العنوان إلى جيل الصحوة الإسلامية الخطوة التالية بعد تعرية الحداثة
الكاتب د. محمد عادل الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1989
مشاهدات 61
نشر في العدد 911
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 04-أبريل-1989
* جيل الصحوة مطالب باثراء الحركة الأدبية الإسلامية بالجديد المستمر
عن طريق إثارة عزائم الأدباء والشعراء الإسلاميين.
*
أنصار الحداثة يتوارون اليوم وراء أدلة نسجوها من خيوط العنكبوت.
إن الصحوة الإسلامية المباركة قد أفرزت بعون من الله اعتدادًا واستعلاء بالإسلام
ووسائل التعبير عنه، ألفينا رجعه في تبني جيل الصحوة للأدب الإسلامي ونتاج شعرائه وأدبائه،
وفي الهجوم الكاسح على ما يسمى بالحداثة «الوافدة».. هذا الهجوم المؤمن المزود بالأدلة
الدامغة والبراهين المشرقة إشراقة الإيمان في نفس الإنسان المؤمن الذي عرف طريقه وشق
دربه أبلج ناصعًا في حياته وفكره ومناشطه، يقيس كل شأن فيها على هدى من مبادئ الإسلام
وموازينه، وتصوره للوجود والحياة لذا ألفينا الهجوم على الحداثة «الوافدة» قد عزلها
وعراها، وكشف أسسها المستوردة من الفكر التغريبي الذي لا ينسجم مع أصالة الأمة وطبيعتها
المؤمنة التي خط الله لها طريقها البين المستتير:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا
السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: 153).
إن ما أسهم به الباحثون الأصلاء في كشف دخيلة الحداثة وأصلها الأجنبي لم يعد
موضع جدال، حتى إن أنصار الحداثة أخذوا يتوارون وراء أدلة نسجوها من خيوط العنكبوت
من مثل قولهم: إننا مؤمنون، ولكننا نبتغي التجديد فنأخذ من الحداثة شكلها دون مضمونها،
وهو قول واهي الدليل:
﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا
يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: 41)، إذ من تجوز عليه هذه الأكذوبة أو تنطلي عليه مثل هذه
الأحابيل؟
الحداثة خروج عن أصالة الأمة
إن نزعات الحداثة- كما هو معلوم لدارسي الأدب- من وجودية وماركسية وسوريالية
وبنيوية، لا ينفصل فهيا الشكل عن المضمون، بل إن المضمون يدخل في نسيج الشكل، كما يعرفون
ويخفون.
إن الخروج عن أصالة الأمة وعن عقيدتها واضح في طريق أتباع الحداثة «الوافدة»،
وقد جلى ذلك أفاضل كتبوا عنها وعروا طريقها التغريبي، ولي في ذلك إسهام كامل، وإن كنت
قد ضننت فيه على أتباع الحداثة «الوافدة» بهذا الاسم الذي لا ينطبق على المقلد التابع
للأجنبي، ووضعتهم في بحثي تحت اتجاه الغريب الذي يوضح من خلال نصوصهم الأدبية الصريحة
إنكارهم العقيدة وهجومهم على التراث، والعبث بمدلول الألة، وازدراء مصطلح الخليفة الذي
يمثل عزة الأمة الإسلامية وعهود حضارتها(1).
إنه بعد اتضاح ذلك كله وتصنيف أنصار الحداثة «الوافدة» في زمرة الخارجين عن طريق
الأمة ومثلها، ومن المروجين للمثل الأجنبية الوافدة بما يخدم حركة الغزو الأوروبي للعالم
الإسلامي استبان لكل مسلم الطريق التغريبي المريب الذي يقف فيه أنصار الحداثة إذ يوطئون
للغزو الأوروبي إجهاض طاقات العالم الإسلامي بتنكير شخصية الإنسان المسلم، وفصله عن
تاريخه وعقيدته ومثله ليكون لقمة سائغة في أشداق الصليبية والصهيونية والاستعمار.
وبعد هذا الكشف عن أخطار الحداثة الأدبي الوافد الذي يحمل السم التغريبي إلى
أبناء أمتنا عن طريق النتاج الأدبي الدخيل الذي لا يمثل عقيدة الأمة أو طبيعتها وعقيدتها
في الحياة بعد حركة التوعية لخروج اتجاه الحداثة «الوافدة» عن طريق الأمة المسلمة وعقيدتها
حان الوقت ليشرع جيل الصحوة في البناء الأدبي الإيجابي الذي يعبر عن أهداف جيل الصحوة
وتطلعاته وأمانيه وهو الأدب الإسلامي.
لابد من تدعيم الأدب الإسلامي
إن الأدب الإسلامي وهو الطريق الوجداني المعبر عن مثل الإسلام وقيمه، يحسن أن
يخص بالعناية، وإن تصرف في طريقه الجهود، وتخاض المشاق، وما تعرية الحداثة والتوعية
لأخطارها إلا مرحلة إزالة العقبات لا ينبغي أن تستغرق جهود جيل الصحوة واهتمامه، إذ
لا ينبغي أن ينشغل الجيل الإسلامي الصاعد بالجانب المرحلي الموقوت عن الغاية الأصيلة
في العمل الأدبي ألا وهو تدعيم بناء الأدب الإسلامي، كما لا ينبغي أن تشغلنا ردود الفعل
عن الغاية الأصيلة والهدف الأصيل، وحذار، حذار أن يحسب البعض أن الهجوم على الحداثة
«الوافدة» هو الأدب الإسلامي أو جزء من أصوله.
