; القصة القرآنية: طبيعتها وصفاتها (۱۰) من (۱۱) 4- قصة يوسف | مجلة المجتمع

العنوان القصة القرآنية: طبيعتها وصفاتها (۱۰) من (۱۱) 4- قصة يوسف

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 12-يناير-2008

مشاهدات 74

نشر في العدد 1784

نشر في الصفحة 46

السبت 12-يناير-2008

  • قصة يوسف خير مثال للفكرة في القصة القرآنية فغايتها واضحة وفيها قمة التشويق

  وهذه القصة من أكثر قصص القرآن تشويقًا لكثرة حوادثها، وتعدد شخصياتها وانتصار يوسف في مواقف عديدة، على الإغراء، وعلى الظلم، وعلى الفراق عن أهله والتمكين له في الأرض حين صار مسؤولًا عن خزينة مصر، وماليتها، وأمورها لأمانته وإخلاصه، ثم خبرته ومهارته، وقبل هذا وبعده كفالة الله له بوصفه نبيًا صاحب رسالة هي: الدعوة إلى التوحيد والإيمان برب العالمين.

  والقصة طويلة، بل تعد أطول القصص قاطبة في القرآن الكريم، إذا ما تحينا جانبًا القصص التي تكررت مواضعها أو مواضع منها في سور عديدة.

  وقصة يوسف من القصص الدائرية التي تعود في نهايتها إلى البداية مع أن فيها انتقالات عديدة وسريعة وذروتها تصل إلى ابيضاض عيني والده يعقوب من الحزن ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (سورة يوسف: 84) ولكنها تنحل حين يدعو يوسف والديه وإخوته واعتذارهم ليوسف لقد بدأت القصة بحلم أثار نزاعًا بين يوسف وإخوته، وانتهت بالإشارة إلى الرؤيا وهذا النزاع: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة يوسف: 100) وسورة يوسف أو قصته تضم ثمانية وعشرين مشهدًا، كما سبقت الإشارة يصعب الإلمام بها جميعًا في هذا الحيز، ولكننا من خلال قراءة السورة نجد بعض الفجوات التي تفصل بينها، وتصب في إطار التوجيه الديني أو الدعوي، ويمكن الإشارة إلى بعض المشاهد المهمة التي وردت في القصة، وحملت دلالات عميقة في قضايا إيمانية وسلوكية وتنظيمية، وتبدأ القصة بالرؤيا التي رآها يوسف وقصها على أبيه: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (سورة يوسف: 4)، ومع تحذير أبيه ليوسف: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (سورة يوسف: 5)، فإن المشهد ينتهي بأخذه وإلقائه في الجب، والادعاء من جانب إخوته بأن الذئب قد أكله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (سورة يوسف: 18)(١).

  نلتقي بعدئذ بمشهد آخر حيث تلتقطه السيارة القافلة، ليُباع في مصر، ويُمكن له في الأرض، ثم يأتي مشهد "المراودة" أو الغواية من جانب امرأة العزيز وهو في تمام شبابه (ما بين العشرين إلى الثلاثين) وينعم الله عليه بالعلم والحكمة أو النبوة، وينجو بفضل الله من الغواية والخطيئة.

  وتتعدد المشاهد: نسوة المدينة اللاتي يتقولن على امرأة العزيز وفتاها والسجن والفتيان، وتفسير الرؤيا والدعوة إلى الله، وحلم الملك بالبقرات السمان والبقرات العجاف وتفسير الحلم، وظهور الحق مع امرأة العزيز، والملك يستخلص يوسف لنفسه، وإخوة يوسف يدخلون عليه، وطلبه أن يأتوا إليه بأخ لهم من أبيهم (بنيامين) وفقدان صواع الملك، واتهام إخوته له بالسرقة، واستبقاء بنيامين عنده، وعودتهم إلى أبيهم الذي طلب منهم العودة مرة أخرى إلى حيث بنيامين ليتحسسوا من يوسف وأخيه، والتعرف على أخبارهما عسى الله أن يأتي بالفرج، ثم نجد يوسف يكشف لهم عن نفسه ويعطف عليهم بعد أن شكوا إليه سوء حالهم، ثم يعترفون بخطئهم وذنبهم، فيعفو عنهم، ويدعو لهم بالمغفرة ويعطيهم قميصه ليلقوه على وجه أبيه فيعود إليه بصره الذي فقده حزنًا عليه، ويدخل أبواه وإخوته على يوسف، فيرفع أبويه ويجلسهما على سريره، ويخرون له سجدًا تحية، على عادة أهل ذلك الزمان للملوك والوزراء، ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة يوسف: 100).

