; "الكريسماس".. أصله وفصله | مجلة المجتمع

العنوان "الكريسماس".. أصله وفصله

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر الأحد 01-يناير-2023

مشاهدات 60

نشر في العدد 2175

نشر في الصفحة 50

الأحد 01-يناير-2023

د. أحمد عيسى

دكتوراة في العقيدة وأصول الدين

يحتفل المسيحيون الكاثوليك والبروتستانت، ومعظم العالم مجرور وراءهم، بزخرف الأضواء وبديع الألوان، وقوة التسوق، يوم 25 ديسمبر من كل عام بذكرى ميلاد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، بما يسمى "الكريسماس"، فهل هذا فعلاً هو يوم ميلاد المسيح؟ وما أصل هذا الاحتفال؟ وما فصله؛ أفي الشتاء، أم الخريف، أم الصيف؟ وما أبعاده التاريخية وقد صار مناسبة دينية مسيحية علمانية تجارية عالمية؟ 

كما جاء في قسم الديانة المسيحية في "هيئة الإذاعة البريطانية"(1)، فإن الأناجيل لم تذكر تاريخ ولادة عيسى عليه السلام، ولم يكن هناك يوم للاحتفال حتى القرن الرابع الميلادي حين قرر البابا "جوليوس الأول" تعيين 25 ديسمبر موعداً لعيد الميلاد، وكانت هذه محاولة لتنصير الاحتفالات الوثنية التي تُجرى بالفعل في هذا الوقت من العام، وفي عام 529م أصبح 25 ديسمبر عطلة مدنية، وبحلول عام 567م كانت الاثنا عشر يوماً من 25 ديسمبر إلى عيد الغطاس أياماً رسمية.

ولأن عيد الميلاد مزيج غريب من التقاليد المسيحية والوثنية والشعبية، فمنذ عام 389م، حذر القديس "غريغوريوس نازيانزين"، أحد الآباء الأربعة للكنيسة اليونانية، من الولائم المفرطة والرقص وتتويج الأبواب.

ومن منتصف القرن السابع عشر حتى أوائل القرن الثامن عشر، قمع المسيحيون الأصوليون (الحركة البيوريتانية) احتفالات عيد الميلاد في أوروبا وأمريكا، كانوا يؤمنون بالقواعد الأخلاقية الصارمة، والاتباع الوثيق لكتاب العهد الجديد، ونظراً لأن تاريخ ميلاد المسيح ليس في الأناجيل، فقد اعتقدوا أن عيد الميلاد مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمهرجان الروماني الوثني، وكانوا يعارضون جميع الاحتفالات به، وفي عام 1644 تم حظر جميع أنشطة عيد الميلاد في إنجلترا.

الجذور اليهودية

عيد الميلاد ليس مجرد مهرجان مسيحي، فالاحتفال له جذور في عطلة عيد الأنوار (الحانوكاه) اليهودي، واحتفالات اليونانيين القدماء، والمعتقدات والعادات الشعبية في أوروبا، وهذا تؤيده دوائر المعارف البريطانية والأمريكية، ويحتفي اليهود بـ"الحانوكاه" كذكرى لاستعادتهم حريّة العبادة، وبحسب معتقدهم، لم يكن الزيت المقدس في الهيكل يكفي المتمردين على الإغريق لإنارة الشموع لأكثر من ليلتين، لكنه بقي مشتعلاً لثماني ليال.

وفي الجذور الوثنية، يأتي عيد الميلاد بعد منتصف الشتاء مباشرة، حيث تقوى الشمس وتبدأ الأيام في النمو لفترة أطول، بالنسبة للناس عبر التاريخ، كان هذا وقتاً للولائم والاحتفال، وكان القدماء صيادين، يقضون معظم وقتهم في الهواء الطلق، وأدت الفصول والطقس دوراً مهماً جداً في حياتهم، ولهذا السبب كان لديهم تبجيل كبير للشمس، بل وعبدوها، ورأى النورمانديون في شمال أوروبا الشمس على أنها عجلة غيَّرت الفصول، وفي هذا الانقلاب الشتوي كان النورمان يشعلون النار، ويشربون الخمر.

أما الرومان الوثنيون فكانوا أيضاً يقيمون مهرجانًا للاحتفال بالانقلاب الشتوي، أو عيد زحل إله الحصاد عندهم، لمدة 7 أيام من 17 ديسمبر، وربما نشأت أصلاً عن كلمات شكر كانت تُرَدَّد في الاحتفال بذكرى الزراعة الشتوية، وبمرور السنوات فقدت أهميتها الزراعية وأصبحت مناسبة للاحتفالات العامة.

وقبل وصول المسيحية إلى الجزر البريطانية، عُقد الانقلاب الشتوي في أقصر يوم من أيام السنة (21 ديسمبر)، كان الدرويد (الكهنة السلتيك) يقطعون الثمر الأحمر الصغير "الهدال" الذي ينمو على شجرة البلوط ويمنحونه البركات، وكان يُنظر إلى أشجار البلوط على أنها مقدسة، والهدال على أنها رمز للحياة في أشهر الشتاء المظلمة.