إن تعرية الحداثة مرحلة تمهيدية- كما أسلفت- ينبغي ألا تستهلك من الاهتمام الإسلامي
أكثر من حجمها. ينبغي ألا ينشغل جيل الصحوة الإسلامية في تتبع مثالب الحداثة «الوافدة»،
وما صدر عن رموزها من مقولات بما يصرفه عن الغاية الأساسية من جهة، ويؤدي إلى إبراز
الحداثة ورموزها من جهة أخرى.
إن استعذاب الذم والقدح في الخصوم قد يغري بالدوام والاستمرار، وحسبانه مع الأيام
هو الغاية، وهذا ليس طريق جيل الصحوة الذي يروم أن يرسي قواعد الإسلام في حياة الإنسان
المسلم، كما يروم إرساء قواعد الإسلام في تعبيره ومناشطه، كما أن الالتفات عن الطريق
والهدف فيما عدا الضرورة الموقوتة ضياع للجهود والطاقات، وانصراف عن بناء الأدب الإسلامي
الذي ينتظر من جيل الصحوة الكثير.
الارتقاء في الفهم والتذوق أولًا
إن الأدب الإسلامي يتطلب من جيل الصحوة أن يصعد حماسه في خدمة الأدب الإسلامي،
أن ينقل فعالياته من العاطفة إلى البناء وأن يطور جهوده من مجرد التأييد النظري إلى
الارتقاء في الفهم والتذوق وتطلب المزيد فيهما، وإن من الضروري أن يتوغل جيل الصحوة
في فهم أبعاد الأدب الإسلامي وسبر أغواره، وأن يتفاعل مع عوالمه وآفاقه بعمق الداعية
المتأدب الذي يؤثر رفيع القول فيندب نفسه لحراسة نتاج الأدب الإسلامي ودراساته الاختصاصية
من النتاج السقيم والدراسات الغثة، وأن ينشر هذا الفهم والتذوق الرفيعين في الأوساط
المتأدبة، وأن ينقل نتاج الأدب الإسلامي إليها.
إن الأوساط المتأدبة لا تزال في حاجة إلى تعريف ضاف بالأدب الإسلامي، وأن يكون
التعريف مزودًا بالفهم والتذوق وسعة الآفاق، فهناك صاحب الرأي المعتد برأيه، وهناك
المتردد وهناك من يؤثر المجاملة ولا يميل إلى التبني والانتماء، وهناك أصحاب المصالح،
وهناك... لذا قد يتطوع بعض من ذكرت بعرقلة طريق الأدب الإسلامي، جهلًا منهم بآفاقها
أو اعتدادًا بآرائهم، أو خوفًا على المصلحة الذاتية، وإزاء ذلك لابد لجيل الصحوة من
بذل جهود ضخمة لمعالجة المواقف السلبية، والتبصير بعواقب هذه المواقف التي لا تعود
على الإسلام والمسلمين بخير.
ميادين واسعة أمام جيل الصحوة
وإن جيل الصحوة لهو الجدير بتنشيط حركة الأدب الإسلامي وفعاليتها
الثقافية في الصحف والدوريات وذلك بمزيد من نشر نتاج الأدب الإسلامي فيها وإقناع أرباب
الصحف والمجلات بقيمة الأدب الإسلامي واتساع قاعدة جمهوره ورواده.
وجيل الصحوة مطالب أيضًا أن يثير عزائم الأدباء والشعراء الإسلاميين
للإنتاج الأدبي ولإثراء الحركة الأدبية الإسلامية بالجديد المستمر، وتروج نتاج الأدباء
الإسلاميين من دواوين وقصص ومسرحيات في الصحف والمجلات.
إننا لنجد أمام جيل الصحوة الإسلامية المباركة ميادين واسعة في طريق
بناء الأدب الإسلامي ودفع الدم الجديد في الساحة الأدبية بأعلى مستويات القول وأرقاها،
بعيدًا عن الكسب الإعلامي الرخيص وشغل الساحة بالتجارب المخفقة.
إن مرحلة البناء والتجديد هي الخطوة الإيجابية في نشر الوعي الإسلامي
عن طريق الكلمة المتأدبة، ورفع شأن الإسلام عن طريق تصوير الأدباء والشعراء لعوالمه
وآفاقه، وإنه لواجب يضع إنسان الصحوة المسلم أمام مسؤولياته الحقيقة.
من هنا يجد جيل الصحوة أنه- بخطواته وفعالياته- قد كون تياره، وبني
طريقه الأدبي، وأرسى قواعد أدبه الإسلامي الذي يطوي بحيويته وارتقاء تصوره- بعون الله-
النزعات المتغربة من حداثة وافدة أو سواها، لا عن طريق الذم والقدح وإيراد أسماء المتغربين
الذين لا وزن لهم في المجتمع الإسلامي، ولكن عن طريق المد الإسلامي الكبير الذي يؤلق
النتاج الأدبي الشامخ يحني رؤوس المعاندين، ويشق للأدب الإسلامي تياره القومي الدافق
بكل ثقة واعتداد، وتأييد واعتماد، وعندئذ يجد جيل الصحوة نهجه الأدبي حقيقة واقعة تفرض
نفسها، ويرفع رأسه اعتدادًا بنتاج أدبه الإسلامي، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.