  وهكذا نجد هذه المشاهد تتتابع لتبدأ بالحلم أو الرؤيا وتنتهي بها، في سياق يؤكد على الفرض الديني من القصة الذي يؤكد قدرة الله وهيمنته على الكون، ودعمه لأوليائه من الأنبياء والصالحين، مهما تأمر المتآمرون ومكر الماكرون.

  وفي فجوات المشاهد نجد تركيزًا على الوحدانية والفضائل الخلقية، واستنكارًا مباشرًا أو غير مباشر للرذائل في شتى صورها، وسوف نطالع عبر القصة شخصيات عديدة غير شخصية يوسف، ولعل أهمها شخصية والده يعقوب -عليه السلام- الذي أذهب الحزن بصره لفقدان ولده، وامرأة العزيز التي دفعتها الشهوة إلى طريق الغواية، ومثلها النساء اللاتي قطعن أيديهن، فضلًا عن إخوة يوسف الذين دفعتهم الغيرة إلى محاولة التخلص منه بإلقائه في الجب، ثم اتهامه فيما بعد بالسرقة كيدًا وبهتانًا، ثم رفيقي السجن وتفسير رؤيا كل منهما، مع دعوتهما إلى التوحيد.

علم وحكمة:

  أما شخصية يوسف نفسها، فقد سبقت الإشارة إلى علمها وحكمتها واتصافها بالوعي والحصافة، فضلًا عن المروءة والنخوة مع امرأة العزيز وإخوته حيث تلقى منهم الأذى، ولكنه غفر لهم وأكرمهم، وأما العزيز نفسه فيبدو شخصية هشة ضعيفة أمام امرأته، يطلب منها أن تستغفر، ويطلب من يوسف أن يُعرض عن الأمر ولا يتكلم فيه.

  ويرى "ثروت أباظة" أن قصة يوسف خير مثال للفكرة في القصة القرآنية، فهي تأتي لغاية واضحة، ولها تمهيد أحسن ما يكون التمهيد متمثلًا في الحلم الذي يمهد للأحداث، وفيه أيضًا قمة التشويق، حيث كان التشويق وما زال أهم عوامل نجاح القصة، مع أن بعض الروائيين المعاصرين مثل «البرتومورافيا» قد حاول تحطيم التشويق في رواية له، ولكنه باء بالفشل، ولكن قصة يوسف تنتقل كما يفعل أهل السينما في زماننا من مشهد إلى مشهد لتحقيق التشويق، فمن تدبير المؤامرة إلى تنفيذها، وتنكير الشخصيات الذين التقطوا يوسف من الجب، وباعوه بثمن بخس، حيث إنها شخصيات لا تؤثر في الحدث ذاته: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ (سورة يوسف: 20) وفي هذه الكلمات القلائل قمة من القمم الفنية(٢).

الهوامش:

(۱) راجع الآيات: 5-18.

(۲) السرد القصصي في القرآن الكريم: 16-41.

في محبة الوهم:

د. أحمد الخميسي (2)

  كان يلمحها خلف ستار شباك أثناء ذهابه إلى المدرسة وعودته منها، كانت (القلة) تبدو له مثل رأس فتاة تتابعه ببصرها وقلبها من بعيد، وقد تعلق بها وتغزل فيها بأجمل قصائده المبكرة إلى أن اكتشف أنها (قلة) فخارية ثابتة في صحن فوق (إفريز الشباك).

