العنوان (الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار): الإسلام وأسباب الهزائم
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1985
مشاهدات 70
نشر في العدد 747
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 24-ديسمبر-1985
(الحلقة الثامنة)
عندما تهزم الأمم العريقة والكبيرة أمام الأقلية المنبوذة، يتساءل المفكرون والفلاسفة عن سبب هذا الاختلال والاعتلال في التاريخ الإنساني.
فما سبب الهزائم المخزية؟
يختلف المفكرون في ذلك أكثر مما يتفقون. والسبب أنهم ليسوا أحرارا في الحقيقة حيث خضعوا لمؤثرات تدخلت إلى حد كبير في إصدار حكمهم في هذه القضية.
فبعضهم يرى أن البرجوازية هي السبب، ويراد بها حكم الطبقة الغنية المستغلة في نظرهم، والتي سلبت حقوق «البروليتاريا» أي الطبقة العاملة. وبعضهم يرى أن السبب هو أرستقراطية الحكم، أي اتباعه نظام المكاتب والمركزية العمياء التيتحول دون سماع رأي الشعب، وبعضهم يرجع السبب في الهزائم إلى الحُكم الأوتوقراطي أي الطبقات العالية. ويرجع بعضهم ذلك إلى الديماجوجوية التي استخدمها الزعماء أي أسلوب التغرير بالجماهير وحجب الحقائق عن الشعب.
ثم يأتي أصحاب الفكر الماركسي وينسبون الهزائم إلى الدين الذي عزل الشعب عن الأهداف الرفيعة لطبقة البروليتاريا. وتناسى هؤلاء جميعًا أنه يجب رد أسباب الهزائم إلى الواقع الحقيقي لهذه الشعوب والأمم، والذي أدى بها إلى هذا الخراب والدمار. قال الله تعالى: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: ١٦٥).
إن الإسلام الذي تتسع قواعده لأكبر من حدود الزمان والمكان، قد تكفل بحل هذه المشاكل وغيرها، ولهذا كان من أول واجبات المسلم أن يرد هذه الهزائم وغيرها إلى قواعد الإسلام العامة التي تحكم المجتمعات وتفسر تطور الحياة الإنسانية.
لقد بين الله تعالى هذه الأسباب في آيات كثيرة، منها قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 17) وقوله سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 53).
لقد ضرب الله تعالى مثلًا لأسباب النعيم والشقاء في الدنيا والآخرة فقال عز وجل:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل: 112).
وبيّن أن انتكاس هذا المجتمع عن الإيمان الذي استتبعه الأمن والرخاء إلى الكفر الذي استتبعه الخوف والشقاء بقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (النحل: 113)، وبيّن الله تعالى أن العدل والإصلاح بين الناس من أسباب بقاء الدول والشعوب آمنة مطمئنة، فقال تعالى:
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ، وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾( هود: 116-117).
كما أرشد الله الناس إلى أن الظلم من أكبر العوامل التي تؤدي إلى هلاك الأمم فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ،وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (إبراهيم: 113-114).
وبين الله أن الساسة الذين أعمتهم الأموال عن العدل الاجتماعي وعن الأخوة الإنسانية، فلم ينفقوا المال في سبيل الله، معرضون لغضب الله ولزوال أموالهم وهلاكهم. قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 195).
إن القوة العسكرية القائمة على الطغيان ليست سبب النصر، فقد أوضح الله تعالى: أن الدول التي تقوم على أساس القوة العسكرية الظالمة والتطاول في البنيان والصناعات، وتجندها لقهر الإنسان واستضعاف الشعوب، هذه الدول لا بد أن تزول كما زالت عاد عندما استعلت بهذه الأشياء على الحق الذي نادى به نبي الله هود الذي قال لهم فيما قصه القرآن الكريم: ﴿أَتَبۡنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ، فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (الشعراء: 128-131).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل