; إبداع البديع! ..الكون المخلوق لا بد له من خالق | مجلة المجتمع

العنوان إبداع البديع! ..الكون المخلوق لا بد له من خالق

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر الأربعاء 31-أغسطس-2022

مشاهدات 79

نشر في العدد 2171

نشر في الصفحة 51

الأربعاء 31-أغسطس-2022

مقال

نظام الكون مقدر بطريقة خاصة لا تسمح لاحتمال الصدفة أو العشوائية

العقل الإنساني يرفض التسليم بأن الشيء يوجد نفسه كما أن الشيء لا يخلق شيئاً أرقى منه

الطبيعة من سماء وأرض ونجوم وشموس وأقمار لا تملك عقلاً ولا سمعاً ولا بصراً فكيف تخلق إنساناً سميعاً عليماً بصيراً؟!

د. أحمد عيسى

 

إنّ عِلمنا بالطريق الآلي لعمل السيارة لا يمنعنا من الإيمان بأن لها صانعاً، وإنما يدفعنا نظامها المعقد والمرتب إلى الاعتقاد بأن لها صانعاً مبدعاً لها، والعشوائية لا تنتج أي إبداع،  لذا فجمال الكون وإبداعه لا يمكن تفسيره بالعشوائية أو الصدفة.

ولو رأينا إنساناً انتقل من أسفل بناية إلى أعلاها فلا نستنكر ذلك، ولا نستغربه، لأن لديه القدرة على ذلك، فإذا رأينا حجراً كان في ساحة البناية قد انتقل إلى أعلاها، فإننا نجزم بأنه لم ينتقل بنفسه، بل لا بد من شخص رفعه ونقله؛ لأن الحجر ليس لديه خاصية الحركة والصعود، ومن الغريب أن الناس يجزمون بأنه لا بد للحجر من شخص صعد به إلى أعلى، ولكن يوجد فيهم  من يجيز أن يصنع الكون من غير صانع، ويوجد من غير موجد!

الكون المخلوق لا بد له من خالق:

يحتج القرآن على المكذبين المنكرين بحجة، لا بد للعقول من الإقرار بها، ولا يجوز في منطق العقل السليم رفضها، يقول الله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ {35} أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ) (الطور).

يقول لهم: أنتم موجودون، هذه حقيقة لا تنكرونها، وكذلك السماوات والأرض موجودتان، ولا شك، وقد تقرر في العقول أن الموجود لا بد من سبب لوجوده، وهذا يدركه راعي الإبل في الصحراء، فيقول: «البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، ألا تدل على العليم الخبير»، كما يدركه كبار العلماء في الحياة والأحياء.

وهذا الذي أشارت إليه الآية هو الذي يعرف عند العلماء باسم «قانون السببية»، هذا القانون يقول: إن شيئاً من «الممكنات» لا يحدث بنفسه من غير شيء؛ لأنه لا يحمل في  طبيعته السبب الكافي لوجوده، ولا يستقل بإحداث شيء؛ لأنه لا يستطيع أن يمنح غيره شيئاً لا يملكه هو.

قالوا: الطبيعة هي الخالق:

وهذه فرية راجت في عصرنا هذا، فقالوا: إن الطبيعة هي التي توجد وتحدث، فإذا قالوا: نعني بالطبيعة الكون نفسه، فإننا لا نحتاج إلى الرد عليهم؛ لأن فساد قولهم معلوم مما مضى، فهذا القول يصبح ترديداً للقول السابق: إن الشيء يوجد نفسه؛ أي: إنهم يقولون: الكون خلق الكون، فالسماء خلقت السماء، والأرض خلقت الأرض، والعقل الإنساني يرفض التسليم بأن الشيء يوجِد نفسه، كما أن الشيء لا يخلق شيئاً أرقى منه، فالطبيعة من سماء وأرض ونجوم وشموس وأقمار لا تملك عقلاً ولا سمعاً ولا بصراً، فكيف تخلق إنساناً سميعاً عليماً  بصيراً! 

قالوا: الطبيعة هي القوانين التي تحكم الكون:

يقولون: إن هذا الكون يسير على سنن وقوانين تسيّره وتنظم أموره في كل جزئية، والأحداث التي تحدث فيه تقع وفق هذه القوانين، مثله كمثل الساعة التي تسير بدقة وانتظام  دهراً طويلاً، فإنها تسير بذاتها بدون مسير، وهؤلاء في واقع الأمر لا يجيبون عن السؤال المطروح: من خلق الكون؟

قد يكشفون لنا عن الكيفية التي يعمل الكون بها، ونحن نريد إجابة عن موجِد الكون وموجِد القوانين التي تحكمه، ومدبر أمره في كل لحظة، إن مثل الكون كمثل آلة تدور تحت غطائها، لا نعلم عنها إلا أنها تدور، ولكن لو فتحنا غطاءها فسوف نشاهد كيف ترتبت هذه الآلة بدوائر وتروس كثيرة، يدور بعضها ببعض، ونشاهد حركاتها كلها، كيف يفهم منطقياً أن  مشاهدتنا هذه أثبتت أن الآلة جاءت من تلقاء ذاتها، وتقوم بدورها ذاتياً؟!

الكون المنظم:

يقول المؤمن بالله: إن الوجود الحي والنظام المتكامل يقتضيان توفر منظومة قوانين وثوابت كونية دقيقة جداً ومتناغمة في تشابكها المعقد، لتقود إلى أمرين عجيبين: نشأة الحياة، واستمرار الحياة، والعلم ينصر المؤمنين بشدة، فإن الكون قد صيغ مادة وقوانين على صورة بالغة الدقة لتظهر الحياة.

