العنوان أمتي
الكاتب محمد الجاهوش
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مايو-1993
مشاهدات 23
نشر في العدد 1049
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 11-مايو-1993
الناظر في أحوال أمتنا يعتصر قلبه ألما ويضيق صدره حسرة وحزنا، ويكاد لا ينقضي عجبه من انحدار الأمة في مزالق الجهل والتخلف والتبعية: فكرا وحضارة وسياسة واقتصادا وسلوكا وأخلاقا، ومجاراة لمن يريدون خنق حريتها والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها ووأد أصالتها وكريم انتمائها.
أمة نبتت في منابت العز أرومتها، وطاولت
السماكين معالم حضارتها، وقادت ركب البشرية في داجيات الليالي ومدلهمات الأحداث،
فنعمت القيادة كانت قيادتها ونعم الريان ريانها. فلقد أنقذت الدنيا من تسلط
الجبارين وطغيان الظالمين وجشع الطامعين، وردت للإنسان كرامته، وللعقل حريته
واحترامه، وأعادت الفطرة إلى نقائها وسلامتها، وربطتها بمصدر عزتها وينبوع
سعادتها، وأهدت الدنيا رجالا أفذاذا حملوا راية الإسلام، فكانوا مصابيح هداية
ومنارات رشاد وفرسان كل میدان، نقلوا الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن
عبادة الأفراد إلى عبادة الواحد الديان، وأبدلوهم من ذلهم عزا، ومن فقرهم غنى، ومن
شتاتهم وحدة واجتماعا، ومن تبعيتهم أصالة واستقلالا، ومن جاهليتهم حضارة وعِلما،
ومن خوفهم أمنا وسلاما.
أمة طهرت الأرض من بذور الشر ومعالم الفساد،
واقتلعت جذور الشرك ومحت رسومه، فزالت دولته وانهزم سدنته، وأراحت الدنيا من
مفاسده وسيئات آثاره.
أمة اجتثت أصول الوثنية فذهبت ريحها وخمدت
نيرانها، وتهاوى إيوان عميدها، وتصدعت شرفاته، فذوى المجد والسلطان، وسقط التاج
وزال الصولجان أمام ألق الحق وقوة الإيمان.
وبات
إيوان كسرى وهو منصدع كشمل أصحاب کسری غیر ملتئم
نعم، سقط تاج شاه شاه، ليلبسه أعرابي من بني
مدلج، إنه قانون الأزل أن يرفع الله بدينه أقواما ويخفض آخرين.
أمة مضت تحمل هدى الله وتبلغ رسالته، وتجاهد
أعداءه، ويهون لديها في سبيل ذلك جزيل البذل ولا تستكثر، عظيم العطاء، فالنفس
والولد والمال والنسب والأهل والوطن- كل ذلك هين أمام نصرة الحق ومرضاة الخالق عز
وجل. فلا غرابة بعد هذا إذا ما غدت عنوانا للمجد ورمزا للفخار، وانتقلت من نصر إلى
نصر وحازت قصب السبق في كل ميدان. نعم، لا غرابة في ذلك ولا عجب، فلقد سبقت كلمة
الله لعباده المرسلين: إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون.
وجند الله في كل زمان ومكان هم حملة دينه
الذابون عن شريعته المرابطون لنصرة الحق ومقاومة الضلال، ذلك أنه ما علا باطل في
معركة إلا بضعف أنصار الحق وتوانيهم عن نصرته، وما كان الظلم ليسود لو أن أعوان
العدل ثبتوا تحت رايته وهبوا يذودون عن حياضه ويحمون حماه. لقد سارت أمتنا حينا من
الدهر على سنن الرشاد يقودها الغر من أبنائها إلى معالي الأمور، ويترقون بها في
درجات المجد، فاتحين ظافرين يستسهلون العسير ويذللون الصعاب، لا يفل لهم سيف ولا
تلين منهم قناة.
كانوا
جبالا في الجبال وربما ساروا
على موج البحار بحارا
لم تنس إفريقيا
ولا صحراؤها سجداتهم
والأرض تقذف نارا
بمآذن
الإفرنج كان أذانهم قبل
الكتائب يفتح الأمصارا
يعلو جهارًا
لا إله سوى الذي خلق
الوجود وقدر الأقدار
ففاز سعيهم وبورك جهادهم، وأثمرت غراسهم وجنت
الدنيا قطافها وتفيأت ظلالها عن اليمين والشمائل.
وصحبهم التوفيق ما استقاموا على الهدى، وحفظوا
العهد ولم ينقضوا الميثاق، وأسرح الطرف في ديار قومي وواقع أمتي، فينقلب منكسرا
حسيرا، يفزعه الخبر ويقلقه العيان.
أهذه أمتي التي ورثت المكارم وعشقت البطولات
واستعصت على الإذلال؟!
أهذه أمتي التي اعتزت بالإسلام وتوحدت تحت
رايته، فكانت لها السيادة والريادة، ومنها الأماجد الفاتحون الذين أنقذوا الدنيا
وردوها إلى منهج الله؟
أهذه هي الأمة التي خاض بنوها البحار واجتازوا
القفار، تطوى لهم الأرض وينصرون بالرعب ويهابهم الجبارون، أحقا إن هؤلاء الذين أرى
من نسل أولئك الرجال الأبطال؟
أما
الخيام فإنها كخيامهم وأرى رجال الحي غير رجاله
إنني أرى رجالا تنكبوا طريق الأجداد وأضاعوا
آراءهم وأقصوا منهجهم، ولم يهتدوا بهداهم، هانوا على أنفسهم فكانوا عند أعدائهم
أشد هوانا، زالت هيبتهم وذهبت رهبتهم، وأصبحوا غثاء كغثاء السيل، لا يحمل خيرا ولا
يدفع ضيرا، خفت صوتهم وذهب مع الصدى رجع كلمتهم، وأصبح أمرهم بأيدي أعدائهم،
يوجهون قضاياهم ويحتلون ديارهم وينهبون خيراتهم ويقررون مصيرهم.
لقد ذهب العز الشامخ وضاع المجد المؤثل، وغاضت
معاني الرجولة، وانهارت القيم التي امتاز بها الأجداد: من صون للأعراض ورعاية
للأخلاق وحماية للجوار، وحفظ للعهود وحرص على المواثيق وذب عن الأوطان ومقاومة
للأعداء ومقارعة للباطل.
ألم يأن للعقلاء من أبناء هذه الأمة أن يجمعوا
كلمتهم ويرصوا صفوفهم وينطلقوا يدا واحدة لإنقاذ بقية الخير المغروسة في فطرة
أمتنا والعمل على إصلاح ما أفسده الحاقدون من الأعداء والأغبياء من الأبناء؟
إن الأمل معقود على جيل الصحوة الإسلامية، فهل
يعي رؤوسه الدرس ويستعلون على أسباب الضعف؟ إنا مؤملون.
اقرأ أيضًا: