العنوان “آيا صوفيا” يعود مسجداً
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-2020
مشاهدات 65
نشر في العدد 2146
نشر في الصفحة 38
السبت 01-أغسطس-2020
الرمزية الدينية مؤثرة في المخيال التركي لا سيما مع ربطها بحديث الرسول بخصوص فاتح القسطنطينية وجيشه
إعادة «آيا صوفيا» مسجداً يخدم سردية «الجمهورية الثانية» وفكرة السيادة التركية على أراضيها واستقلالية قرارها
الدلالات الرمزية والدينية والحضارية والتاريخية للقرار استفزت بعض الأطراف مثل اليونان وروسيا و»اليونسكو»
من المتوقع ارتفاع شعبية أردوغان بعد هذا القرار داخلياً لا سيما أنه حظي بإجماع ملحوظ
بعد عشرات السنين من المطالبات والانتظار، أصدر مجلس الدولة التركي، في العاشر من يوليو الماضي، قراره حول الدعوى المرفوعة بخصوص «آيا صوفيا»، بإلغاء قرار المجلس الوزاري، المتخذ عام 1934م، بتحويل المسجد إلى متحف، القرار القضائي فتح الباب أمام إعادة المبنى مسجداً مرة أخرى، وهو ما فعله الرئيس أردوغان دون إبطاء، بإصدار مرسوم رئاسي بإلحاقه برئاسة الشؤون الدينية وفتحه للعبادة.
يكتنز مبنى «آيا صوفيا» رمزيات دينية وحضارية وتاريخية، بل وأيديولوجية عميقة ومتداخلة؛ فقد كان المبنى رمزاً للإمبراطورية البيزنطية والعالم المسيحي الكاثوليكي، وكان مركز إدارة الحرب مع الدولة العثمانية في القرن الخامس عشر، ولذلك عامله السلطان محمد الفاتح كمقر سيادي وسياسي أكثر منه كنيسة للعبادة، فحوَّله إلى مسجد مع الحفاظ على آثاره المسيحية، كأحد دلائل الانتصار والسيادة وتغير مجرى التاريخ في المنطقة لصالح الدولة العثمانية.
بقي المبنى مسجداً منذ عام 1453 وحتى 1934م؛ أي على مدى خمسة قرون تقريباً، قبل أن يغيره قرار المجلس الوزاري إلى متحف، تناغماً مع سياسات الجمهورية التركية الوليدة في عهد مصطفى كمال أتاتورك، التي كانت تسعى حثيثاً نحو العلمنة والتغريب في سياساتها الداخلية، وكذلك الانضمام للكتلة الغربية خارجياً ودولياً.
ولذلك، فللمبنى والقضية ثلاث ثنائيات متواجهة ومتناقضة من الرمزيات:
أولاها: مرتبطة بالبعد الديني أو الإسلامي - البيزنطي والصراع الممتد بينهما على مدى قرون طويلة بدءاً من فترة الخلفاء الراشدين، بل منذ العهد النبوي المتأخر، وحتى فتح القسطنطينية عام 1453م، ولا شك أن الرمزية الدينية مهمة ومؤثرة في المخيال التركي، لا سيما مع ربطها بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم بخصوص فاتح القسطنطينية وجيش فتحها.
والثانية: متعلقة بالبعد القومي، أو العثماني – الرومي، الذي تقوى كثيراً في السنوات القليلة الأخيرة مع ارتفاع منسوب الشعور القومي في تركيا، وإعادة الاعتبار نسبياً للدولة العثمانية، وقبول فكرة أن الجمهورية التركية الحالية امتداد لها، وهو شعور يتغذى، ولا شك، على تاريخ العلاقات التركية – اليونانية المضطرب وحاضرها المتوتر بسبب عدة ملفات متفجرة، في مقدمتها القضية القبرصية وجزر بحر إيجه وغاز شرق المتوسط.
والثالثة: لها ارتباط وثيق بالثنائية العلمانية – الإسلامية أو المحافظة في تركيا، فإن كان تحويل مسجد «آيا صوفيا» تم في ظل سياسات العلمنة وفي عهد أتاتورك، فإن إعادته مسجداً تمت في عهد أردوغان والعدالة والتنمية، بما يخدم سردية «الجمهورية الثانية» التي يسعى لها الحزب وفق أنصاره، وكذلك فكرة السيادة التركية على أراضيها واستقلالية قرارها.
ولعله من المهم في سياق هذه الثنائيات ملاحظة أنها متداخلة ومتفاعلة إلى حد كبير، لا سيما أن القومية في تركيا؛ شعوراً وخطاباً وتيارات، متصالحة مع الثقافة الدينية للشعب، بل تعتبر الدين الإسلامي أحد روافدها، كما أن الثنائيات المذكورة تفسر لماذا كانت الشريحة المحافظة هي الأكثر مطالبة بإعادة «آيا صوفيا» مسجداً عبر العقود الماضية، ولماذا انضمت لها الشريحة القومية مؤخراً بشكل معلن وملحوظ، كما يتضح من مواقف حزب الحركة القومية المتحالف مع العدالة والتنمية، والحزب الجيد المعارض له.
المسار القضائي
القرار القضائي الأخير ختم مساراً طويلاً من المطالبات والقضايا المرفوعة في هذا الإطار، التي كرَّست نفسها لها جمعية تركية اسمها «جمعية الأوقاف الدائمة وخدمة الآثار التاريخية والبيئة»؛ حيث بدأت الجمعية أولاً بتقديم طلب للحكومة عام 2004م، لكنها لم تحصل على رد؛ ما عني ضمناً أن طلبها رفض، فلجأت للقضاء.