ويضع المؤمن حجته كالتالي: 

1- إذا كان الكون قد خلقه إله، وكان هذا الإله يريد أن يثبت من خلال الكون ما يدل على وجوده؛ فالمتوقع وجود كون منظم، وتنظيمه قائم على صورة دقيقة ومتعالقة الأفراد  تستفز الذهن، وأن يقود هذا النظام المعقد إلى ظهور الحياة، وأن نظائم الكون مقدرة بطريقة خاصة لا تسمح لاحتمال الصدفة أو العشوائية أن يكتسب شرعية عقلية أو علمية،  فالكون منظم من بديع متعالٍ هو الله سبحانه.

2- إذا كان الكون بلا خالق فالمتوقع أن نجد كوناً عشوائياً، وكوناً يسير إلى مزيد من الفوضى، ولا مجال لتصور الهدفية في مقادير الأشياء أو قوانينها. 

بديع السماوات والأرض:

والله هو الذي أبدع ذلك كله، ليتجلى اسمه البديع؛ (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (البقرة: 117)؛ أي: خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق، فلا يستعصي عليه، ولا يمتنع منه (تفسير السعدي)، والبديع في اللغة: على وزن فعيل بمعنى مُفعِل؛ أي مُبدع السماوات والأرض، بدع الشيء يبدعه بدعاً وابتدعه: أنشأه وبدأه، وهو البديع الأول قبلَ كلِّ شيء،  وأنَّه المُنفرد بخلق السماوات والأرض، والإبداع: أن تصنع شيئاً على غير مثالٍ سابق، فالله عز وجل قد أبدع هذا الكون بكل ما فيه على غاية الحسن والإحكام من غير مثال سابق.

والبديع: هو الذي لا عهد بمثله، فإن لم يكن بمثله عهد لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في كل أمر راجع إليه فهو البديع المطلق، ولا يليق هذا الاسم مطلقاً إلا  بالله سبحانه وتعالى فهو بديع أزلاً وأبداً، فإنه ليس له قبل، فيكون مثله معهوداً قبله، وكل موجود بعده فحاصل بإيجاده. (المقصد الأسني لأبي حامد الغزالي).

ومن أسماء الله الحسنى في الموضوع هي في قول الله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) (الحشر: 24)، وقد يظن أن هذه الأسماء مترادفة، وأن الكل يرجع إلى الخلق، ولا ينبغي أن يكون كذلك، بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى تقدير أولاً، وإلى الإيجاد على  وفق التقدير ثانياً، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثاً، والله سبحانه وتعالى خالق من حيث إنه مقدّر، وبارئ من حيث إنه مخترع موجد، ومصور من حيث إنه مرتب صور المخترعات أحسن ترتيب (المقصد الأسني).

وإنما ذكرت هذه الصفات متتابعة لأن من مجموعها يحصل تصور الإِبداع الإلهي للإِنسان، فابتدأ بالخلق الذي هو الإِيجاد الأصلي، ثم بالبرء الذي هو تكوين جسم الإِنسان، ثم بالتصوّر  الذي هو إعطاء الصورة الحسنة، كما أشار إليه قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ {7} فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) (الانفطار) (التحرير والتنوير لابن عاشور).

الخالق: لكل شيء، الموجد لهذا الكون على مقتضى حكمته، البارئ: المبدع المخترع للأشياء، والمبرز لها من العدم إلى الوجود، المصور: المصور للأشياء والمركب لها، على هيئات  مختلفة، وأنواع شتى من التصوير، وهو التخطيط والتشكيل (الوسيط للطنطاوي).

ومظاهر وصور الإبداع في خلق الله تعالى في الكون كثيرة تفوق العد والحصر، ولو نظرنا إلى مثال واحد هو الإنسان؛ فعلى وجه الأرض يعيش أكثر من 8 مليارات من بني آدم، عدد مهول ضخم! لكن الخالق المبدع أبدع في خلقهم، فلكل واحد من هؤلاء البشر بصمة أصابع لا تتشابه مع الآخر، ونغمة صوت لا تتطابق مع الآخر، وقزحية عين لا تتشابه مع الآخر، أليس هذا  هو الإبداع الرباني والقدرة الإلهية الشاملة؟! (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ {59} أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) (النمل).

نحن أمام كون رائع، خلقه إله حكيم خبير يستحق العبادة، إله ذو عظمة وكبرياء وإجلال وإكرام وجمال وكمال، يستحق الثناء والحمد والشكر، وله وحده طاعات البدن والمال  والنفس والروح والقلب؛ استغاثة واستعاذة واستجارة ودعاء وطلباً للمدد، وحباً وطمعاً وخوفاً ورجاءً وتوبة وإنابة وتوكلاً وتفويضاً.

المراجع

1- العقيدة في الله، الأشقر، الأردن: دار النفائس، ط12، 1999.

2- الإسلام يتحدى، وحيد الدين خان، الرسالة، 2005.

3- براهين وجود الله في النفس والعقل والعلم، سامي عامري، لندن، تكوين، 2018.

4- كبرى اليقينيات الكونية، البوطي، دمشق: دار الفكر، ط8، 1982.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 5

112

الثلاثاء 14-أبريل-1970

خصائص المجتمع المسلم - 2

نشر في العدد 194

84

الثلاثاء 02-أبريل-1974

الجيل الجديد (194)

نشر في العدد 406

77

الثلاثاء 01-أغسطس-1978

صور من السيكولوجية اليهودية