حاولت الكنيسة كبح ممارسات غير المؤمنين الوثنية، وأعطيت العادات الشعبية معنى مسيحياً، وأخذت الكنيسة الأغاني التي بدأت كأغان للاحتفالات مثل منتصف الصيف والحصاد، وبحلول أواخر العصور الوسطى، أصبحت ترانيم عيد الميلاد تقليداً، كما قامت الكنيسة بحقن المعنى المسيحي في استخدام الثمار المقدسة، مما جعلها رمزاً لتاج الشوك ليسوع.

متى ولد المسيح؟

يذكر أنه في القرن الثالث الميلادي، بدأ الجدال حول جدوى الاحتفال بميلاد المسيح، وكانت الاقتراحات تشمل 21 مارس و20 مايو، ولكن على عام 336م تبنت الكنيسة في روما التي اعترفت بها الإمبراطورية الرومانية يوم 25 ديسمبر(2).

وهناك من يعترض على هذا التاريخ من وجهة نظر تاريخية جغرافية، فإن بيت لحم في ديسمبر تكون الأجواء فيه باردة وممطرة وأحياناً ينزل فيها الجليد، وفي هذا الجو لا يخرج الرعاة ليلاً مع رعيهم؛ وبالتالي يصعب أن يخرج الناس في هذا الجو، كما ورد في إنجيل لوقا من أن ميلاده كان أثناء الاكتتاب؛ وهو إحصاء الأفراد أو المواطنين في الأماكن الخاضعة لحكم الرومان؛ وبالتالي فإن طائفة تقول: إن الميلاد كان في أكتوبر، والبعض الآخر يحاول حساب الميلاد بالحساب العكسي من يوم الوفاة حسب عقيدتهم التي وفقاً لإنجيل يوحنا كان في 14 أبريل 33م، ولما بدأ دعوته في سن الثلاثين فإن ميلاده يكون في أوائل الخريف(3).

ومنذ بضع سنوات، قام مجموعة من علماء الفلك برسم صورة تحاكي صفحة السماء في زمان عيسى عليه السلام، حيث وجدوا أن هناك احتمالاً أن تكون نجمة عيد الميلاد التي اقتادت كهان المجوس في ذلك الوقت على الأرجح توحيداً واضحاً لكوكبي الزهرة والمشتري، اللذين كانا قريبين جداً من بعضهما ويضيئان بشكل براق؛ وبالتالي نجد بعض علماء الفلك يُؤكدون أن تاريخ الميلاد كان في يوم 17 يونيو؛ أي في الصيف وليس بالشتاء، في العام الثاني قبل الميلاد(4).

وعيد الميلاد اختلف المسيحيون في موعده وانقسموا إلى فريقين؛ الأول يقول: إنه يوم 25 ديسمبر، والثاني (الأرثوذكس) يؤكد أنه يوم 7 يناير، وكان الاحتفال بعيد الميلاد في يوم 25 ديسمبر حتى عام 1582م، عندما لاحظ علماء الفلك في عهد البابا "جريجوريوس الثالث عشر"، بابا روما، أن هناك خطأ في حساب طول السنة الشمسية، حيث هي أقل من طول السنة اليوليانية، بفارق 11 دقيقة و14 ثانية، وبناء على ذلك انفصل مسيحيو الشرق (الأرثوذكس) عن مسيحيي الغرب (الكاثوليك والبروتستانت) في احتفالهم بعيد الميلاد، حيث وافق عام 1582م يوم 4 يناير، ولكي يضبط الفلكيون هذا الوضع أرسوا قاعدة تحتم حذف ثلاثة أيام كل 400 عام، ومرجع ذلك يعود إلى أن الفرق بين التقويمين بمرور الوقت إلى أن أصبح حالياً 13 يوماً، وأضحى موافقاً ليوم 7 يناير من كل عام، وسيظل هكذا حتى عام 2094م حينها سيوافق 8 يناير(5).

وبعد، فعيد مشكوك في تاريخه، ملوث ببقايا الوثنية الأولى، وصار رمزاً دينياً مسيحياً، فلا يجوز لمسلم الاحتفال به كما قال العلماء في القديم والحديث.

الهوامش

(1)Date of Christmas and precursors, 22 June 2009

https://www.bbc.co.uk/religion/religions/christianity/holydays/christmas_1.shtml

(2) Was Jesus really born on 25 December.

BBC iWonder، http://www.bbc.co.uk/guides/zwnsbk7

(3) Jesus’ Birth—Where and When?

www.jw.org/en/publications/books/jesus/events-up-to-jesus-ministry

(4) Jesus was born in June›, astronomers claim، The Telegraph 09 Dec 2008

(5) هل عيد الميلاد (الكريسماس): 7 يناير أم 25 ديسمبر؟ موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

الرابط المختصر :