  علقت الحكاية بذهني خاصة حين قرأت فيما بعد قصة ليوسف إدريس بالمعنى ذاته عن شخص في زنزانة ملاصقة لحائط سجن النساء، تخيل أن خلف جدار زنزانته امرأة تطرق الجدار لكي تتواصل معه، ربما كانت حكاية القلة حقيقية، ومؤخرًا عدت للتفكير في قصة القلة حين قرأت للروائي الألماني توماس مان عبارة في روايته "الموت في فينسيا"- الصادرة عام ۱۹۱۳م- مفادها أن الشوق نتاج المعرفة الناقصة، كما نفعل نحن جميعًا حين نحسب القلة الفخارية غرام العمر كله، وحين تبدو لنا نظريات التغيير السياسية طريقًا إلى الجنة ونخال الأصدقاء إخوة من لحمنا ودمائنا؟ ثم يتضح أن كل ذلك وهم وراء ستار شفاف أضفنا عليه من أشواقنا كل جماله، فهل تكبر الأحلام والأشواق من نقص المعرفة؟ وهل أشواق الإنسان إلى العدل والحرية والحب والكرامة والسلام قائمة على أن معرفتنا بما نصبو إليه ناقصة؟ فإذا اكتملت معرفتنا بأحلامنا- أو بتجلي تلك الأحلام في الواقع- ذوت أشواقنا إليها؟ أذكر أنني حين سافرت للاتحاد السوفييتي كتبت في أولى رسائلي من هناك إلى أحد الأصدقاء: "أكتب إليك من زمن آخر من المستقبل". وبمرور الوقت تكشفت الصورة هناك عن وضع مختلف عن تلك اللوحة التي رسمها الشوق وحده مع المعرفة الناقصة، ومنذ نحو أربعين عامًا كان والدي يهون على نفسه فيخاطبني بقوله لم ير جيلنا شيئًا، أحلامه تتحقق لكن جيلك أنت سيرى العدل والكرامة والمساواة بدون شك، لكن جيلي لم ير شيئًا من ذلك، والآن لا أجد في نفسي شجاعة كافية لأقول لابنتي لكنك أنت سترين كل هذا وأسأل روحي هل كانت الأشواق العظيمة ثمرة معرفة ناقصة؟ وهل اكتمال المعرفة هو النقطة التي يبدأ عندها الشوق في النقصان؟ ألا يطرد تجسد الأحلام في هيئة معينة الأحلام ذاتها؟ أم أن الأحلام تواصل وجودها نحو صورة أخرى؟

  في حياة كل منا قلة قد تكون حزبًا سياسيًا، وقد تكون امرأة، وقد تكون ولدًا يعقد عليه أماله، وقد تكون صديقًا، وقد تكون وهم الكتابة، أو دورًا بارزًا، ونحن نمنح تلك الأحلام أجمل قصائدنا، وأوقاتنا وطاقتنا، ونحيا على أن القلة هي النور الذي نقاتل من أجله، هناك شيء لا يتحقق في كل الأحلام، لكن فيها أيضًا شيء آخر ينمو كالبذرة، ويتمدد مثل الضوء ويتخطى الحواجز، وكلما تجسد في هيئة محددة تجاوزها إلى هيئة أخرى أرقى؛ لأن الأشواق الإنسانية التي هي نتاج معرفة ناقصة هي أيضًا أشواق لاستكمال المعرفة، فالقلب الذي خفق من أجل قلة وراء نافذة هو وحده القلب القادر على أن يخفق بعنف من أجل امرأة من لحم ودم، لقد انطوى الإنسان آلاف السنوات على حلمه بأن يكون طائرًا مرفرفًا، يفرد جناحيه على العالم، وكم مرة اتضح له أن حلمه هذا وهم إلى أن تراكمت لديه المعرفة فتمكن من التحليق إلى أبعد نقطة في الفضاء.

  ليس المراد من قصة القلة أننا كثيرًا ما نعشق الأوهام، لكن المغزى أننا نعشق، ليس المهم أن تتحطم نظريات التغيير السياسية، المهم أننا مازلنا نريد التغيير، فإذا تحطم الأصدقاء والأحبة، وتكشفوا عن أوهام، فإن الطريق الوحيد لاكتساب الأصدقاء والأحبة هو المزيد من الوهم والإيمان بأن العالم ممتلئ بالخير وبالكثير ممن بين جوانحهم نفوس النبلاء والشعراء أن تعاقبنا الحياة بقولها: كنتم واهمين أفضل من أن تقول لنا: عشتم بنفوس جرداء قاحلة.

الرابط المختصر :