في عام 2005م، تقدمت الجمعية بشكوى أمام الدائرة العاشرة في مجلس الدولة لإلغاء قرار مجلس الوزراء الصادر عام 1934م بتحويل المبنى من مسجد إلى متحف، إلا أن القرار صدر عام 2008م بالرفض، فاستأنفت الجمعية أمام محكمة أعلى في نفس العام ليصدر القرار عام 2012م بتثبيت الحكم السابق، ليبقى المبنى متحفاً.
أعادت الجمعية الكرة عام 2016م أمام الدائرة العاشرة لمجلس الدولة، لإلغاء القرار بعدة مسوغات من ضمنها التشكيك بصحة توقيع أتاتورك على القرار المذكور، وهي القضية التي صدر القرار أخيراً بخصوصها بإجماع كافة القضاة الأعضاء بإلغاء القرار السابق، وبالتالي عودة المبنى لأن يكون مسجداً ووقفاً.
يتضح مما سبق، أن حزب العدالة والتنمية لم يكن متحمساً لإعادة المسجد خلال السنوات القليلة الماضية، رغم أن أردوغان كان قد وعد بذلك حين كان رئيساً لبلدية إسطنبول الكبرى في تسعينيات القرن الماضي، تحسباً لردود الفعل الداخلية والخارجية على قرار من هذا القبيل، ويتضح ذلك جلياً من عدم تجاوبها مع الأمر كحكومة عام 2004م، وكذلك باعتبارها الطرف «المدعى عليه» في القضايا التي رفعتها الجمعية أمام مجلس الدولة حيث كانت تدافع عن فوائد إبقائه متحفاً.
أكثر من ذلك، كان الرفض هو موقف أردوغان حتى قبل سنة وثلاثة أشهر من الآن؛ ما يعني أن التغير في موقفه وموقف حزبه مبني على بعض المتغيرات المهمة؛ خارجياً وداخلياً، الأخير تحديداً كان أكثر ثقلاً في المعادلة فيما يبدو، وله علاقة بدعم حزب الحركة القومية للأمر من جهة، وتأسيس أحزاب جديدة من رحم العدالة والتنمية مؤخراً من جهة أخرى؛ حيث يحاول الحزب اليوم جاهداً عدم خسارة بعض أصوات الشريحة المحافظة لصالحها.
خارجياً، كذلك، باتت فرص العدالة والتنمية في عضوية الاتحاد الأوروبي اليوم أضعف بكثير مقارنة مع سنوات حكم العدالة والتنمية الأولى، وازدادت التوترات معه ومع اليونان بخصوص القضية القبرصية وغاز شرق المتوسط وغيرها من الملفات، فضلاً عن المتغيرات الكبيرة في نظرة تركيا لنفسها ودورها ومشروعها الإقليمي وبوصلة سياستها الخارجية في السنوات القليلة الأخيرة، ومن ضمن ذلك علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وروسيا وحلف شمال الأطلسي.
وبغض النظر عن الأسباب والسياقات، يبقى القرار تاريخياً كما وصفته الصحافة التركية على مدى أيام طويلة، وله رمزيته ودلالاته وستكون له تبعات بدرجة أو بأخرى.
ففي المقام الأول، ثمة دلالات رمزية ودينية وحضارية وتاريخية كثيرة مشبّعٌ بها القرار، ولذلك استفز الأخير مواقف منددة و/أو متحفظة من اليونان وروسيا ومنظمة «اليونسكو» وبعض الأطراف الأخرى، لكنها مواقف متوقعة وغير مؤثرة على أنقرة ولا على العلاقات الثنائية، في حالة روسيا مثلاً.
في المقابل، سيذكر الشعب التركي لأردوغان أنه هو من عاد «آيا صوفيا» مسجداً في عهده، مقابل أتاتورك الذي كان تحول إلى متحف في عهده، وهي رمزية حاضرة وبقوة، وعكستها بعض المقالات وحتى رسومات الكاريكاتير التركية التي أظهرت محمد الفاتح سعيداً وفخوراً بـ»حفيده» أردوغان، وقد عبر الأخير عن ذلك صراحة حين قال: إنه يحمد الله أن صدر هذا القرار خلال رئاسته.
ولذا، فإنه من المتوقع ارتفاع شعبية أردوغان بعد هذا القرار داخلياً، لا سيما أنه حظي بإجماع ملحوظ، لدرجة أن المعارضة التقليدية المتمثلة بحزب الشعب الجمهوري التزمت الصمت ولم تنتقد القرار، بينما أكد بعض قياداتها حق تركيا السيادي في القرار رافضاً الضغوط الخارجية.
وهكذا، عاد «آيا صوفيا» مسجداً بعد هذه الرحلة التاريخية الطويلة، وصليت فيه صلاة الجمعة الأولى في الرابع والعشرين من يوليو الماضي، من جهة أخرى؛ أكدت أنقرة احترام التراث المسيحي والإنساني في المبنى –كما حصل دائماً على مدى القرون السابقة– والحفاظ عليه، وهو أمر يمكنه مع الوقت خفض مستوى الاعتراضات والانتقادات الخارجية، لا سيما من «اليونسكو».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل