد الغرب على عدم منح صربيا مساعدات إلا بعد إزاحة ميلوسوفيتش، وربما تكون هذه الخطوة ذات أثر في المستقبل القريب إذا قام الشعب الصربي بقراءة جيدة للواقع الذي يعيشه والدور المطلوب منه في المرحلة المقبلة وهذا ما يبدو أنه حاصل.
والسؤال الثاني: هل يريد الغرب فعلًا إزاحة ميلوسوفيتش؟
والإجابة الظاهرة: نعم يريد الغرب ذلك. لكن الإجابة الباطنية تحمل تساؤلات هي في الوقت نفسه مبررات الإجابة بالنفي، ومن ذلك:
1- من بديل ميلوسوفيتش، وهل يمكن أن يكون زوران ديندييتش «الخائن» أم دراسكوفيتش «العميل» أم بانيش الذي كان رئيسًا للوزراء ويحمل الجنسية الأمريكية؟ أم المجهول الديمقراطي القادم بخيار شعبي. ٢
2- ما مخاطر التغيير الراهن؟ وبمعنى آخر هل سيكون التغيير سلميًا أم دمويًا تتحمل معه أوروبا مزيدًا من الأعباء الاقتصادية والسياسية وقد ينتهي بتغيير أوسع في الخريطة الجغرافية خصوصًا إذا حرك ميلوسوفيتش الجيش في مواجهة التظاهرات.
3- وما حدود التغيير؟ هل سيكون جذريًا يأخذ معه كل ما يتعلق بالتطرف الصربي في البلقان أم مجرد تغيير أشخاص مرحلي لحين التفكير المتعمق في الخروج بحل لأزمة البلقان المتمثلة في التركيبة العرقية المتباينة، والحقيقة أنه لا أوربا ولا أمريكا تستطيع توسيع دائرة التغيير في صربيا في الوقت الراهن، ولا يمكن أن نتوقع أن يتحول المجتمع الصربي مائة وثمانين درجة تجاه الغرب وهو الذي قصف ديارهم وحطم بنيتهم التحتية وساهم في تشريد الصرب.
4- آلية التغيير: وهو ما يعني سيناريو إخراج ميلوسوفيتش من الساحة، فأمريكا تريد جره إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، وهذا ما لا يمكن تحقيقه عمليًا إلا أن تقوم الدول المجاورة بشن هجوم على صربيا، وهو ما يستحيل لأنه سيحيل ميلوسوفيتش بطلًا قوميًا.. والسيناريو الأخر -غير العسكري- هو الانفراج السياسي التدريجي في صربيا وهذا أيضًا يمكن أن يقوده ميلوسوفيتش وربما يحصد بعض نتائجه مرحليًا، النموذج الذي تم تطبيقه مع صالح بريشا الرئيس الألباني السابق والذي انتهى بفرض توقيت محدد للانتخابات بعد أزمة مارس ۱۹۹۷م وانتهى الأمر بفوز المعارضة يمكن تطبيقه في صربيا وعليه سوف يتحمل الشعب وحده نتيجة ممارسته الديمقراطية ويكون التغيير مقبولًا ومستساغًا، وفي هذا الحالة يكون الرئيس القادم لصربيا قويًا يتحمل مسؤولية البلاد ويتحالف مع رئيس الجبل الأسود وهنا تتقلص صلاحيات ميلوسوفيتش تدريجيًا ويمكن الدعوة إلى انتخابات يوغسلافية تطيح بميلوسوفيتش بعد حين من الزمن.
ولكن هل يقبل ميلوسوفيتش ذلك؟ وهل فرص ميلوسوفيتش في البقاء على الكرسي مرهونة بإرادته أم أنها بيد غيره؟
وهل هذا الغير هو أمريكا أو أوروبا أم هو الزمن والتطور الحاصل بالقرب من صربيا وغيرها؟
ولكن السؤال الأكبر: وهل يهتم ميلوسوفيتش بالزمن أم أنه خارج إطار الزمن؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل